
مرت شهور على الليلة دي، والقصر اللي كان دايماً زي التربة، ساكت ومظلم، بقى فيه روح وحياة. صوت ضحك يوسف الصغير وهو بيجري في الطرقات كان بيملا المكان، وعملية قلبه نجحت وبقى زي الفل وبيلعب ويجري بفضل ربنا.
حنان بقت هي كل حاجة في مكتبي وفي حياتي. مسكت أوراق الشغل بذكاء وأمانة يوزنوا دهب، وكل يوم كانت بتثبتلي إن جدعنتها وعزة نفسها مش مجرد كلام. كنت بشوف في عينيا الاهتمام والخوف عليا، مش على إبراهيم القاضي صاحب الملايين، لا.. على إبراهيم الإنسان.
في يوم، كنت قاعد في المكتب براجع صفقات جديدة، وحنان واقفه جنبي بتقدملي الفنجان الشاي المضبوط بتاعي، وفجأة دخل سيد.. دراعي اليمين في الشغل الكبير اللي ورا الستار. وش سيد كان يقطع الخميرة من البيت.
“إبراهيم بيه..” سيد قالها وصوته واطي ومكتوم، “الرجالة بتوع عائلة الميرغني نزلوا السوق النهاردة وبيسألوا عنك.. وبيقولوا إن الحساب القديم بتاع أبوك الله يرحمه لازم يتقفل الليلة، وإلا المينا والمطاعم هتتحرق.”
حنان الفنجان اتدلق من إيدها على الترابيزة من الخضة، وبصتلي بعيون مرعوبة: “إبراهيم بيه.. ناس مين دول؟ وحساب إيه؟”
بصيت لسيد ببرود، وجوايا نار بتتأكل: “الميرغني فاكرين إني لما قعدت على الكرسي ده بقى حيلتي قاطعة.. ما يعرفوش إن إبراهيم القاضي حاي وهو على الكرسي ده يخوف بلد بحالها.”
التفت لحنان وقبل ما تتكلم، مسكت إيدها بثبات: “حنان.. خدي يوسف واطلعي على الأوضة الجوانية مع داده نرجس.. ولا تفتحي ولا تخرجي مهما سمعتي صوت بره.”
حنان ماسكة إيدي ومبتسيبهاش، ودموعها في عينيا: “أنا مش هسيبك يا إبراهيم! مش هسيبك تقابل الناس دول لوحدك.. لو في خطر عليك أنا هفضل جنبك!”
ابتسمت لها نص ابتسامة.. ابتسامة راجل شايف مراته وأهله واقفين بضهره: “يا حنان.. اللي يمس شعرة مني يتحرق، وأنا مش هسيب حد يهد البيت اللي إنتي أحييتيه بوجودك. اسمعي الكلام واطلعي.”
طلعت حنان بالعافية وهي تبصلي وخايفة، وأنا ألتفت لسيد وقلت بصلابة من حديد: “جمعلي كل الرجالة على بوابة القصر.. الليلة دي الميرغني هيعرفوا إن القاضي لما بيقوم من على كرسيه، بياخد أرواح اللي يدوس على طرفه.”
وفعلاً، على الساعة اتناشر بالليل، صويت العربيات وضرب النار بدأ على باب القصر بره.. بس الميرغني ماكنوش يعرفوا إنهم داخلين مفرمة نصبتهالهم بحرفية. الرجالة بتوعي حوطوهم من كل ناحية، وأنا بالكرسي المتحرك بتاعي كنت واقف في نص الصالة ومسدسي في إيدي، بأمر وبحرك اللعبة زي رقعة الشطرنج.
في خلال نص ساعة، الملحمة انتهت.. كبير عائلة الميرغني كان المأسور قدامي على أرضية الصالة، ورجالته اترعشوا وسلموا سلاحهم.
بصيتله وقلت بصوت يهز الجبال: “أبويا مات زمان يا ميرغني.. بس أنا لسه حي، واللي يفكر يقرب من شبر في أملاكي أو بيتي.. يقرأ الفاتحة على روحه.”
رميت السلاح، والشرطة نزلت لمّت الحثالة دول كلهم وقضت على حسهم للأبد.
الهدوء رجع للمكان.. والباب بتاع الأوضة الجوانية اتفتح.
حنان جرت عليا وهي بتنهد والدموع مغرقة وشها، وجت عند الكرسي بتاعي ونزلت على ركبتها ونطقت بقلب مخلوع: “إنت كويس؟ حصصلك حاجة؟”
مسحت دموعها بإيدي، وبصيت في عينيا بصدق وحب لأول مرة أعلن عنه من سنة: “أنا كويس طول ما إنتي ويوسف بخير يا حنان.. من النهاردة مفيش خطر ولا خوف. القصر ده بيتك، وإنتي ست البيت ده.. وست قلب إبراهيم القاضي.”
حنان ابتسمت من وسط دموعها وهزت رأسها بكسوف، وعرفت إن الرحلة الصعبة والفقر والتعب انتهوا.. وإن قصة إبراهيم القاضي وحنان مكنتش قصة شغالة ومعلم، دي كانت قصة روحين اتقابلوا في الظلمة عشان ينوروا حياة بعض للأبد.
#حكايات_شروق_خالدعدت الأيام والشهور، والقصر اللي كان زمان مصدر خوف ورعب لمنطقة التجمع كلها، بقى بيت دافي مليان حب وبركة.
إبراهيم كبر عمليته وعالج رجله ببرامج علاج طبيعي مكثفة، وبدعم حنان وجدعنتها وإصرارها اليومي إنه ما يستسلمش، بدأ يقف على حيله ويمشي خطوتين وتلاتة على عكاز، لحد ما بقى يقف بطوله قدام الدنيا كلها من غير كرسي متحرك ولا عجز.
يوسف ابن حنان دخل أحسن مدرسة، وبقى ينادي لإبراهيم “بابا إبراهيم”، وكان القاضي بياخده في إيده كل يوم الجمعة ينزلوا بيه السوق ويفرجه على شغله، وكأنه ابنه من صلبه وأكتر.
وفي يوم دافي من أيام الربيع، القصر كله اتزين بالأضواء والورد الأبيض. المعلم إبراهيم القاضي كتب حسابه الرسمي وقفل كل جراحه القديمة، وأقام أكبر فرح شهدته القاهرة، وعقد قرانه على حنان عبد الفتاح وسط فرحة داده نرجس ورجالة الشغل والبلد كلها.
وقف إبراهيم في نص القصر، لابس بدلة شيك وحنان جنبه كأنها ملكة متوجة بفستانها الأبيض المحتشم الجميل، وتلألأت الدموع في عينيه وهو بيسحب إيدها قدام الناس كلهم وبيقول بصوت هز المكان:




