
قال لمراته اللي جسمها مليان: “أنا مبفكرش فيكي أصلاً” — وفجأة اختفت، وسيد المعلمين في المنطقة قلب الدنيا رأساً على عقب عشان يرجعها البيت.
“أنا مبفكرش فيكي يا هدى.”
حمزة قال الجملة دي من غير ما يرفع صوته. وده بالذات خلى الوجع أشد وأصعب.
قبلها بثلاث ساعات، كانت هدى واقفة قدام المراية في أوضتها لابسة فستان نبيتي هي اللي اختارته لنفسها. مش الفستان اللي الاستايليست بتاع جوزها نقاه، ولا حاجة تفصيلها معمول عشان تداري بطنها أو تخفي دراعاتها. ولأول مرة من سنين، بصت لنفسها في المراية وابتسمت.
أم أحمد الدادة ضحكت وقالتلها: “الاستاذ حمزة هيتجنن لما يشوفك.”
هدى مأصدقتش كلامها. بس رغم كدة، ولحد إحدى عشرة دقيقة كاملة في الحفلة الخيرية، كان عندها أمل.
وبعدين قربت من جوزها. حمزة كان واقف في نص القاعة حواليه سياسيين ورجال أعمال وناس بتوطي صوتها أول ما ينطقوا اسمه. وجنبه كانت قاعدة شيرين. حلوة. ورفيعة. ومشهورة.
شيرين بصت على جسم هدى من فوق لتحت ببطء. وبعدين ابتسمت وقالت: “حمزة يا حبيبي.. هو البوفيه بعت حد فوق بالغلط؟ أنا طالبت الأكل النباتي مخصوص.”
اتنين من اللي واقفين ضحكوا.
هدى متعودة على التريقة على وزنها من وهي صغيرة. كانت تقدر تعدي كلام شيرين عادي. بس اللي متقدرش تستحمله، إنها بصت لجوزها ولقيت الضيقة مالية وشه. مش متضايق من شيرين. متضايق من هدى. ومن المنظر اللي عملته لمجرد إنها وقفت جنبهم.
حمزة قالها بصوت واطي: “روحي دوري على سليم.”
هدى بصتله بذهول: “أنا قاعدة معاك.”
“مش الليلة دي.”
صدرها اتخنق: “أنا مراتك.”
وش حمزة نشف وتقسّى: “والليلة دي إنتي بتلفتي النظر ع الفاضي.”
وبعدين قالها كلمة واحدة: “امشي.”
هدى قضت بقية السهرة جنب باب الخروج مع ستين كبار في السن من متطوعين المستشفى. قالولها إن فستانها حلو. وسألوها عن حلقها. وعاملوها بحنية أكتر بكثير من الراجل اللي هي شايلة اسمه ولابسة دبلته.
الساعة واحدة بعد نص الليل، حمزة رجع البيت. هدى كانت مستنياه في الصالون.
“أنت اتجوزتني ليه؟”
كان باين عليه التعب وقال: “مش وقت الكلام ده الليلة.”
“لا.. الليلة دي بالذات.”
ضغطت على نفسها وسألته السؤال اللي كانت بتهرب منه بقالها سنتين ونص: “هو أنت في مرة بصيتلي وشوفتني ست؟”
حمزة قالها إن جوازهم من الأول كان مجرد مصلحة. أبوها كان محتاج حماية. وهو كان محتاج نفوذ وأرض جديدة في السوق.
“إنتي أديتي الغرض اللي اتجوزتك عشانه.”
هدى بلعت ريقها بالعافية. وسألته آخر سؤال: “بتفكر فيا وأنت مسافر؟”
“لا.”
“ولا مرة؟”
“لا.”
حست بحاجة جواها بتتكسر. وحمزة كمل كلامه: “أنا مبفكرش فيكي يا هدى. لا وأنا مسافر، ولا وأنا شغال، ولا وأنا باخد أي قرار.”
عينيها حرقوها بالدموع. بس هزت رأسها وسكتت: “عندك حق.”
حمزة استغرب: “إيه؟”
“شكراً ليك.”
وقامت طلعت على فوق. وهو ممشيش وراها.
بعد ثلاث أسابيع، حمزة رجع البيت الساعة 3:18 الصبح. كان خلص المشكلة الكبيرة اللي كانت مع الرجالة في المينا. فيه اتنين اتصابوا. والمخزن اتبهدل. دخل الصالون وهو مستني يصب كاس ويرجع التقارير. بس بدل ده، شاف حاجة بتلمع تحت نور الأباجورة اللي على المكتب.
دبلة هدى. وجنبها ورقة بيضا صغيرة. مكتوب فيها ثلاث كلمات: كان عندك حق.
أول ما قرأ الورقة، حمزة حس بضربة في دماغه. طفي سجارته بسرعة ومسك التليفون وطلب سليم، دراعه اليمين ورجل ثقته.
“سليم.. هدى مش في البيت. تقلب الدنيا وتعرفلي مكانها خلال ساعة، فاهم؟”
سليم اتخض من نبرة صوت حمزة اللي عمره ما سمعها قبل كده، وبدأ يتحرك فوراً. رجالته نزلوا المستشفيات، المحطات، المطار، وحتى بيوت قرايبها القديمة.
أول يوم عدى وحمزة مبيتكلمش مع حد، قاعد في المكتب ومبيغمضش عينيه. كان فاكر إنها غضبانة وهترجع لما تهدى، بس لما عدى اليوم التاني والتالت ومفيش أي أثر ليها، الجنون دخل قلبه.
اكتشف إنها مأخدتش معاها أي فلوس من حسابه، ولا مجوهراتها، ولا حتى هدومها الغالية. أخدت بس شنطة صغيرة فيها لبسها القديم وبطاقتها الشخصية، وكأنها بتقوله إنها مسحت كل حاجة تربطها بيه.
حمزة قلب المنطقة، وقف شغل السوق، ونزل رجالة المافيا بتوع الشارع يدوروا في كل حارة ومصر القديمة والجديدة. مفيش حد كان ينطق اسمها من غير ما حمزة يهد الدنيا فوق دماغه.
وفي اليوم السابع، سليم دخل عليه وهو ماسك ملف في إيده: “يا باشا.. لقيناها.”
حمزة وقف فجأة: “فين؟”
“شغالة في دار أيتام صغيرة في حي شعبي بعيد.. عايشة هناك وبترعى الأطفال.”
حمزة مشي فوراً وركب عربيته، ولما وصل وركب السلم، شافها واقفة في الجنينة بتاعت الدار، لابسة فستان بسيط، بتضحك من قلبها وهي بتلعب مع أطفال صغار. الضحكة والراحة اللي على وشها مكانتش موجودة ولا يوم وهو معاه في القصر.
وقف يتفرج عليها من بعيد، ولأول مرة في حياته، حمزة الراجل اللي بيهابوه الكبار والصغيرين، حس إن قلبه اتخلع من مكانه وإنه كان أعمى عن الست اللي كانت نورة بيته.
قرب حمزة منها ببطء، وكل خطوة كان بيخطوها كانت تحسسها كأن الأرض بتهتز تحت رجليه. لأول مرة في حياته، المعلم حمزة اللي الملايين بتترعب من اسمه، طالع لست وهو خايف.
هدى لفت وشها وفجأة شافته واقف قدامها. الضحكة اختفت من وشها، بس مكانش فيه خوف في عينيها.. كان فيه جبل من البرود والهدوء.
“إنتي فاكرة إنك تقدروا تهربي مني؟” حمزة قالها ونبرة صوته كان فيها هزة مكتومة.
ردت عليه بكل ثبات وهي باصة في عينيه: “أنا مكهربتش منك يا حمزة.. أنا سبتلك حياتك اللي مش فاضية إلا لشغلك ونفوذك. أنت بنفسك قلتلي إنك مبتفكرش فيا، وأنا ريحتك مني.”
الكلام نزل على حمزة زي الصاعقة. حاول يأخد خطوة زيادة ويقولها: “ارجعي معايا يا هدى، البيت فاضي من غيرك.. المكان ميسواش حاجة.”
ابتسمت ابتسامة وجع وقالتله: “البيت كان فاضي وأنا جواة يا حمزة. هنا أنا ليا قيمة، الأطفال دول محتاجيني، وأنا حاسة بوجودي.. أنت محتاج سكرتيرة أو واجهة، وممكن تلاقي منها كتير، بس أنا مش المكان ده.”
ولأول مرة في حياته، حمزة فهم إن الفلوس والنفوذ والسلاح ميعرفوش يشتروا راحة البال ولا يرجعوا قلب انكسر.
ما أجبرهاش ترجع بالعافية.. ساب رجالته يحرسوا المكان من بعيد لبعيد عشان حمايتها، وبقى يجي كل يوم يقعد في عربيته قدام دار الأيتام، يتفرج عليها من بعيد، ويحاول يثبتلها كل يوم إنه اتغير عشانها.. لحد ما تقرر هي تفتحله باب قلبها من تاني.
#حكايات_شروق_خالد


