
“أنا ما سألتكش.”
سامح اتوتر.
“إنت عارف أنا شغال عند مين؟”
ياسين أخيرًا بص له.
نظرة واحدة بس.
وقال:
“عارف.”
سامح سكت.
لأن المشكلة ما كانتش في نبرة ياسين.
المشكلة إن ياسين قالها كأنه فعلًا عارف.
وعارف أكتر مما سامح كان يتمنى.
ياسين ثبّت ذراع سامح في حركة سريعة.
سامح صرخ:
“آه! سيبني!”
مريم رجعت لورا وهي مش مصدقة.
ولا واحد من رجالة الأمن اتحرك.
كانوا واقفين بعيد، وكلهم عارفين إن مفيش داعي يتدخلوا.
ياسين قرب من ودن سامح وقال:
“إنت دخلت مكان أنا مسؤول عنه، وتطاولت على واحدة شغالة عندي.”
سامح حاول يضحك رغم الضغط.
“ودي هتفرق؟”
ياسين ضغط أكتر.
“هتفرق جدًا.”
“هتعمل إيه يعني؟”
ياسين قرب منه أكتر.
“هقولك تعمل إيه.”
وسابه فجأة.
سامح وقع على الترابيزة واتسند عليها وهو بيحاول ياخد نفسه.
ياسين أشار لرجالة الأمن.
“طلعوه.”
سامح صرخ:
“مريم! إنتِ فاكرة إنك كده خلصتي؟”
مريم اتجمدت.
سامح كمل:
“والله ما هسيبك!”
ياسين لف ناحيته.
“لو سمعت صوتك تاني…”
سكت لحظة.
وبعدين قال:
“مش هتحتاج تقلق منها تاني.”
رجالة الأمن مسكوا سامح وخرجوه بالقوة.
فضلت مريم واقفة مكانها.
رجلها كانت بتترعش.
ياسين قرب منها، لكن وقف على مسافة.
ما مدش إيده.
ما حاولش يلمسها.
قال:
“إنتِ كويسة؟”
مريم هزت راسها بسرعة.
“أيوه.”
بص لشفايفها.
“ده مش شكل واحدة كويسة.”
مريم مسحت آثار الجرح بطرف إيدها.
“أنا متعودة.”
الكلمة خرجت منها من غير ما تقصد.
أول ما قالتها، شافت عيني ياسين اتغيرت.
سألها:
“متعودة على إيه؟”
مريم ما ردشت.
“مريم.”
بصت له.
“على الإهانة والتهديد.”
لثواني، المكان كله بقى ساكت.
ياسين كان معروف عنه إنه مش بيبان عليه الغضب.
لكن في اللحظة دي، عضلة صغيرة ظهرت في فكه.
قال:
“مين كان بيهددك؟”
مريم بصت للأرض.
“سامح.”
“من إمتى؟”
“من قبل ما أتجوزه.”
ياسين سكت.
وبعدين سألها:
“وإنتِ ليه رجعتي تشتغلي هنا النهارده بعد ما عرفتي إنه بيدور عليكِ؟”
مريم رفعت عينيها.
“عشان محتاجة الشغل.”
“قد إيه؟”
“يعني إيه؟”
“محتاجة الفلوس قد إيه؟”
ضحكت ضحكة صغيرة موجوعة.
“على قد ما الواحد محتاج ياكل ويعيش.”
ياسين بص لها شوية.
وبعدين قال:
“روحي اقعدي.”
“أنا ورايا شغل.”
“أنا صاحب المكان.”
مريم سكتت.
“يعني تقدر تخصملي اليوم؟”
لأول مرة، طرف شفايف ياسين اتحرك كأنه بيحاول يمنع نفسه من الابتسام.
“لا.”
“أمال؟”
“هديكي إجازة أسبوع.”
مريم هزت راسها.
“مقدرش.”
“ليه؟”
“عشان لو قعدت في البيت، سامح هيعرف أنا فين.”
ياسين ثبت عينه عليها.
“إنتِ ساكنة لوحدك؟”
“أيوه.”
“وهو عارف العنوان؟”
مريم ما ردش.
لكن سكوتها كان كفاية.
ياسين أخذ نفس ببطء.
وبعدين قال:
“من النهارده مش هتروحي بيتك لوحدك.”
مريم اتوترت.
“يعني إيه؟”
“يعني هتوصلي البيت مع السواق.”
“مش محتاجة.”
“دي مش مساعدة.”
“أمال إيه؟”
“حماية.”
مريم بصت له باستغراب.
“أنا مش فاهمة.”
ياسين قرب خطوة واحدة.
“وأنا مش طالب منك تفهمي دلوقتي.”
وبعدين وقف.
“بس في حاجة لازم أعرفها.”
مريم قالت:
“إيه؟”
ياسين بص ناحية رقبتها.
كان جزء صغير من سلسلة قديمة ظاهر تحت زي المطعم.
وفي آخر السلسلة كان فيه مفتاح نحاس صغير.
مد يده، لكنه وقف قبل ما يلمسه.
قال:
“المفتاح ده…”
مريم غطته بسرعة بإيدها.
“ماله؟”
لأول مرة من ساعة ما دخل المطعم، ظهر شيء غريب على وش ياسين.
صدمة.
مش خوف.
صدمة حقيقية.
سألها بصوت مختلف:
“إنتِ جبتي المفتاح ده منين؟”
مريم رجعت خطوة.
“ليه بتسأل؟”
ياسين ما ردش.
فضل باصص للمفتاح كأنه شاف شبح شخص ميت.
مريم قبضت إيدها عليه.
“ده بتاع أمي.”
ياسين رفع عينه عليها.
“أمك؟”
“أيوه.”
“اسمها إيه؟”
مريم بدأت تحس إن فيه حاجة غلط. “نادية.” وش ياسين شحب. “نادية إيه؟” “نادية عبد الرحمن.” ياسين فضل ساكت. ثواني طويلة. وبعدين سألها: “أمك كانت بتشتغل فين من حوالي خمسة وعشرين سنة؟” مريم اتوترت. “إنت تعرف أمي؟” ياسين ما جاوبش. مريم قربت منه. “إنت تعرف أمي؟” فجأة، ياسين قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقها: “المفتاح ده كان مع أمي أنا.” مريم فتحت إيدها ببطء. بصت للمفتاح. وبعدين رفعت عينيها لياسين. “إنت بتقول إيه؟” ياسين مد إيده ناحية المفتاح. “المفتاح ده اختفى من بيت عيلتي من سبعة وعشرين سنة.” مريم همست: “مستحيل.” “أنا كنت طفل وقتها.” “بس أمي عمرها ما راحت بيت ناس أغنيا.” ياسين بص لها بثبات. “أمك كانت بتشتغل في بيت عيلتي.” مريم اتراجعت. “لا.” “وكانت آخر واحدة شافت أمي قبل ما تختفي.” وش مريم اتغير. “تختفي؟” ياسين قال: “أمي ما ماتتش زي ما العيلة قالت.” مريم بصت له وهي مش فاهمة. “أمال راحت فين؟” ياسين قرب منها، وصوته بقى أخفض. “ده اللي حاولت أعرفه طول عمري.” سكت لحظة. وبعدين أضاف: “والنهارده، بعد سبعة وعشرين سنة، المفتاح اللي كان دليل اختفائها ظهر في رقبتك.” مريم ما قدرتش تتكلم. لكن ياسين كان لسه عنده سؤال واحد. سؤال أخطر من كل اللي قبله. “مريم…” “نعم؟” “أمك قالت لك إيه عن ليلة اختفائها؟” مريم ابتلعت ريقها. وقالت: “ولا حاجة.” “ولا كلمة؟” “كانت دايمًا بتقولي إن لو حد من عيلة المنصوري سألني عن المفتاح…” سكتت. ياسين اتجمد. “تكملي.” مريم بصت في عينيه. “أحرقه وأهرب.” حكايات شروق خالد
ياسين فضل باصص لمريم كأنه مش قادر يستوعب اللي سمعه. “أحرقه وأهرب؟” مريم هزت راسها. “أيوه.” “وأمك قالت لك الكلام ده إمتى؟” “قبل ما تموت بشهر.” ياسين قرب منها خطوة. “أمك ماتت إمتى؟” “من تلات شهور.” سكت ياسين. كان بيحاول يربط حاجات كتير ببعض، لكن كل خيط كان بيوصله لحاجة أخطر. مريم بصت له وقالت: “إنت ليه مهتم بالمفتاح بالشكل ده؟” ياسين ما ردش. “أنا سألتك.” قال بهدوء: “لأن المفتاح ده ممكن يدمر ناس.” مريم ضحكت بسخرية. “مفتاح؟” “أيوه.” “إزاي يعني؟” ياسين بص حواليه، وبعدين قال: “مش هنا.” مريم اتوترت. “أنا مش هروح معاك في حتة.” “أنا مش هطلب منك تروحي معايا.” وأخرج تليفونه واتصل. “خلي العربية قدام الباب الخلفي.” مريم اعترضت: “أنا قلت لك مش هروح.” ياسين بص لها. “مش هتروحي معايا.” وسكت لحظة. “هتروحي مع واحدة تثقي فيها.” مريم بصت له باستغراب. “مين؟” قبل ما يرد، دخلت واحدة من موظفات المطعم، اسمها هبة. كانت صاحبة مريم الوحيدة تقريبًا في الشغل. هبة قربت منها بسرعة. “مريم، إنتِ كويسة؟” مريم هزت راسها. “أيوه.” هبة بصت لياسين وبعدين لمريم. “هو قال إنك هتمشي؟” مريم ردت: “آه.” ياسين قال: “هبة هتروح معاها.” هبة بصت له باستغراب. “أنا؟” “أيوه.” “ليه؟” ياسين قال بمنتهى الهدوء: “لأن صاحبتك في خطر.” هبة قربت من مريم وهمست: “إحنا دخلنا في إيه؟” مريم ردت: “معرفش.” ياسين سمعها، لكنه ما علقش. بعد دقائق، خرجت مريم وهبة من الباب الخلفي للمطعم. كانت عربية سوداء مستنياهم. السواق نزل وفتح الباب. مريم وقفت مكانها. وبصت لياسين. “إنت مش جاي؟” “لا.” “أمال هتعمل إيه؟” ياسين بص لها بنظرة غامضة. “هحل مشكلة.” ركبت مريم العربية. وبمجرد ما العربية اتحركت، ياسين دخل مكتبه. كان مستنيه هناك واحد من أقرب رجاله. مراد. رجل في الأربعينات، قليل الكلام، وبيشتغل مع ياسين من أكتر من عشر سنين. مراد قال:
“اتأكدنا من حاجة.”
ياسين وقف قدام الشباك.
“قول.”
“سامح ما جاش المطعم لوحده.”
ياسين لف.
“مين كان معاه؟”
مراد حط صورة على المكتب.
“راجل اسمه حاتم الشناوي.”
ياسين أخذ الصورة.
وشه اتغير.
“حاتم؟”
“أيوه.”
“إنت متأكد؟”
“مية في المية.”
ياسين فضل ساكت.
مراد قال:
“في حاجة تانية.”
“إيه؟”
“حاتم اتصل بحد قبل ما سامح يدخل المطعم.”
“مين؟”
مراد حط ورقة قدامه.
“رقم قديم.”
ياسين بص للرقم.
وبعدين تجمد.
كان حافظ الرقم ده عن ظهر قلب.
رقم ما اتصلش بيه من سبعة وعشرين سنة.
رقم أبوه.
الراجل اللي اتقتل.
ياسين رفع عينه.
“الرقم ده لسه شغال؟”
مراد قال:
“الغريب إنه شغال.”
“ومين بيرد عليه؟”
“ما قدرناش نعرف.”
ياسين شد على الورقة.
“اعرف.”
“حاضر.”
“ومراد…”
“أيوه؟”
“من غير ما حد يعرف.”
مراد هز راسه وخرج.
في نفس الوقت، كانت مريم قاعدة في العربية جنب هبة.
هبة كانت بتحاول تخفف الجو.
“بصي، أنا مش فاهمة حاجة.”
مريم كانت ساكتة.
“بس الراجل ده شكله مش طبيعي.”
مريم بصت من الشباك.
“مين؟”
“ياسين.”
مريم سكتت.
هبة كملت:
“يعني إيه واحد عنده مطعم بالحجم ده، وكل الناس بتخاف منه، ويقف بنفسه يدافع عن واحدة زيينا؟”
مريم قالت:
“يمكن لأنه شافني في الموقف ده.”
هبة ضحكت.
“يا بنتي، في ناس شافت قبل كده وما عملتش حاجة.”
مريم ما ردتش.
لكنها كانت بتفكر في حاجة واحدة.
نظرة ياسين للمفتاح.
وفجأة، العربية فرملت بعنف.
هبة خبطت راسها في الكرسي.
“في إيه؟!”



