
بنت عندها 12 سنة غلبانة وأنقذت حياة مليونير على الطيارة—بس لما قرب منها وهمس بكلمتين في ودنها محدش سمعهم غيرها، عينيها اتملت دموع وأخيراً عرفت السر المستخبي!
بنت عندها 12 سنة مسافرة لوحدها لأول مرة في رحلة برة البلد، وهي مش دريانة إن الرحلة دي هتشقلب حياتها وتكتب قصتها من جديد. وفي وسط الطيران، بيقع من راجل أعمال مجهول صورة عائلية تخصها قوي، فتحت باب غموض بيهدد كل حاجة كانت مصدقاها طول عمرها.
ولما جاله هبوط حاد في القلب وبدأ يهتز وينطق بأسامي من ماضيها، الشك تحول لنار عايزة إجابات. دي كانت بداية السكة اللي هتتغير فيها حياتها، حيث الحقيقة والشجاعة والحب الحقيقي بيتجمعوا في تدويرة على أصلها أبعد بكتير من مجرد الميراث.
مريم كانت باصة لكارت الركوب اللي متبتة عليه بإيديها الصغيرين، وصوت دقات قلبها مسموع وهي حاسة برهبة السفرية اللي لوحدها. بنت 12 سنة عمرها ما خرجت بره حدود حارتهم البسيطة في “بنها”، فما بالك بقى وهي طالعة طيارة وطايرة على الإسكندرية ومسافرة بعيد!
كانت واقفة في صالة مطار القاهرة، والزحمة حولين منها من كل ناحية.
تيتة فاطمة عدلت لها الشنطة على ضهرها وقالت لها: “افتسكري الكلام اللي قلتهولك يا مريم.. أول ما تقعدي تربطي الحزام، ولا تتكلمي مع غريب، وأول ما برجلك تطأ هناك ترني عليا طمنيني.”
مريم هزت راسها وعينيها الزرقا الباهتة بتبص على البلاط البيلمع تحت رجليها. الجواب الغريب كان وصل من 3 أسابيع، مكتوب فيه اسمها بخط حلو وأنيق.
ميراث مستنيها، حاجة من حقها وأصلها. وتذكرة الطيارة اللي كانت المظروف مع الوعد إن كل المصاريف مدفوعة ومتقفلة، هي اللي خلّت تيتة فاطمة اللي ظروفها على قدها خالص توافق وتسيبها تسافر.
تيتة فاطمة كانت بتمسد على شعر مريم الأشقر بأصابعها اللي ورمت من الروماتيزم وبتبرطم: “أنا مش داخلة دماغي.. طب ما كانوا بعتوا الحاجة دي في البوسطة وخلاص؟ ولا ليه يصروا إن حتة عيلة تسافر بطولها كدة؟”
مريم نفسها مكنتش فاهمة، بس كان فيه حاجة جوة الجواب صحّت في قلبها الشوق لحاجة مش فاهماها.
من 5 سنين، من ساعة الحادثة اللي صابت أبوها مصطفى ودخلته في غيبوبة مقطوع منها الأمل في مستشفى الميري، ومن بعديها أمهـا الشاذلية طفشت وماحدش يعرف لها طريق.. مريم عايشة مع تيتة فاطمة في أوضتين وصالة فوق دكانة الفول والحمص اللي في أول الشارع.
“النداء الأخير للركاب المتجهين للرحلة رقم 1857…” الصوت يرّ في الصالة، فمريم اتنفضت من مكانها.
تيتة فاطمة صوتها اتقطع وهي بتقول: “يلا يا ضنايا.. أرقام التليفونات معاكي؟”
مريم زقت ابتسامة بالعافية وقالت: “في الشنطة وحافظاها صم يا تيتة، ومعايا رقم المحامي أول ما أنزل هكلمه.”
الحضن كان سريع بس بيوجع، ورائحة تيتة المألوفة باللافندر والنعناع مالت عليها للمرة الأخيرة قبل ما مريم تفتح الباب وتتحرك.
ودت التذكرة للموظفة، اللي ابتسمت لها بعطف وحطت لها شريط أصفر على هدومها مكتوب عليه “طفل بدون مرافق”، وش مريم احمرّ من الكسوف. جوة الطيارة، قعدت مريم جنب الشباك، وبصت للعمال اللي تحت من الفتحة المدورة.
ذكريات أبوها مصطفى هجمت عليها.. بضحكته الطيبة وإيديه الشقيانة. كان ميكانيكي بيفضل شغال بالساعات في الورشة عشان يكفيهم. إيديه كانت علطول مليانة هباب وشحم، بس كانت أحن إيد وهي بتضفر لها شعرها الصبح وهي رايحة المدرسة، أو وهي بتمسح دموعها لما العيال يضايقوها.
كان علطول يقول لها: “الأهل مش بالدم يا مريومة.. الأهل باللي يختار يحبك بجد.”
عمرها ما سألت نفسها ليه هي مش شبهه؛ شعرها الأشقر وعينيها الزرقا اللي طالعين برة أشكالهم السمرا العادية. مكنش فارق معاها خالص لحد يوم الحادثة الشومة من 5 سنين لما عربية نقل دخلت في عربيتهم وخلت أبوها زي الجماد. الدكاترة قالوا مش هيقوم منها، بس مريم كانت بتروح له كل جمعة، تقعد ترغى جنبه وتكلمه وهي مؤمنة إن فيه حاجة جواه سامعاها.
بعد الحادثة، أمها الشاذلية اتغيرت خالص. الست اللي كانت مالية البيت غنا وززرعة ورد أبيض في البلكونة انطفت ومبقاش يطلع لها صوت. الاكتئاب أكلها، وبعد 3 أشهر سابت البيت ودخلت العباسية للمرضى النفسيين، وسابت ورقة صغيرة ملطخة بالدموع بتقول فيها إنها هترجع أول ما تطيب.. وما رجعتش أبداً.
الحياة مع تيتة فاطمة كانت ماشية بالعافية. القرش كان بالحساب، ومريم اتعلمت تطنش نظرات الشفقة من صحابها في الفصل لما تلبس نفس الطقم كذا يوم ورا بعض، أو لما ماتعرفش تطلع الرحلات اللي بتطلب فلوس زيادة.
“المكان ده فاضي يا شاطرة؟”
مريم رفعت عينها لقيت راجل لابس بدلة شيك قوي وبيشاور على الكرسي اللي جنبه. كان طويل، وشعره أسود فيه خصلات بيضا، وواقف بوقفة الراجل اللي متعود يؤمر وينهي.
مريم ردت بسرعة ورجعت تبص من الشباك: “فاضي يا بيه.”
الراجل قعد، ومريم أخدت بالها إنه قاعد يبص لها كل شوية بنظرات غريبة مش مفاهوما. كان فيه حاجة مألوفة في عينيه.. نفس اللون الأزرق الصافي اللي في عينيها، بس طيرت الفكرة من دماغها أول ما المضيفات بدأوا يشرحوا تعليمات الأمان.
لما الطيارة طارت في الجو، مريم غمضت عينيها ومسكت في كرسيها جامد. كانت اشتركت في جمعية الهلال الأحمر في المدرسة السنة اللي فاتت، منها عشان تهرب من الحوش اللي العيال بيقعدوا يتهامسوا فيه على هدومها القديمة، ومنها عشان كان بيبقى فيه سندوتشات ببلاش في الاجتماعات. أبلة ميرفت الميس بتاعتهم كانت قايلاهم إن كتم النفس وعدّ الشهيق والزفير بيهدي الخوف، فبقيت مريم تعد أنفاسها والطيارة بتعلى فوق.
الراجل سألها لما الطيارة هديت في الجو: “أول مرة تركبي طيارة؟”
مريم هزت راسها وهي مش عايزة ترغي، بس افتكرت كلام تيتة عن الأصول والذوق.
قال لها وهو بيمد إيده: “أنا طارق عبد الرحمن.. صاحب شركات عبد الرحمن للتكنولوجيا.”
ردت عليه وهي بتهز إيده بسرعة قبل ما ترجع لكتابها: “مريم مصطفى.” وكان الكتاب نسخة متبهدلة من قصة الحديقة السرية بتاعة أمها.
طارق أول ما سمع اسمها اتسمر مكانه، وإيده فضلت معلقة في الهواء شوية. اتنحنح وفتح اللاب توب بتاعه، بس مريم أخدت بالها إنه مبيكتبش حاجة.. قاعد يحدد في الشاشة وخلاص.
بعد ساعتين طيران، الطيارة اتهزت جامد ودخلت في مطبات جوية. الطيارة نزلت مرة واحدة، فمعدة مريم اتقلبت. العصير اندلق، والدولاب اللي فوق الشنطة قعد يخبط، وصوت الكابتن طلع في الميكروفون بيطلب من الناس تقعد وتربط الأحزمة.
طارق كان بيلخبط في أوراق معاه، فسقطت صورة منه وجت تحت رجل مريم. طأطأت جابتها عشان تدهاله، بس الصورة لما شفتها عينها اتجمدت.. راجل وست شباب واقفين قدام شجرة شجرة رأس السنة. الست مفيش شك إنها أمها.. أصغر وأحلى بكتير من الصورة اللي في خيال مريم. والراجل اللي كان حاطط إيده على وسطها وبيضحك.. كان طارق!
مريم قالت وصوتها طالع بالعافية وسط صوت المواتير والطيارة اللي بتتنفض: “دي أمي!”
وش طارق أصفرّ وقطع الدم. وقال: “أنا ممكن أفهمك..” بس هزة جامدة للطيارة قطعت كلامه. حط إيده على صدره فجأة، ونفسه بقى يعلى ويوطى بجلطة.
مريم صرخت والرعب في زورها: “يا بيه! أنت كويس؟!”
طارق مكنش قادر ينطق، ووشه اتلوى من الوجع، ومال لورى على الكرسي.
ومن غير تفكير، مريم زقّت زرار الاستدعاء بانهيار. المضيفة جرت عليهم، والبرود اللي على وشها طار أول ما شافت حالة الراجل.
مريم قالت وهي فاكرة كلام أبلة ميرفت: “ده بيجيله أزمة قلبية! لازم نينيموه فلات ونعمله تنفس صناعي لو أغمى عليه!”
المضيفة اندهشت ثانية من كلام البت الصغيرة، بس بسرعة نادت في الميكروفون على أي دكتور في الطيارة.
وعلى ما الطيارة كانت بتجهز تنزل اضطراري في مطار برج العرب، مريم ساعدت إنهم ينقلوا طارق على أرضية المطبخ عشان الواسع.
مسكت إيده وقالت له: “خليك معايا.. أرجوك خليك معايا!”
في وسط التخاريف والوجع، طارق ثبت عينيه على وش مريم وتمتم: “شاذلية.. أنا آسف يا مصطفى.. كنت راجل أجدع مني.. طول عمرك أجدع مني.”
مريم اتسمرت مكانها.. الراجل الغريب ده يعرف أسامي أبوها وأمها منين؟!
طارق همس وصوته بيضيع: “مريم.. يا بنتي.. أنا كنت بطلع عليكي من بعيد طول السنين دي.. أبوكي.. مش هو اللي في بالك.”
وبعدين عينيه غمضت، والناس والدكاترة هجموا عليه وسحبوا كل حاجة.
ولما الطيارة نزلت الهبوط الاضطراري، مريم قعدت في كرسيها، والصورة متبتة في إيدها، وكلمات طارق بترن في ودنها زي الجرس.. كل حاجة كانت مصدقاها في حياتها اتهزت من الجذور.
أنوار مستشفى برج العرب كانت ضربة في الوش في صالة الانتظار. مريم كانت قاعد بطولها على كرسي بلاستيك، وحاضنة الشنطة في صدرها زي الدرع. النزول كان هيصة ورعب؛ المضيفات يجروا، والناس بتهز في بعضها، وطاروق اتشفط على نقالة أول ما الطيارة لمست الأرض.
حاولت تجري وراه عشان تفهم، بس موظفة المطار أخدتها من إيدها وحطتها في الانتظار.
الست قالت لها وهي رايحة تشوف بقية الناس: “فيه حد هيجيلك يا حبيبتي حالا.”
الكلام ده كان من 3 ساعات.




