روايات وقصص

دخلت مطعم الأثرياء بزيّ الممرضة بعد 12 ساعة شغل…ج1 حكايات شروق خالد

قبل أن يرتد إلينا صوته، تردد صدى ضربة قوية على باب المطعم الرئيسي، فالتفتت أنظار الجميع في ثوانٍ معدودة. تحرك أحد حراس عمر ليضع يده أسفل سترته بينما تقدم الثاني باتجاه الباب. خلال لحظات قصيرة، دخل ثلاثة رجال تبدو على هيئتهم وطريقة مشيتهم سمات الوافدين لغاية محددة لا علاقة لها بالزبائن العاديين.

تفرس أحدهم في وجه عمر، قبل أن تقع عيناه عليّ لتتغير ملامحه بالكامل ويقول بصوت منخفض:
“هي تلك الفتاة.”

هبط قلبي بين قدمي، ووقف عمر أمامي بحماية تامة:
“ليقترب منها أحدكم إن استطاع.”
ابتسم الرجل ببرود:
“نحن لم نأتِ لإيذائها.”
فرد عمر بجفاء:
“ولست مهتماً بمعرفة سبب قدومكم من الأساس.”

أخرج الرجل هاتفه المحمول من جبه ورفعه قبالة عمر قائلاً:
“لكننا نملك فيديو.”
مد عمر يده بطلب حاسم:
“أرنيه لي.”

شغل الرجل التسجيل؛ وفي البداية لم استوعب التفاصيل جيداً، فقد كان تصويراً داخلياً للمستشفى، يظهر ممراً بالطابق الثالث، وباب غرفة المرضى، ثم ظهرت أنا وأنا أخطو باتجاه غرفة الحاج عبد الرحمن المنصوري. أفلتت مني شهقة مباغتة:
“متى تم التقاط هذا التصوير؟”

تفرس عمر في الشاشة في صامت تماماً، واستمر الفيديو في العرض حتى ظهرت أثناء دخولي لغرفة الجد وخروجي بعدها بدقائق معدودة. أوقف الرجل العرض وقال:
“نحن لسنا معنيين بالممرضة أبداً،” ثم صوب نظراته نحوي: “بل يهمنا الشخص الذي تلاها ودخل الغرفة بعدها.”

ارتجفت مكاني:
“شخص آخر؟”
التقط عمر الهاتف من يده وأعاد تشغيل المقطع؛ ركزت بصري بشدة لأرى أنه بعد دخولي بدقائق، ظهر رجل يرتدي معطفاً أبيض خاصاً بالأطباء وتسلل خلفي، وكان وجهه غير واضح، لكنه كان يحمل في يده ظرفاً أسود اللون. وضعت كفي على فمي بذهول:
“أنا لم أرى هذا الرجل في حياتي قط.”

سألني عمر بتأكيد:
“هل أنت متأكدة؟”
“أجل تماماً.”
فعقب الرجل قائلا:
“المشكلة الحقيقية تكمن في أن ذلك الشخص غادر الغرفة بعد خمس دقائق فقط، وبعدها بدأت الحالة الصحية للحاج عبد الرحمن تتدهور بسرعة.”

رفع عمر عينيه بحدة:
“هل تقصد اتهامها؟”
ابتسم الرجل بخبث:
“كلا، نحن نتهم شخصاً آخر.”
وتحولت أنظاره مباشرة نحو نورا، ليمتنع اللون تماماً عن وجهها. لاحظ عمر ذلك فهتف:
“نورا…”
فتراجعت للخلف خطوة واحدة:
“وما ذنبي أنا؟”
أجاب الرجل:
“لأنك كنتِ آخر شخص تواصل مع ذلك الرجل قبل دخوله المستشفى.”

صمتت نورا تماماً، بينما شدد عمر في طلبه:
“تحدثي.”
“أنا لا أعلم شيئاً.”
“نورا!” كان صوته كافياً ليسكت المطعم بأسره.
فأجابت باضطراب ودموع تحاصر عينيها:
“لقد اتصل بي، لكنني لم أكن أدرك مراده.”
“من يكون؟”
ألقت بصمت قصير قبل أن تنطق:
“شقيقك.”

تجمد عمر في مكانه:
“أخي توفي منذ سبع سنوات.”
فهزت رأسها نافية:
“ليس شقيقك الأكبر، بل شقيقك الآخر.”
لم أستوعب المعنى، فاقترب منها عمر محتدماً:
“عمن تتحدثين بالأسماء؟”
فقالت بصوت منكسر:
“ياسين.”

تغيرت تعبيرات وجه عمر في لحظة واحدة، وارتد للخلف كمن تلقى صفعة مفاجئة:
“ياسين فارق الحياة.”
فأردفت برأس تذعن بالنفي:
“كلا، ياسين حي يرزق.”

عم الصمت أرجاء المطعم، وتملكتني نظرة نحو عمر لأدرك للمرة الأولى أن ذلك الرجل الذي يهابه الجميع كان يعتصر خوفاً من الداخل. قال بصوت مبحوح:
“هذا مستحيل.”

مسحت نورا دموعها بقهر:
“لقد عاد منذ عامين.”
فاقترب منها مستفسراً:
“ولماذا لم تخبريني بالامر؟”
ضحكت بمرارة وسط عبراتها:
“كنت أنوي فعل ذلك، لكن في كل مرة تحاول فيها الظهور، كان هناك من يهددني بالموت.”

تدخل الرجل حامل الهاتف ليقول:
“وياسين هو من أصدر الأمر بالتخلص من الحاج عبد الرحمن.”
أفلتت مني صرخة مذهولة، وعض عمر على أسنانه بغضب عارم، لكن الرجل استدرك قائلاً:
“لكن هناك أمراً آخر تجهلونه تماماً.” واستدار بنظره نحوي: “فالحاج عبد الرحمن لم يمت بسبب مرضه الطبيعي.”

شعرت بأن الأرض تميد تحت قدمي:
“ماذا تعني بذلك؟”
أخرج الرجل صورة ورقية من جيبه ومدها لعمر الذي تناولها، وما إن طالعها حتى شحب وجهه تماماً. مديت يدي لألتقط الصورة من بين أصابعه، وكانت عبارة عن ملف طبي يحمل في أسفله توقيع الطبيب المسؤول، لكن المفاجأة أن التووقيع لم يكن لطبيب المستشفى المعالج، بل لشخص آخر تماماً.

قربت الصورة من عيني بترتل:
“انتظر…” خرج صوتي مرتعشاً. “هذا التووقيع…”
سألني عمر بلهفة:
“هل تعرفة؟”
هززت رأسي ببطء شديد:
“نعم… هذا توقيع مدير المستشفى نفسه.”

صمت عمر للحظات، وفي تلك اللحظة تحديداً، صدح رنين هاتفي المحمول. طالعت الشاشة لأجد رقم المستشفى يظهر أمامنا. أجبته وأنا في قمة التوتر:
“مرحباً؟”
فأتاي صوت زميلتي من الجهة الأخرى وهي تجهش بالبكاء:
“سلمى… عودي إلى المستشفى فوراً.”
“لماذا؟ ماذا حدث؟”
قالت وهي تنهج بذعر:
“اقتحم أحدهم مكتب مدير المستشفى.”
“ثم ماذا؟”
صمتت لثوانٍ معدودة قبل أن تهتف:
“وجدناه مقتولاً داخل مكتبه!”

تجمّد الدم في عروقي تماماً، وقبل أن أنجح في إغلاق المكالمة، سمعتها تصرخ بذعر:
“سلمى! انتظري… هناك ورقة تركوها ومكتوب عليها اسمك بالخصوص!”

أنهيت المكالمة غير قادرة على النطق بكلمة واحدة، فالتفت إليّ عمر بقلق:
“ما الذي جرى؟”
ابتلعت ريقي بصعوبة بالغة:
“مدير المستشفى وُجد مقتولاً… وتركوا ورقة تحمل اسمي.”

اقترب مني عمر وقد ملأ الغضب عينيه:
“لن تقومي بالذهاب إلى المستشفى مجدداً.”
فقلت معترضة:
“ولكنها وظيفتي ومسؤوليتي!”
فرد بحسم قطعي:
“من هذه اللحظة فصاعداً، حياتكِ أثمن بكثير من أي عمل.” ثم أمسك يدي مضيفاً: “لأن ما بدأ بوفاة جدي… يتضح جلياً أنه لم يكن سوى البداية.”

في تلك اللحظة بالتحديد، انطفأت أضواء المطعم بأكملها فجأة، وسمعنا دوي طلقة نارية واحدة تلتها صرخة امرأة مرعوبة. وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى عاد التيار الكهربائي، لنكتشف اختفاء نورا تماماً من المكان.

وعلى الطاولة أمام عمر، استقر ظرف أسود اللون، كُتب عليه بوضوح تام بخط اليد:
“في المرة القادمة… الدور سيكون على سلمى.”

خطف عمر الظرف عن الطاولة، وقبل أن يفض محتوياته، التفت إلى حرسه محذراً:
“أغلقوا جميع أبواب المطعم الآن.”
خلال ثوانٍ معدودة تم إحكام غلق المداخل الرئيسية، وبدأ الحضور في تبادل الهمسات بحالة من الذعر الشديد. وقفت مكاني غير قادرة على حمل جسدي:
“عمر… كيف اختفت نورا هكذا؟”
فأجاب باختصار: “لا أعلم.”
“وما حكاية هذا الظرف؟”
“لن أفتحه هنا.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى