
قبل ما يتجوز جوز بنتي القديم، سمعت مراته الجديدة بتقول لحفيدتي اللي عندها خمس سنين: “انتي خلاص مابقتيش أهم بت في حياة أبوش.. وابعدي عن صور العيلة وما تقفيش فيها.”
أول ما بدأ حفل الفرح، قمت وقفت ورَفعت كاسي، وقلت كلمة خلت القاعة كلها تقف على حيلها في سكوت يرعب.
وأنا عندي تمانية وستين سنة، كنت خلاص خسرت أكتر اتنين حبيتهم في حياتي.
مراتي اتوفت بعد سبعة وتلاتين سنة جواز.
وبعديها بتلات سنين، بنتي الوحيدة، فاطمة، ماتت في حادثة عربية، وسابت وراها جوزها، إبراهيم، وبتهم الصغيرة، مريم، اللي كان عندها وقتها سنتين.
إبراهيم دخل حياتي على إنه جوز بنتي، بس مع الوقت والأيام، بقى زي ابني اللي ربنا ما رزقنيش بيه.
وبعد ما فاطمة راحت، العمار بيني وبينه زاد أكتر وأكتر.
ومريم بقت هي كل دنيتي ونور عيني.
أنا وإبراهيم حطينا إيدنا في إيد بعض عشان نضمن إن مريم عمرها ما تحس بنقص أو تشك لحظة في حبنا ليها.
كنت بشيلها وأخلي بالي منها كل ما يحتاجني.
أجيبها من الروضة.
أقضي معاها كل نهاية أسبوع.
وحرصت إنها تكبر وهي عارفة أمها كانت مين ومنورة حياتنا إزاي، بالصور والتذكارات والحكايات عن قد إيه فاطمة كانت روحها فيها.
عشان كده لما إبراهيم جه قال لي في يوم إنه اتعرف على وحدة تانية ونفسه يتجوز، ما زعلتش منه ولا شلت في خاطري.
كنت عايزه يفرح ويشوف أيامه.
كان اسمها شيماء.
كانت باينة طيبة وبنت حلال.
والأهم من ده كله، إن مريم كانت مستريحة معاها وبتلعب حواليها.
بعد سنتين، إبراهيم خطبها وقرروا يتجوزوا.
في صباحية يوم الفرح، مريم ذات الخمس سنين كانت طايرة من الفرحة ومكسرة الدنيا.
كانت لابسة فستان بني بدانتيل وردي بتحبه أوي، وماشية تقول لكل حد يقابلها إنها رايحة تتصور في “صور فرح بابا”.
قبل كتب الكتاب بآذان العصر، مشيت أدوّر عليها.
وأول ما قربت من الأوضة اللي كانت شيماء وأصحابها بيجهزوا فيها، سمعت صوت شيماء طالع من الباب الموارب.
“انتي خلاص مابقتيش أهم بت في حياة أبوش.. وابعدي عن صور العيلة وما تقفيش فيها.”
رجلي اتسمرت مكانها.
وللحظة، قلت يمكن ودني خالتني أو فهمت غلط.
بس شوية ولقيت مريم طالعة من الأوضة للممر.
دموعها كانت مغرقة وشها ومغرقة الفستان.
مشت بسكات وقعدت على الكرسي، وبصت في أرضية جزمتها وهي بتعيط بالراحة.
ده كان كل التأكيد اللي محتاجه.
روحتلها على طول.
خدتها في حضني وقفلت عليها إيديا.
وفضلت جنبها أطبطب عليها لحد ما هديت ودموعها نشفت.
كل عرق فيا كان عايزني أدخل الأوضة دي وأمسح بشيماء البلاط وأعرفها مقامها.
بس مريم كانت انكسرت وجرحها كفاية عليها.
وما كنتش مستعد أكسر فرحة أبوها وأقلبها خناقة وملاغاة قبل الفرح بكسر وقت.
عشان كده صبرت وتأنيت.
قعدت حضر كتب الكتاب والشهادة.
وابتسمت كل ما مريم ترفع عينها وتبصلي.
وعملت نفسي عادي خالص ولا كأن في أي حاجة حصلت.
وما نطقتش بكلمة واحدة.
لحد ما دخلنا على حفل الاستقبال والفرقة.
أول ما المايك اتفتح وبدأت الكلمات والتبريكات، قمت بالراحة من على الكرسي.
مسكت كاسي.
وبصيت بعيني بعيد في القاعة ناحية شيماء.
كانت قاعدة جنب إبراهيم بتضحك وبترص ابتسامة كأن مفيش أي حاجة حصلت.
رفعت كاسي لفوق.
وبدأت أتكلم.
ومع أول جملة خرجت من حسرتي، ضحكة شيماء اتشفطت من وشها.
وإبراهيم لف ببطء وبص لمراته الجديدة بذهول.
وكل النغشة والمحادثات في القاعة كلها اتفطمت وسكتت مرة واحدة.
#حكايات_شروق_خالدبصيت لإبراهيم، وبعدين عوجت عيني ناحية شيماء وقلت بصوت جهوري مسموع في كل أركان القاعة:
“النهارده أنا جاي أفرح بيك يا إبراهيم، لأنك من يوم ما دخلت بيتنا وجوزت بنتي الله يرحمها فاطمة، وأنا بعتبرك ابني اللي ما خلفتهوش.. وشلت اسمنا وصنت أمانتنا حتى بعد ما فاطمة سابتنا. وعشان كده، كان يهمني لما تختار، تختار اللي تصونك وتصون بتك الصغيرين.”
القاعة كلها كانت ساكتة، والنفس مقطوع. كملت وأنا عيني مثبتة في عين شيماء اللي بدت أطرافها ترتعش:
“بس أنا واقف هنا النهارده مش بس عشان أبارك.. واقف عشان أذكّرك وأذكّر عروستك الجديدة بكلمة واحدة: مريم بتك مش ضيفة في حياتك، مريم هي أصل حياتك ونور عينك، واللي يحب إبراهيم لازم يحب مريم ويشيلها فوق راسه.. مش يقولها قبل الفرح بساعة: (انتي خلاص مابقتيش أهم بت في حياة أبوش وابعدي عن صور العيلة وما تقفيش فيها)!”
أول ما الكلمة خرجت من بؤي، القاعة كلها شهقت شهقة واحدة.
إبراهيم اتسمر وقام وقف على حيله، وشه اتخطف وبقى زايغ، ولف بص لشيماء بنظرة كلها صدمة وذهول وقال بنبرة صوت ترعب: “شيماء.. الكلام ده حصل؟ انتي قولتي لمريم كده؟!”
شيماء وشها جاب ألوان، وبقت تتلعثم ومش عارفة تجمع جملة: “إبراهيم.. أنا.. أنا كنت بهزر معاها.. ده هو فهم غلط!”
دمعتي نزلت وقلت بصوت حنين ورزين: “البت عندها خمس سنين يا شيماء.. العيل ما بيفهمش الهزار اللي يكسر خاطره ويبكّيه في الممر لوحده عشان يتركن بره صور أبوه. مريم هي ذكريات بنتي الغالية، وأنا عايش العمر اللي باقي عشان أحميها وأحمي خاطرها.”
إبراهيم عينيه اتملت دموع وغضب، وبص لشيماء وقالها بصوت قاطع هز القاعة: “اللي ما تحترمش بنتي وما تصونهاش، مالهاش مكان في حياتي ولا على ذمتي. صور العيلة ماليهاش قيمة لو مريم مش في قلبها وفي نصها!”
إبراهيم قلع دبوس الورد اللي في بدلة الفرح، ومسك إيد مريم الصغيرة اللي كانت واقفة جنب الكرسي بتاعي، شالها وحضنها جامد قدام الناس كلها وهو بيعيط وبيقولها: “انتي أهم بت وأهم حاجة في عمري كله يا مريم.. ومفيش حد في الدنيا يقدر يأخد مكانك ولا يكسر خاطرك.”
الناس كلها بدأت تسقف وتكبر، وشيماء خرجت تجري من القاعة وهي بتداري وشها من الخجل والموقف.
وأنا رفعت كاسي ورحت ناحية إبراهيم ومريم، حضنتهم هما الاتنين، وعرفت ساعتها إن حظ مريم في الدنيا لسه بخير، وإن دموعها اللي نزلت الصبح ربنا جابلها حقها قدام الكل.
فرحة مكسورةبعد ما شيماء خرجت تجري والدموع مالية عينها من الفضحة والكسرة، القاعة كلها بقت زي الخلية، ناس بتواسي إبراهيم وناس بتهتف وبيدعوا لمريم وليّا.
إبراهيم نزل لمستوى مريم، وباس إيدها وخدها وهو بيمسح دموعها اللي كانت لسه علم على خدها الصغير، وقالها بصوت مليان حنية وندم: “سامحيني يا نور عين بابا.. حقك على راسي، والله ما كان في بالي ولا كنت أعرف إن في حد يقدر يقسى عليكي كده في بيتي.”
مريم شبطت في رقبته وحضنته بقوة وقالت بطفولة: “يعني أنا هفضل معاك يا بابا؟ ومش هتسيبني عشان العروسة الجديدة؟”
إبراهيم حضنها أكتر وعينه اتملت دموع: “أنا أبيع الدنيا كلها ولا أفرط في حتة منك يا مريم.. انتي بنتي وأمك الله يرحمها سابتك أمانة في رقبتي ليوم الدين.”
في اللحظة دي، جه المصور بتاع الفرح وهو متردد ومش عارف يعمل إيه، قرب بالراحة وقال: “يا إبراهيم بيه.. نتكل على الله ونكمل جلسة التصوير ولا نلم حاجتنا؟”
إبراهيم وقف بكل طوله وهيبته، وابتسم ابتسامة صافية أول مرة أشوفها من يوم حادثة فاطمة، وبصلي وقال للمصور: “تكمل وتصور أحلى صور في الدنيا.. بس المرة دي العيلة الحقيقية هي اللي هتتصور.”
مسك إيدي باليمين ومسك إيد مريم بالفرشة الشمال، ووقفنا إحنا التلاتة في نص القاعة تحت النور والناس بتسقف.
المصور رفع الكاميرا وقال: “ابتسموا للذكرى!”
فلاش الكاميرا ضرب، واللحظة دي اتسجلت.. صورة فيها جد صان الأمانة، وأب اختار بنته على كل حاجة في الدنيا، وطفلة صغيرة رجعتلها براءتها وضحكتها اللي كانت هتروح في لحظة قسوة.
ومن اليوم ده، عرفت إن فاطمة الله يرحمها نامت في قبرها وهي مرتاحة، لأنها سابت وراها رجال يعرفوا يعني إيه أمانة ويعني إيه ضنا.
فرحة مكسورة
حكايات شروق خالد




