
بعد ست ساعات من زواجي من رجل الأعمال المصري آسر القناوي، كنت مستلقية على سرير جناحنا الفخم في أحد فنادق القاهرة، ويده حول خصري، وخاتم زواجنا البارد يلامس جلدي، عندما همس بكلمة واحدة حطمت كل شيء. «ميلا». اسم أختي الصغيرة. كان الجناح الملكي لا يزال تفوح منه رائحة الورود البيضاء، بينما كان طرحي معلقًا فوق كرسي مخملي، وفستان زفافي يتدلى من داخل خزانة الملابس كأنه شبح لمستقبل مات قبل أن يبدأ.
على بُعد خمسة وعشرين طابقًا تحتنا، كان العمال على الأرجح يزيلون بتلات الورد من الممر الذي مشيت فيه منذ ساعات، وأنا أعتقد أنني أمشي نحو بقية حياتي.
لكن آسر تجمد.
وهنا عرفت.
لو كان مجرد خطأ عابر، لكان نظر إليّ باستغراب أو ضحك بتوتر. لكنه ابتعد عني ببطء، ثم قال بصوت حذر:
«سلمى…»
كان صوته يحمل تفسيرًا جاهزًا قبل حتى أن أوجه له سؤالًا.
«ده محصلش.»
سقط قلبي في معدتي.
لم يقل: «أنا قلت إيه؟»
لم يقل: «إنتِ فهمتيني غلط.»
بل حاول فورًا أن يمحو ما سمعته، قبل أن أتهمه بأي شيء.
«أنا عارف إن اليوم كان مرهق جدًا عليكِ،» قال بهدوء. «إنتِ تعبانة ومتوترة وعاطفيًا جدًا… يمكن تكوني افتكرتي إنك سمعتي حاجة.»
ثلاث سنين مع آسر علمتني كل نبرات صوته.
وتلك كانت النبرة التي يستخدمها عندما يريد أن يحرّف الحقيقة قليلًا، إلى أن أصل في النهاية إلى الاعتذار لأنني لاحظت شيئًا من الأساس.
قلت:
«أنا سمعتك.»
رد فورًا:
«لأ يا حبيبتي، إنتِ مسمعتيش حاجة.»
منذ ست ساعات فقط، كانت كلمة «حبيبتي» تجعلني أبتسم.
أما الآن، فقد بدت لي كأن شخصًا يضع يده على فمي حتى يمنعني من الصراخ.
مد يده ولمس كتفي، لكنني ابتعدت عنه دون تفكير.
لمحت الضيق في عينيه للحظة، قبل أن يتحول إلى قلق، ثم إلى نظرة جريحة بريئة.
كانت مشاعره تتغير بسرعة ودقة لدرجة أنها كانت ستثير إعجابي لو لم أكن أنا التي أقف أمامها.
قال:
#حكايات_شروق_خالد
#حصري
«سلمى، أنا اتجوزتك النهارده قدام أهلنا كلهم. نص القاهرة كانت موجودة في الفرح. تفتكري بجد إني كنت هعمل كده لو في واحدة تانية في حياتي؟»
في الماضي، كانت تلك الجملة كفيلة بإسكاتي.
أما الآن، فلم أستطع التفكير إلا في شيء واحد:
نعم.
رجل مثل آسر كان قادرًا على فعل ذلك تمامًا.
قلت بهدوء:
«نام يا آسر.»
ظل ينظر إليّ.
لم أبكِ.
ولم أصرخ.
ولم أصنع المشهد الذي يستطيع بعد ذلك أن يحكيه للجميع باعتباره «العروسة المجنونة» التي أفسدت ليلة زفافها بنفسها.
استدرت على جانبي، وبدأت أعد أنفاسه.
اثنتا عشرة دقيقة قبل أن يصبح تنفسه منتظمًا.
عشرون دقيقة قبل أن ينام الرجل الذي همس باسم أختي بجانبي وكأنها كانت المرأة التي كان يتمنى وجودها في ذلك السرير.
وهذا آلمني أكثر من الاسم نفسه.
نهضت من السرير بهدوء، وعبرت أرضية الرخام الباردة، ثم دخلت الحمام وأغلقت الباب من الداخل دون صوت.
كان الحمام وحده أكبر من الشقة التي تربيت فيها في الإسكندرية.
حجر أبيض، صنابير ذهبية، وحوض استحمام عميق لدرجة جعلني أشعر أنه قادر على ابتلاع كل الأحلام التي حملتها معي إلى هذا الفندق.
وضعت كلتا يدي على فمي.
رفضت أن أبكي.
لأن البكاء له صوت.
وأي صوت قد يوقظه.
ولو استيقظ آسر، سيبدأ من جديد.
«إنتِ تعبانة.»
«إنتِ فهمتي غلط.»
«إنتِ دايمًا بتفكري زيادة عن اللزوم.»
ظللت جالسة على أرضية الحمام وظهري مسنود إلى الحائط، حتى هدأ ارتجاف أنفاسي.
ثم تذكرت الرجل الغريب.
قبل مراسم الزفاف بساعات، وأثناء حفل الاستقبال، اقترب مني رجل طويل عريض الكتفين عند أحد الأبواب الجانبية للقاعة.
كان شعره أسود، وعيناه فاتحتين بشكل غريب، ونظرته جعلتني أشعر بعدم الارتياح منذ اللحظة الأولى.
لم يكن يبدو غاضبًا، ولا سعيدًا، ولا حتى مهتمًا بالاحتفال.
قال لي بصوت منخفض:
«إنتِ متعرفينيش، بس لازم تاخدي بالك من نفسك الليلة دي.»
وقتها نظرت إليه باستغراب، وكدت أضحك.
قلت:
«لو سمحت… حضرتك مين؟»
#حكايات_شروق_خالد
#حصري
لكنه لم يجب.
كانت عيناه قد اتجهتا إلى الجهة الأخرى من القاعة.
نحو آسر.
ثم عاد ونظر إليّ.
وقال:
«لو حصل أي حاجة، متثقيش في الكلام اللي هيتقالك.»
لم أفهم وقتها معنى كلامه.
اعتقدت أنه شخص غريب يحاول إفساد فرحتي.
لكنني الآن، وأنا حافية القدمين فوق أرضية حمام بارد، بعد دقائق فقط من سماع اسم أختي يخرج من فم زوجي، أدركت الحقيقة.
ذلك الرجل لم يكن يحذرني من ليلة زفافي.
كان يحذرني من زوجي.
وكان هناك سبب واحد فقط يجعل رجلًا غريبًا يخاطر بالاقتراب من عروس قبل زفافها ليحذرها من زوجها…
سبب كنت على وشك اكتشافه.
حكايات شروق خالد
بقيت أحدق في انعكاسي داخل المرآة، وكأنني أنتظر منه أن يخبرني بأنني أبالغ.
لكن وجهي لم يكذب.
كانت عيناي حمراوين، وشفتي ترتجفان، وفي إصبعي خاتم جديد لم يمضِ على ارتدائه سوى ساعات.
مددت يدي إلى هاتفي.
ثلاثة اتصالات فائتة من أمي.
رسالتان من أبي.
ورسالة واحدة من ميلا.
فتحتها.
«سلمى، لما تصحي ابقي كلميني ضروري. في حاجة حصلت النهارده ومش عارفة أقولها لك إزاي.»
توقفت أنفاسي.
قرأت الرسالة مرة ثانية.
ثم ثالثة.
«ميلا…»
همست باسم أختي، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
فتحت المحادثة وكتبت بسرعة:
«إنتِ فين؟ وإيه اللي حصل؟»
ظهرت علامة الكتابة فورًا.
ثم اختفت.
عادت من جديد.
ثم وصلتني رسالة.
«إنتِ لوحدك؟»
نظرت نحو باب الحمام.
كان آسر نائمًا في الخارج.
كتبت:
«أيوه.»
جاء الرد بعد ثوانٍ.
«متقوليش لآسر إني كلمتك.»
تجمدت يدي فوق الهاتف.
ثم كتبت:
«ليه؟»
هذه المرة لم ترد.
اتصلت بها.
رن الهاتف مرة.
مرتين.
ثلاثًا.
ثم انقطع الاتصال.
اتصلت من جديد.
لا رد.
وقتها فقط بدأت أشعر بالخوف الحقيقي.
خرجت من الحمام ببطء.
كان آسر لا يزال مستلقيًا على السرير، لكنه لم يكن نائمًا.
كانت عيناه مفتوحتين.
ينظر إليّ.
قال بهدوء:
«مين اللي كلمك؟»
توقفت في مكاني.
«ولا حد.»
ابتسم ابتسامة صغيرة.
«سلمى، أنا سمعت التليفون.»
رفعت حاجبي.
«وأنا قلت لك ولا حد.»
جلس على طرف السرير.
«ميلا؟»
لم أجب.
وكانت تلك اللحظة كافية.
تغير وجهه.
لأول مرة منذ أن عرفته، رأيت الخوف الحقيقي في عينيه.
ليس الغضب.
ولا الغيرة.
الخوف.
قال بصوت منخفض:
«هي قالت لك إيه؟»
اقتربت منه خطوة.
«إنت ليه خايف من أختي؟»
لم يجب.
«آسر، أنا سألتك سؤال.»
وقف.
«مفيش حاجة.»
ضحكت ضحكة قصيرة بلا فرحة.
«نفس الجملة اللي قلتها لما نطقت اسمها.»
اقترب مني.
«سلمى، اسمعيني كويس. أختك ملهاش علاقة بالموضوع.»
«أي موضوع؟»
صمت.
وهنا عرفت أنني لم أكن أتخيل شيئًا.
كان هناك موضوع بالفعل.
شيء أخفاه عني.
شيء يتعلق بميلا.
تراجعت خطوة وقلت:
«مين الرجل اللي كان في الفرح؟»
تغير وجهه فورًا.
«أي رجل؟»
«الراجل اللي كلمني قبل الفرح.»
سأل بسرعة:
«قالك إيه؟»
ابتسمت رغم الخوف.
«إنت تعرفه.»
لم يرد.
«مين هو يا آسر؟»
ظل صامتًا لثوانٍ، ثم قال:
«ابعدي عنه.»
«ليه؟»
«لأنه خطر.»
«وأنت؟»
نظر إليّ.
لم أسمح له بالهرب هذه المرة.
«إنت خطر؟»
قال بصوت متعب:
«أنا بحاول أحميكي.»
«من مين؟»
أغمض عينيه للحظة.
ثم قال:
«من الحقيقة.»
قبل أن أتمكن من الرد، اهتز هاتفي مرة أخرى.
رسالة جديدة.
لكنها لم تكن من ميلا.
كان رقمًا مجهولًا.
فتحت الرسالة.
صورة.
تجمدت.
كانت الصورة لآسر وميلا.
معًا.
في مكان لم أره من قبل.
وكان التاريخ أسفل الصورة يعود إلى ثلاثة أشهر قبل زفافنا.
رفعت عيني إلى آسر.
«إيه ده؟»
لم يتحرك.
فتحت الصورة أكثر.
كانت ميلا تبكي.
وآسر يمسك بيدها.
وتحت الصورة جملة واحدة:
«لو عايزة تعرفي ليه أختك اختفت من حياتك قبل فرحك بثلاثة أشهر، اسألي زوجك عن اللي حصل في الليلة دي.»
شعرت بأن الأرض تميد تحت قدمي.
نظرت إلى آسر.
هذه المرة لم ينكر.
بل قال شيئًا جعل الدم يهرب من وجهي:
«سلمى… أختك ما اختفتش.»
ابتلعت ريقي.
«أمال راحت فين؟»
نظر إلى الهاتف في يدي، ثم إليّ.
وقال:
«أنا اللي خليتها تختفي.»
انفتح فمي من الصدمة.
«إنت عملت إيه؟»
اقترب مني خطوة.
«كنت بحاول أحميكي.»
صرخت:
«من أختي؟!»
هز رأسه.
«من الناس اللي كانوا بيحاولوا يوصلوا لها… ومن الناس اللي كانوا هيقتلوك عشان يوصلوا لها.»
ساد الصمت.




