
السواق ما ردش. مريم رفعت عينيها. كان فيه عربية نقل صغيرة واقفة بالعرض قدامهم. ومن وراها نزل تلات رجالة. واحد منهم قرب ناحية العربية. هبة شهقت: “مريم…” السواق قفل الأبواب. الراجل ضرب بإيده على الإزاز. “افتح!” السواق ما اتحركش. الراجل طلع أداة حادة. هبة صرخت. “انزلي راسك!” مريم انكمشت تحت الكرسي. الرجل حاول يكسر الإزاز. لكن الإزاز كان مصفح وماتكسرش. السواق ضغط زرار. وفجأة العربية اندفعت للأمام بسرعة جنونية. العربية النقل اتخبطت واتزاحت من مكانها. الرجالة اتراجعوا. السواق لف بعنف في أول شارع جانبي. هبة كانت بتبكي. “إحنا هيرصالينا إيه!” مريم كانت ساكتة. إيدها كانت بتترعش حوالين المفتاح. وبصت للسواق. “إنت مين؟” ما ردش. “إنت مش سواق.” ظل ساكت. “إنت مين؟” السواق قال: “أنا واحد ياسين طلب مني أوصلك.” مريم بدأت تشك أكتر. “ياسين كان عارف إنهم هيهاجمونا؟” السواق ما ردش. لكن تليفونه رن. رد بسرعة. “أيوه.” جاءه صوت ياسين من الطرف التاني. “هي كويسة؟” السواق بص في المراية. “أيوه.” ياسين قال: “خليها ما تعرفش إن العربية رايحة على البيت الآمن.” مريم سمعت الجملة. رفعت راسها. “البيت الآمن؟” السواق اتجمد. هبة بصت لمريم. ياسين سكت ثانيتين على الخط. وبعدين قال: “مريم؟” هي خطفت التليفون من إيد السواق. “إنت كنت عارف؟” “عارف إيه؟” “إن حد هيطاردنا!” صمت. “رد عليا!” قال ياسين: “كنت شاكك.” “وما قلتليش؟” “لو قلت لك، كنتي هتخافي.” “وأنا دلوقتي مش خايفة؟!” ياسين أخذ نفس. “مريم، اسمعيني كويس.” “مش عايزة أسمع!” “لو سمحتي.” صوته كان هادي، لكن فيه حاجة خلتها تسكت. قال: “الناس دي مش جاية عشانك لوحدك.” مريم عقدت حاجبيها. “أمال؟” “جاية عشان المفتاح.” نظرت إلى يدها. “إيه اللي في المفتاح ده؟” ياسين سكت. “قول!” “مش في المفتاح.” “أمال فين؟” قال: “المفتاح بيفتح مكان.” مريم همست: “مكان إيه؟” صوته انخفض. “مكان خاص بعيلتي.” مريم اتجمدت. “خاص بمين؟” “أمي.” سكتت تمامًا. ياسين تابع: “أمي مكانها الحقيقي مش هو اللي العيلة قالت عليه.” مريم شعرت بقشعريرة في جسمها. “يعني إيه؟” “يعني المكان اللي العيلة زارته سبعة وعشرين سنة… فاضي.” وقبل ما مريم ترد، سمعت صوت خبط قوي من الخلف. السواق بص في المراية. عربية سودا كانت بتطاردهم. ياسين قال: “مريم، اقفلي الخط.” “ليه؟” “عشان أنا محتاجك تعملي حاجة.” “إيه؟” “لو العربية وقفت…” سكت لحظة. “إوعي تدي المفتاح لأي حد.” مريم قالت: “حتى ليك؟” الصمت اللي حصل بعدها كان أطول من اللازم. وبعدين ياسين قال: “خصوصًا لو أنا طلبته منك.” مريم قلبها وقع. “إنت بتقول إيه؟” لكن المكالمة اتقطعت. وفي نفس اللحظة، العربية السوداء قربت منهم. والراجل اللي قاعد جنب السواق أشار لهم بيهدد. مريم بصت لهبة. هبة كانت مرعوبة. ومريم لأول مرة فهمت إن الموضوع أكبر بكتير من سامح. وإن الرجل الوحيد اللي كانت بدأت تثق فيه… هو نفسه ممكن يكون الشخص اللي لازم تخاف منه. حكايات شروق خالد
العربية السودا قربت منهم أكتر، ومريم كانت حاسة إن قلبها هيخرج من صدرها. السواق شد إيده على الدركسيون وقال: “اتمسكوا كويس.” هبة صرخت: “إحنا هنروح فين؟!” “اسكتي!” العربية السودا خبطت فيهم من الخلف. مريم شهقت واتمسكت في الكرسي. المفتاح النحاسي وقع من إيدها على الأرض. نزلت بسرعة تجيبه. لكن قبل ما إيدها توصله، العربية لفت فجأة، والمفتاح انزلق تحت الكرسي الأمامي. السواق قال بصوت مكتوم: “المفتاح!” مريم بصت له. “إنت عايزه ليه؟” “مش أنا!” العربية السودا خبطتهم تاني. هبة صرخت: “يا مريم!” السواق فجأة دخل شارع ضيق جدًا، وبعده دخل من بوابة حديد قديمة كانت مفتوحة نص فتحة. العربية السودا عدت من جنبهم، لكنها ما لحقتش تدخل وراهم. السواق قفل البوابة بسرعة. نزل من العربية، ومسك جهازه اللاسلكي. مريم بصت له بصدمة. “إنت مين؟” ما ردش. خرج رجلين من مبنى قديم، ووقفوا عند البوابة. واحد منهم قال: “اتأخروا.” السواق رد: “لسه جوه.” مريم بدأت تفهم. هم ما كانوش هاربين من الناس. هم كانوا رايحين لمكان محدد. فتحت الباب ونزلت. هبة مسكت دراعها. “إنتِ بتعملي إيه؟!” مريم قالت: “عايزة أعرف أنا فين.” المكان كان عبارة عن مصنع قديم على أطراف القاهرة. مفيش غير مباني مهدمة، وصناديق قديمة، وصمت يخوف. مريم بصت للسواق. “ياسين فين؟” “هيجيلك.” “إمتى؟” “لما يتأكد إن الطريق أمان.” مريم ضحكت بمرارة. “يعني هو كان مخطط لكل ده.” السواق ما ردش. وفجأة سمعوا صوت عربية من بعيد. الكل وقف يستعد. مريم رجعت خطوة. العربية دخلت من البوابة. كانت عربية ياسين. نزل منها بنفس هدوئه المعتاد. لكن أول ما شاف مريم، مشي ناحيتها بسرعة. “إنتِ كويسة؟” مريم زقته بعيد. “إنت كنت عارف!” وقف مكانه. “عارف إيه؟” “إنهم هيهاجمونا.” “كنت متوقع.” “وكنت سايبني أركب عربية وأنا مش عارفة إن حياتي في خطر!” “لو كنت قلت لك، كنتي هتفضلي في المطعم.” “وأهو المطعم كان أأمن!” ياسين هز راسه. “لأ.” “إنت عايز المفتاح.” “أيوه.” مريم حطت إيدها على رقبتها. “مش هديهولك.” ياسين بص لها. “قلت لك قبل كده، المفتاح مش هدف.” “أمال إيه؟” “الدليل.” “على إيه؟” ياسين سكت. مريم قربت منه.



