دخلت مطعم الأثرياء بزيّ الممرضة بعد 12 ساعة شغل…ج1 حكايات شروق خالد

اقترب منه أحد رجاله بهمس:
“يا سيد عمر، لم يغادر أحد من الأبواب.”
فنظر إليه بحدة:
“ماذا تقصد بذلك؟”
“كاميرات المراقبة تم قطعها تماماً لحظة انقطاع التيار.”
أطبق عمر على فكه بغضب:
“إذن الفاعل كان يعلم كل صغيرة وكبيرة.”
التفت نحوه متسائلة:
“أتعني أن هناك شخصاً يراقبنا من الداخل؟”
قبل أن برد، تردد صوت زجاج يتحطم في قاعة الاستقبال الخلفية، وعلت صرخات الزبائن بينما تحرك حراس عمر باتجاه الصوت بحذر. جذبني عمر من يدي قائلاً:
“تعالي معي.”
“إلى أين؟”
“إلى مكان آمن.”
جذبني باتجاه مخرج جانبي، لكن عيني لامست شيئاً ملقى على الأرض أثناء خطوتنا الأولى. كانت بطاقة نورا الشخصية. انحنيت والتقطتها بسرعة:
“عمر، انظر.”
توقف والتفت نحو البطاقة التي حملت على وجهها الخلفي رقماً مدوناً بقلم حبر: “317”.
تبدلت ملامحه تماماً:
“ما هذا الرقم؟”
فأجبت بارتباك: “لا أعلم.”
انتزع البطاقة من يدي قائلاً:
“أما أنا فأعرفه جيداً.” ثم رفع بصره نحوي: “إنه رقم الغرفة 317 في مستشفى النيل.”
هبط قلبي مجدداً:
“غرفة عبد الرحمن؟”
أومأ برأسه تأكيداً:
“نعم.”
“ولكنها أُغلقت تماماً منذ يوم وفاته.”
“هذا صحيح.”
غادرنا المطعم تحت حراسة مشددة من رجاله، وطوال طريق العودة كنت أحاول عبثاً ربط خيوط تلك اللغز المعقد. وبعد دقائق صامتة، بادرت بالقول:
“عمر، يجب أن أعرف الحقيقة كاملة الآن.”
فظل صامتاً:
“كل شيء، دون إنقاص.”
“ستعرفين.”
“ليس لاحقاً، بل الآن.”
رمقني بنظرة مطولة قبل أن يستطرد قائلاً:
“جدي لم يكن مريضاً كما أشاعوا لنا.”
صمت قليلاً ثم تابع:
“كان يتقصى أمراً خطيراً يتعلق بالأموال.”
فقلت باستغراب:
“أموال؟”
“ملايين الجنيهات كانت تتسرب وتختفي من حسابات شركات العائلة، واكتشف جدي أن شخصاً ما يستغل أسماء شركات وهمية لتمرير عمليات التحويل.”
“وما علاقة ياسين بالأمر؟”
“كان المشتبه به الأول في حساباتي.” واستطرد بحزن: “لكن جدي ظل مؤمناً حتى آخر لحظة بأن ياسين لم يكن سوى أداة تنفيذية.”
“أداة لمن؟”
رمى عمر بصره نحو نافذة السيارة:
“لشخص أكبر وأقوى منه بكثير.”
بلغنا المستشفى لنجد محيطه مكتظاً بسيارات الشرطة والمسؤولين. ترجلت وأنا متوترة للغاية، وما إن دلفنا للداخل حتى سارعت إحدى الممرضات نحوي بلهفة:
“سلمى!”
أمسكت بيدي مضيفة:
“هل أنتِ بخير؟”
“نعم، أين مدير المستشفى؟”
اصفر وجهها بوضوح:
“إنه في مكتبه.”
دلفنا للداخل، حيث تواجد عناصر الشرطة، لكن عمر أشار لرجاله بالانتظار في الخارج ودخلنا معاً. كان مدير المستشفى ملقى على الأرض بلا روح، غير أن ما جذب انتباهي أكثر من الجثة نفسها كان الحائط المقابل، حيث كُتبت عبارة بـاللون الأحمر:
“من يرى الحقيقة، عليه دفع ثمنها غالياً.”
اقتربت بمرارة ورعب:
“عمر…”
تفرس في العبارة بتمعن، ثم فض الظرف الأسود واستخرج منه ورقة واحدة طالعها بصمت مطبق. سألته بلهفة:
“ما المكتوب فيها؟”
مد الورقة لي لقرأتها بتمعن:
“اسألي الممرضة سلمى عن ملابسات ما جرى الساعة الثالثة وسبع عشرة دقيقة فجراً.”
بدأت أطراف أصداعي ترتجف بعنف:
“أنا؟”
صوب عمر عينيه نحوي:
“أين كنتِ في تلك الساعة بالذات؟”
حاولت استرجاع شريط ذاكري، وفجأة تذكرت تفاصيل ذلك الوقت. وضعت كفي على رأسي صارخة:
“أنا… كنت في غرفة جدك.”
“بمفردك؟”
أومأت برأسي تأكيداً:
“نعم.”
“وهل كان هناك أحد غيرك؟”
“ولا إنسان.”
صمت لبرهة، بينما بدأت صورة قديمة تتراءى بوضوح داخل عقدي: صوت فتح الباب، رجل يقف على عتبة الغرفة بملامح غير واضحة، وفي يده ذلك الظرف الأسود.
أطلقت شهقة قوية:
“انتظر…”
اقترب مني باهتمام:
“ماذا تذكرتِ؟”
أجبته بلهفة:
“الرجل الذي تسلل لغرفة جدك.”
“هل تذكرين ملامحه؟”
أغمضت عيني باحثة في الذاكرة:
“لم أستطع تمييز وجهه.”
“أية تفاصيل أخرى؟”
تابعت استرجاع المشهد:
“كان يرتدي ساعة معصم.”
“كيف كان شكلها؟”
“فضية اللون.”
توقف لحظة قبل أن أردف:
“وكانت تحمل علامة محفورة غريبة الشكل.”
بادرني بالسؤال:
“أي علامة تقصدين؟”
رفعت عيني إليه:
“نسر.”
تسمر عمر في مكانه:
“نسر؟”
أكدت برأسي:
“أجل تماماً.”
فتراجع للوراء خطوة وكأنه تلقى صاعقة:
“هذا مستحيل.”
“ماذا تقصد؟”
هتف بنبرة منخفضة:
“هذه العلامة لا تخص عصابة ياسين أبداً.”
“إذن تخص من؟”
خرج صوته خافتاً يكاد يختفي:
“تخص والدي.”
تجمد الدم في عيوني:
“والدك؟”
أومأ برأسه بتأكيد مؤلم:
“والدي توفي منذ عشر سنوات كاملة.”
صمتنا جميعاً في هلع، وما هي إلا لحظات حتى سمعنا صوت خطوات ثابتة تقترب من الممر الخارجي. رفع عمر يده بحذر فتأهب رجاله، وببطء شديد انفتح باب المكتب ليدخل رجل طاعن في السن، يرتدي بدلة سوداء أنيقة، وتكسو وجهه هدوء غريب.
وما إن وقعت عينا عمر عليه… حتى تراجع إلى الخلف مستنداً كمن رأى طيف شبح أمام عينيه. ابتسم الرجل العجوز بهدوء وقال بصوت هادئ:
“كم اشتقت إليك يا بني.”
لم يستطع عمر التفوه بحرف واحد، بينما التفتُّ ناظرة إلى الرجل العجوز ثم إلى عمر متسائلة:
“من يكون هذا؟”
فأجاب الرجل بنفسه مبتسماً ببرود:
“أنا محمود المنصوري… والد عمر.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




