روايات وقصص

«بنتي اللي ربيتها طلعت مش بنتي ج1 حكايات شروق خالد

بنتي اللي عندها تمن سنين كانت قاعدة على كرسي في كوافير في وسط البلد، بتضحك ومبسوطة وهي لابسة كاب وردي، لما الكوافيرة فجأة وقفت عن قص شعرها. رفعت خصلة من شعر «ملك» عند آخر رقبتها، وفجأة وشها شحب.

 

وبعدين بنتي همستلي:

«ماما… عشان خاطري متبصيش.»

عرفت إن في حاجة غلط أول ما «هبة» سكتت.

مش السكوت العادي اللي بتسكت بيه الكوافيرة وهي بتبص على الشعر وتشوف الناحيتين متساويين ولا لأ.

السكوت ده كان مختلف… تقيل، لدرجة إن صوت السيشوار حوالينا بقى عالي ومزعج بشكل غريب.

ملك كانت قاعدة ثابتة مكانها، وجزمها الصغيرة بالكاد لامسة المسند الحديد اللي قدام الكرسي.

إيديها مستخبية تحت الكاب الوردي، وكانت بتحاول تصغر نفسها كأنها عايزة تختفي.

هي كانت زنّت عليّا طول الأسبوع عشان قصة الشعر دي.

كانت بتقولي:

«لحد كتافي بس يا ماما… زي البنات اللي بشوفهم في فيديوهات التزلج. عشان خاطري؟»

كان المفروض اليوم يبقى يوم عادي جدًا.

قص شعر، شوية طبقات خفيفة، وبعدها نروح نجيب هوت شوكليت من الكافيه اللي جنب الكوافير.

الكوافير كان زحمة، والستات حواليّنا بيتكلموا في حاجات عادية جدًا… المدارس، ومواعيد الدروس، وأسعار الخضار، وتجهيزات العيد.

لحد ما هبة نزلت المشط من إيدها.

وقالت بصوت واطي:

«استني ثانية بس.»

وقفت على طول.

هبة رفعت شعر ملك بحذر من عند رقبتها.

أنا ماكنتش شايفة هي بتبص على إيه، لكني شفت وشها بيتغير قدام عيني.

كل الدم اختفى من وشها.

قلت بخوف:

«ملك؟»

بنتي مسكت في الكرسي من تحت الكاب.

«ماما… متبصيش.»

بطني اتقبضت.

قربت منهم، وساعتها شفت الحاجة اللي خلت هبة تخاف بالشكل ده.

تحت شعر ملك كان فيه جزء من فروة راسها قد حجم عملة معدنية كبيرة.

الشعر حواليه كان مقصوص بعنف، قصير جدًا، ومتقطع بشكل عشوائي.

جلد راسها كان أحمر، وحواليه كدمات لونها أصفر وأزرق.

وفي النص كان فيه أثر جرح رفيع بدأ يخف.

لكن أكتر حاجة خلتني أتجمد…

كانت كلمة مكتوبة بحبر غامق باهت فوق الجلد المتكدم.

كلمة واحدة:

كذابة.

حطيت إيدي على بُقي.

ملك بدأت ترتعش.

هبة بصتلها وهمست:

«مين اللي عمل فيكي كده؟»

قبل ما أقدر أتكلم، ملك وطت عينيها.

وقالت:

«ماما… والنبي متقوليش لبابا إني وريتك.»

حسيت إن الدنيا كلها وقفت.

جوزي «محمود» ماكانش أبو ملك الحقيقي، لكنه كان بيربيها معايا بقاله تلات سنين.

هو اللي علّمها تركب العجلة.

وكان دايمًا بيجيب لها ورد في حفلات المدرسة.

وكان عارف اسم الأرنب اللعبة اللي ملك مبتنامش من غيره.

أنا كنت واثقة فيه.

أو على الأقل… كنت فاكرة إني واثقة فيه.

نزلت على ركبتي جنب بنتي.

مسكت إيدها وقلت:

«ملك… محمود هو اللي عمل فيكي كده؟»

ملك قفلت عينيها بقوة.

ماقالتش ولا كلمة.

بس سكوتها كان كفاية.

الساعة كانت 11:17، صورت الإصابة بالموبايل وأنا بخلي هبة تبعد شعر ملك عن رقبتها.

الساعة 11:19، هبة وثقت كل اللي شافته بالتفصيل.

والساعة 11:22، اتصلت بدكتورة ملك وطلبت أقرب ميعاد عشان الحالة تتوثق طبيًا.

كنت عايزة أرجع البيت وأواجه محمود في ساعتها.

كنت عايزة أصرخ في وشه وأسأله إزاي قدر يعمل كده في طفلة.

لكن الغضب بيعمل دوشة.

إنما الدليل… بيفتح طريق.

حضنت ملك وهمست في ودنها:

«حبيبتي، أنا مش زعلانة منك.»

ملك انهارت في العياط.

حاولت أهديها وقلت:

«إنتِ مش وحشة يا ملك.»

سألتها:

«قوليلي بس… إنتِ عملتي إيه؟»

ملك فضلت ساكتة.

واضح إن الخوف كان أكبر من قدرتها على الكلام.

وفجأة…

موبايلي اهتز في إيدي.

رسالة من محمود.

فتحتها.

وكان مكتوب فيها:

«إنتوا فين؟ ملك لازم تتعلم إيه اللي بيحصل لما تكذب.»

إيدي اتجمدت.

هبة قرت الرسالة فوق كتفي.

وشها اتغير مرة تانية.

موظفة الاستقبال قربت مني بهدوء وقالت:

«لو حضرتك عايزة، ممكن نساعدك تتصلي بالشرطة.»

لكن قبل ما أرد…

ملك مسكت معصمي بكل قوتها.

«لأ يا ماما… والنبي لأ.»

بصيتلها.

قالت وهي بتعيط:

«هو قال لو قلتلك… هيخليكي تصدقي إني أنا اللي وحشة.»

قلبي اتقطع.

مسكت وشها بين إيديا وبصيت في عينيها.

وقلت:

«إنتِ مش وحشة يا حبيبتي.»

«ومش هترجعي معاه البيت النهارده.»

لأول مرة من ساعة ما شفت الإصابة…

ملك بطلت ترتعش.

لكن في نفس اللحظة…

جرس باب الكوافير رن.

كلنا لفينا ناحية الباب.

محمود دخل.

كان داخل وهو بيبتسم كأنه جاي ياخد مراته وبنته في يوم عادي جدًا.

عينيه راحت لهبة.

وبعدين لملك ودموعها.

وبعدين وقفت على الموبايل اللي كان في إيدي.

ابتسامته اختفت.

وشه اتغير في ثانية.

وبصلي بنظرة عمري ما شوفتها منه قبل كده.

وساعتها فهمت…

إن اللي كنت فاكرة إني عارفاه عن جوزي…

كان مجرد كذبة كبيرة.

والحقيقة اللي هتظهر بعد اللحظة دي… كانت أخطر بكتير مما تخيلت.

حكايات شروق خالد

محمود وقف عند باب الكوافير ثواني، وكأنه بيحاول يفهم اللي قدامه.

أنا كنت واقفة بينه وبين ملك.

جسمي كله كان بيرتعش، بس المرة دي مش من الخوف.

كنت غضبانة.

غضبانة بشكل عمري ما حسيت بيه قبل كده.

محمود ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:

«مالك يا سمر؟ واقفة كده ليه؟»

بصيتله في عينه.

«إنت عملت إيه في ملك؟»

ابتسامته اختفت.

بص ناحية بنتي.

ملك أول ما عينيه جت في عينها، استخبت ورايا.

محمود قال بهدوء غريب:

«أنا؟ عملت إيه يعني؟»

رفعت موبايلي قدامه.

«الرسالة دي منك.»

بص للشاشة، وبعدها ضحك ضحكة قصيرة.

«وإيه المشكلة؟ أنا كنت بربيها.»

صرخت:

«تربيها؟!»

كل اللي في الكوافير سكت.

قربت منه خطوة.

«إنت قصيت شعرها وحفرت كلمة على جلدها وضربتها، وبتقوللي تربيها؟!»

وش محمود اتشد.

«إنتِ مش فاهمة حاجة.»

هبة وقفت جنب ملك وقالت:

«أنا شفت الإصابة بنفسي.»

محمود بص لها بنظرة حادة.

«وإنتِ مالك؟»

هبة ماخافتش.

«ماليش… غير إني مش هسكت على اللي شوفته.»

محمود رجع بصلي.

«سمر، خدّي ملك وروحي البيت، وإحنا نتكلم هناك.»

هزيت راسي.

«لأ.»

اتجمد مكانه.

«إيه؟»

قلت وأنا ماسكة إيد ملك:

«بنتي مش هتروح معاك في أي مكان.»

لأول مرة صوته علي.

«دي بنتي أنا كمان!»

ضحكت بسخرية.

«بنتي؟ لما تكون محتاجة حنان تبقى بنتك، ولما تعمل حاجة تضايقك تبقى كذابة وتضربها؟»

محمود قرب خطوة.

لكن هبة وقفت بينا.

«لو سمحت، متقربش منها.»

محمود بص حوالين المكان.

كان واضح إنه بدأ يحس إن السيطرة بتفلت من إيده.

وفجأة موبايله رن.

بص للشاشة.

وشه اتغير.

قفل المكالمة بسرعة.

أنا لاحظت.

قلت:

«مين؟»

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى