روايات وقصص

قدام عشيقته…ج1 حكايات شروق خالد

كانت واقفة قدام جوزها وعشيقته، ووشها لسه مولع من ست أقلام متتالية، قبل ما يرمي شنطتها في عز المطر ويقول لها بمنتهى البرود: “كان المفروض تعرفي مقامك.” وبعد أقل من ساعة، كانت قاعدة حافية على الرصيف، الدم نازل من جنب شفايفها، وبتتصل بالراجل الوحيد اللي جوزها طول سنين جوازهم كان فاكره مجرد راجل عجوز عنده فلوس كتير… أبوها.

 

المطر كان بينزل على وشي بغزارة، وبيغسل الدم اللي عند طرف شفايفي، بس مكنش قادر يغسل الإهانة اللي جوه قلبي.

ست أقلام.

أنا عدّيتهم واحد واحد.

أول قلم كان لما دخلت الصالة الكبيرة في بيتنا، ولقيت سمر قاعدة مكاني على الكنبة، ولابسة حلقان أمي الله يرحمها.

الحلقان اللي أمي قبل ما تموت بأيام، حطتهم في إيدي وقالتلي:

“خليهم معاكي يا بنتي، دول أغلى حاجة فضلالي من ريحة جدتك.”

بصيت لسمر في ودانها، وحسيت إن الدم غلي في عروقي.

قلت بهدوء: “اقلعي الحلقان.”

سمر لمست اللؤلؤة بإيدها وابتسمت ابتسامة مستفزة.

“حازم قال إنك أصلًا مبتلبسيهمش.”

لفيت وشي لجوزي.

“إنت خليتها تفتح حاجتي؟”

حازم كان واقف عند البار، بيصب لنفسه كوباية ويسكي، ولا كأن فيه حاجة بتحصل.

حط الكوباية وقال: “مريم، متبدئيش مشاكل.”

بصيت له وأنا مش مصدقة.

“مشاكل؟ دي حاجات أمي.”

رد ببرود: “وهي هتفضل حاجتك حتى لو لبستها؟”

قبل ما أفهم هو قصده إيه، إيده نزلت على وشي.

القلم الأول.

الصوت كان أعلى من الوجع نفسه.

وشي اتلف ناحية اليمين، ووقفت مكاني ثواني وأنا مش قادرة أستوعب إن الراجل اللي قدامي ده هو نفس الراجل اللي كنت فاكرة إني متجوزاه.

الموسيقى كانت لسه شغالة في الصالة.

سمر كانت قاعدة مكانها، بتبصلي وكأنها بتتفرج على فيلم.

رفعت إيدي على خدي، وبصيت لحازم.

“إنت ضربتني؟”

قال: “متخلينيش أندم إني ضربتك.”

بصيت لسمر.

“اقلعي الحلقان.”

القلم التاني جه أسرع من الأول.

المرة دي دموعي نزلت غصب عني.

بس مسحتها بسرعة.

مش عشان حازم.

عشان نفسي.

عشان عمري ما كنت متخيلة إني في يوم هقف قدام الراجل اللي اخترته بإيدي، وأطلب منه يحترمني وهو بيهيني قدام واحدة غريبة.

لما جيت أتحرك، مسكني من دراعي.

“رايحة فين؟”

قلت: “هخرجك إنت وهي من بيتي.”

ضحك.

ضحكة قصيرة مليانة استهزاء.

“بيتك؟”

قلت: “أيوه، بيتي.”

القلم التالت نزل.

وبدأ يزعق:

“ده بيتي أنا!”

بصيت له رغم إن وشي كان بيوجعني.

“عقد البيت عليه اسمي واسمك.”

القلم الرابع.

المرة دي وقعت على طرف الترابيزة.

سمعت سمر بتضحك بخفوت.

بصيت لها وقلت:

“إنتِ لو عندك ذرة كرامة، تطلعي بره قبل ما أطلب الشرطة.”

سمر رفعت حاجبها وقالت:

“أنا هطلع ليه؟ حازم هو اللي قايلي أكون هنا.”

بصيت لجوزي.

“إنت عايزها هنا؟”

سكت.

وبعدين قال:

“أيوه.”

الكلمة كانت أوجع من كل الأقلام.

أنا كنت مراته.

وهي كانت عشيقته.

ومع ذلك، أنا اللي كنت واقفة قدامهم كأني الغريبة.

قلت له:

“أنا هطلب الطلاق.”

القلم الخامس نزل على وشي.

المرة دي حسيت بطعم الدم في بُقي.

حازم قرب مني وقال بصوت واطي:

“إنتِ فاكرة نفسك مين؟”

رفعت عيني له.

“مراتك.”

قال: “كنتِ.”

وبعدين أضاف:

“إنما دلوقتي، انتي مجرد واحدة أنا زهقت منها.”

وقتها، حاجة جوايا اتكسرت.

مش قلبي.

كرامتي.

أنا اللي كنت بشتغل معاه، وأقف جنبه في كل صفقة، وأتنازل عن حاجات كتير عشان بيته وشغله.

أنا اللي كنت بواجه أهله لما كانوا يقللوا منه.

أنا اللي بعت دهبي عشان نسدد أول خسارة كبيرة ليه.

وهو دلوقتي واقف قدامي بيقول إني مجرد واحدة زهق منها.

ضحكت.

ضحكة صغيرة، رغم الدم اللي في بُقي.

قلت: “فاكر إن كل اللي عندك ده بتاعك؟”

قرب مني.

“كل حاجة هنا بفلوسي.”

هزيت راسي.

“لأ.”

سكت.

قلت: “إنت بس اتعودت قوي إنك تكذب على نفسك لدرجة إنك صدقت الكذبة.”

وشه اتغير.

لأول مرة، شفت حاجة غير الغضب في عينه.

الخوف.

بس معرفتش من إيه.

القلم السادس جه أقوى من كل اللي قبله.

جسمي اتزحلق وخبطت ضلوعي في طرف الكونسول الرخامي جنب الباب.

وقعت شنطة صغيرة كانت محطوطة على المقعد.

بصيت لها.

كانت شنطتي.

مجهزة.

هدوم.

أوراق.

حاجات شخصية.

كلها متحطوطة بعناية.

ساعتها فهمت.

هو كان مخطط لكل حاجة.

مكنش انفجار لحظة.

كان محضر يطردني.

حازم فتح الباب، مسك الشنطة ورماها في الشارع.

“اطلعي يا مريم.”

بصيت له.

“إنت كنت مجهز شنطتي؟”

مردش.

سمر كانت قامت، وراحت ناحية أوضة النوم.

بعد ثواني خرجت لابسة الروب الحرير الأبيض بتاعي.

روب أمي كانت جايباهولي قبل ما تموت.

والحلقان لسه في ودانها.

وقفت قدام الباب وأنا حافية.

حازم شاور ناحية الشارع.

“كان المفروض تعرفي مقامك.”

بصيت له للمرة الأخيرة.

ومرفضتش أعيط.

مش قدامه.

خرجت.

نزلت المطر.

الباب اتقفل ورايا بعنف.

مشيت كام خطوة وأنا حافية، والشارع كله قدامي كان مغبش من المطر والدموع.

العربيات كانت بتعدي.

ولا عربية وقفت.

ولا حد سألني إيه اللي حصل.

قعدت على الرصيف تحت عمود نور، وضميت دراعاتي على ضلوعي اللي كانت بتوجعني.

طلعت موبايلي.

الشاشة كانت مكسورة، بس لسه شغالة.

كان فيه رقم واحد بس عايزة أكلمه.

أبويا.

الراجل اللي حازم طول عمره بيقول عليه:

“راجل كبير وفلوسه هي اللي مكبراه.”

كان اسمه اللواء محمود الشاذلي.

أبويا.

صاحب واحدة من أكبر شركات النقل في مصر.

وكان حازم لما يكون محتاج منه خدمة يقول:

“عمي محمود.”

ولما يختلف معاه يقول:

“الراجل ده فاكر نفسه لسه أيام زمان.”

اتصلت.

رد من أول رنتين.

“مريم؟”

أول ما سمعت صوته، حسيت إني طفلة صغيرة.

قلت:

“بابا.”

سكت ثانية.

وبعدين صوته اتغير.

“إنتِ بتعيطي؟”

حاولت أتماسك.

“حازم ضربني.”

سكت.

قلت:

“ضربني ست مرات.”

صوتي اتهز.

“قدام واحدة تانية.”

وبصيت للبيت.

النور كان لسه منور.

ومن الشباك، شفت ظل حازم وسمر.

سمر كانت بترفع كوباية.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى