
أمر زعيم المافيا رجاله بتفتيش حقيبتها الصغيرة المخبأة، لكنه شحب تمامًا عندما رأى الندبة التي دفن سرها منذ عشرين عامًا.
في اللحظة التي رفعت فيها صوفية طرف فستان آية منصور الأحمر، توقف كريم المنصوري عن التنفس.
كان ستة رجال مسلحين يراقبون آية وكأنها قنبلة على وشك الانفجار.
قبل ثانية واحدة، كان كريم مستندًا إلى المدفأة الرخامية، يمسك كأساً بيد واحدة، ويبدو تمامًا كالرجل الذي تخشاه القاهرة بأكملها—واحد وأربعون عامًا، هادئ تمامًا، مسيطر تمامًا، ونفوذه قوي لدرجة أن رجال الشرطة والمسؤولين كانوا يردون على مكالماته قبل أن يردوا على مكالمات أقرب الناس إليهم.
أطلق جهاز كشف المعادن صافرته ثلاث مرات بالقرب من فخذ آية الأيمن.
وكان رئيس حرسه قد عثر على علبة فولاذية رفيعة مربوطة أعلى ركبتها بقليل.
كان المفروض إن ده يكون هو الشيء اللي يشد انتباه كريم.
لكن ما حصلش.
عيناه ثبتتا على الندبة الطويلة الشاحبة الممتدة على الجزء الداخلي من فخذ آية.
أربع علامات صغيرة كانت تقطع الندبة، كأنها آثار دبابيس جراحية قديمة.
تحطم الكأس في يد كريم.
سمع الجميع صوت الزجاج.
آية شافت الدم وهو بينزل على كفه، لكن كريم نفسه ما بداش عليه إنه حاسس بيه.
أخذ خطوة بطيئة إلى الخلف.
ولأول مرة في الليلة دي، ظهر الرجل اللي كانت القاهرة كلها بتخاف منه… خائفًا.
قال بصوت منخفض:
“إنتِ جبتي الندبة دي منين؟”
اشتعل وجه آية من الإحراج.
كان حولهم رجال أعمال كبار، ومحامين، وأصحاب شركات، ومسؤولين، ورجالًا لم تكن البدلات الغالية قادرة على إخفاء حقيقتهم.
جميعهم حضروا إلى قصر كريم المنصوري الفخم في ضواحي القاهرة لحضور حفل خيري لجمع التبرعات للأطفال الذين فقدوا بيوتهم في الحرائق.
وكانت المفارقة كافية تقريبًا لتجعل آية تضحك.
سحبت فستانها من يد صوفية.
“إنت أمرت رجالتك يفتشوا تحت هدومي قدام نص رجال البلد، ودي أول حاجة تسألني عنها؟”
لم يرفع كريم عينيه عن الندبة.
“فين؟”
“كنت عندي تسع سنين.”
اشتد فكه.
“إيه اللي حصل؟”
“حادثة عربية.”
“مين الدكتور اللي عمل لك العملية؟”
حدقت آية فيه.
قبل ثلاث ساعات فقط، كانت قاعدة جوه عربية هوندا قديمة قدام بوابة قصر كريم، بتعيد قراءة رسالة من والدتها المتوفية.
“ما تثقيش في أي حد جوه البيت ده. خصوصًا الراجل اللي هيقول لك إنه أنقذك.”
كانت والدتها، منى منصور، قد توفيت قبل ستة أيام بعد سنوات طويلة من معاناتها من مشاكل في القلب.
وكانت الرسالة مبرمجة بحيث يتم إرسالها بعد وفاتها.
وكان مرفقًا بها صورة لدعوة حفل كريم المنصوري، وثلاثة أسماء مكتوبة على ظهرها:
كريم المنصوري.
الدكتور سامح رشدي.
محمود المنصوري.
وتحت الأسماء كتبت منى جملة واحدة:
“واحد أنقذك. واحد فتح جسمك بالسكين. وواحد لسه فاكر إنك موتي.”
قضت آية ما يقرب من عشرين سنة وهي تعتقد أن منى منصور هي والدتها الحقيقية، وأن الندبة الموجودة على فخذها كانت نتيجة حادث سيارة على طريق القاهرة ـ الإسكندرية، حادث لم تعد تتذكر منه شيئًا.
لكن أثناء ترتيبها لأغراض والدتها بعد الجنازة، عثرت على أشعة سينية مخبأة داخل بطانة علبة مجوهرات قديمة.
كان هناك لوح معدني مثبت داخل عظمة فخذ آية.
وكان الرقم التسلسلي للوح مكتوبًا على ظهر الأشعة.
عندما اتصلت آية بالمستشفى الذي يُفترض أنه عالجها وهي طفلة، اكتشفت أنه لا يوجد أي سجل للعملية.
لكن كان هناك طبيب واحد من المستشفى نفسه لا يزال يعمل حتى اليوم.
الدكتور سامح رشدي.
والليلة، كان سامح واقفًا على بُعد أقل من خمسة أمتار منها.
وكان قد أصبح شاحبًا تقريبًا مثل كريم.
لاحظت آية ذلك.
وصوفية لاحظته هي الأخرى.
خفض رئيس حرس كريم فستان آية، ثم أخذ العلبة الفولاذية.
قال كريم:
“افتحها.”
فتحتها صوفية.
كان بداخلها أشعة سينية قديمة، ومشرط جراحي صغير بمقبض خشبي مهترئ، وورقة مطوية.
تحرك الدكتور سامح فجأة.
اختفت يد صوفية تحت سترتها.
قالت بحدة:
“ما تتحركش.”
تجمد سامح.
“كنت هطلع الدوا بتاعي.”
“هتطلعه لما أقول لك.”
نظرت آية إلى يده اليمنى.
كان في إصبعه خاتم فضي على شكل ثعبان ملتف حول نفسه.
كادت ركبتاها تنهاران.
وفي ثانية واحدة قاسية، اختفت القاعة من حولها.
كانت في التاسعة من عمرها من جديد.
دخان.
حرارة.
صوت رجل يخبرها ألا تفتح عينيها.
أصابع باردة تضغط على وجهها.
وثعبان فضي يلمع أمام عينيها.
“انسي اسمك.”
جاءت الذكرى بسرعة عنيفة لدرجة أن آية شهقت.
رأى سامح الاعتراف يظهر في عينيها.
ثم أشاح بوجهه.
وضع كريم كأسه المحطم على الطاولة.
وقال:
“الكل يخرج.
لم يتحرك أحد.
لم يرفع كريم صوته.
“قلت يخرجوا.”
أفرغت القاعة نفسها في أقل من دقيقة.
وعندما أُغلقت الأبواب الضخمة، لم يبقَ سوى آية، وكريم، وصوفية، والدكتور سامح.
أخذ كريم الأشعة السينية ورفعها أمام النار.
تغير وجهه.
قال:
“أربعة ستة سبعة واحد C.”
تجمدت آية.
“إيه؟”
أشار إلى الرقم التسلسلي الموجود على اللوح المعدني.
“اللوح.”
“إنت حتى ما قريتش الرقم.”
“مش محتاج أقراه.”
همس سامح:
“كريم…”
استدار كريم نحوه.
“ولا كلمة.”
ثم نظر إلى آية.
“اللوح ده اتصنع لطفلة واحدة بس.”
شعرت آية بضغط غريب داخل صدرها.
“مين؟”
جاءت إجابة كريم بصوت خافت:
“مريم المنصوري.”
لم يعني الاسم شيئًا لآية.
ومع ذلك، بمجرد أن سمعته، شعرت بألم عميق في مكان ما بداخلها.
اتجه كريم نحو لوحة معلقة بجوار المدفأة، ثم ضغط بإبهامه على إطارها المنحوت.
انفتحت اللوحة إلى الخارج.
وخلفها ظهرت خزنة فولاذية.
تغيرت ملامح صوفية.
قالت:
“المفتاح اختفى من مكتبك من عشرين دقيقة.”
نظر كريم إلى سامح.
تصلب وجه سامح.
نظرت آية بينهما.
“إيه اللي بيحصل؟”
فتح كريم الخزنة باستخدام مفتاح ثانٍ كان يخفيه أسفل سوار ساعته.
لم تكن بداخلها رزم أموال.
ولا ألماس.
ولا أسلحة.
كان هناك صندوق موسيقى صغير خاص بطفلة




