
“إنت عايز تعرف إيه عن أمي؟”
ياسين قال:
“الحقيقة.”
“أي حقيقة؟”
“حقيقة اختفاء أمي.”
مريم اتجمدت.
“وأمي ليها علاقة؟”
“أيوه.”
“إزاي؟”
ياسين أخرج صورة قديمة من جيبه.
مدها لها.
مريم أخذتها.
الصورة كانت لست شابة واقفة قدام بيت ضخم.
جنبها رجل في الأربعينات.
وفي حضنها طفل صغير.
مريم بصت للصورة.
وشها اتغير.
“دي أمي.”
ياسين قال:
“والراجل ده أبويا.”
مريم رفعت عينيها.
“والطفل؟”
ياسين ما ردش.
مريم بصت للصورة مرة تانية.
الطفل كان عنده حوالي ست سنين.
وبجانبه، على الأرض، كان فيه صندوق خشب صغير.
نفس نوع الصندوق اللي كانت أمها محتفظة بيه طول عمرها.
مريم همست:
“إنت كنت تعرف أمي.”
“أيوه.”
“إزاي؟”
“لأنها كانت الوحيدة اللي أبويا كان بيثق فيها.”
مريم سكتت.
ياسين قال:
“وفي ليلة اختفاء أمي، أبويا اتخانق مع أمي قدامها.”
“وبعدين؟”
“أمي اختفت.”
“وأبويا اتقتل بعدها بأسبوع.”
مريم قربت الصورة من عينيها.
“طب إيه علاقة المفتاح؟”
ياسين قال:
“أمي كانت مخبية حاجة في بيتنا.”
“إيه؟”
“مش عارف.”
“طيب إزاي عرفت إن المفتاح بيكشف المكان؟”
“لأن قبل ما تختفي بيوم، كتبت رسالة.”
“فين الرسالة؟”
ياسين بص لها.
“كانت مع أمك.”
مريم شعرت إن الأرض بتتحرك تحتها.
“إنت بتقول إن أمي كانت معاها الرسالة؟”
“أيوه.”
“وأمي قالت لي إنها ما تعرفش حاجة.”
“كانت بتحميكي.”
“من مين؟”
ياسين قال:
“من عيلتي.”
ساد الصمت.
مريم بدأت تبكي.
“يعني أمي كانت عارفة إنهم ممكن يأذوني؟”
“أيوه.”
“وسابتني من غير ما تقول؟”
“يمكن كانت فاكرة إن السكوت هو الطريقة الوحيدة عشان تحميكي.”
مريم مسحت دموعها.
“أنا عايزة أعرف كل حاجة.”
ياسين قال:
“هتعرفي.”
“دلوقتي.”
“دلوقتي مش آمن.”
“أنا تعبت من كلمة مش آمن.”
بصت له بعينين مليانين غضب.
“طول عمري الناس بتقرر عني. أمي قررت تخبي. سامح قرر يهددني. وإنت قررت تحميني من غير ما تسألني. أنا المرة دي اللي هقرر.”
ياسين فضل ساكت.
ثم قال:
“طيب.”
وأخذ نفسًا.
“هنروح للمكان المغلق.”
مريم بصت له.
“دلوقتي؟”
“دلوقتي.”
هبة قالت بخوف:
“إنتوا بتتكلموا عن مكان مهجور دلوقتي؟”
مريم بصت لها.
“هبة، لو عايزة ترجعي، ارجعي.”
هبة هزت راسها بسرعة.
“وأسيبك؟ انسي.”
بعد أقل من ساعة، كانوا واقفين قدام بناء قديم مغلق في أطراف القاهرة.
الليل كان نازل تقيل.
الشارع فاضي تقريبًا.
ياسين وقف قدام باب حديد صدئ.
طلع ورقة قديمة.
وبص لرقم الباب.
مريم قربت.
“هو ده؟”
“أيوه.”
دخل المفتاح في القفل.
لكن المفتاح ما اتحركش.
مريم بصت له.
“مش بيفتح.”
ياسين جرب مرة تانية.
ولا حاجة.
مريم قالت:
“يمكن المفتاح مش للباب ده.”
ياسين بص لها.
وبعدين بص للنقوش الموجودة فوق الباب.
كان فيه رمز صغير منحوت في الحجر.
نفس الرمز المحفور على المفتاح.
وفجأة مريم افتكرت حاجة.
“استنى.”
فتحت شنطتها.
طلعت صورة قديمة كانت أمها محتفظة بيها.
في ظهر الصورة كان فيه نفس الرمز.
ياسين أخذ الصورة.
قرا الكتابة اللي وراها.
وشه شحب.
مريم سألت:
“مكتوب إيه؟”
رفع عينه لها.
وقال:
“لو وصلتوا للمكان، ما تفتحوش الباب.”
مريم اتجمدت.
“ليه؟”
ياسين قلب الصورة.
كان فيه سطر تاني مكتوب بخط يد قديم:
“لأن اللي جواه مش الحقيقة اللي بتدوروا عليها.”
مريم شهقت.
وفجأة…
سمعوا صوت خطوات وراهم.
ياسين لف بسرعة.
كان سامح واقف في آخر الطريق.
لكن المرة دي ما كانش لوحده.
كان واقف جنبه رجل عجوز.
رجل مريم أول ما شافته، عرفت إنه مألوف.
وبصت لياسين.
لقت وشه اتغير تمامًا.
همست:
“مين ده؟”
ياسين ما ردش.
الرجل العجوز ابتسم.
وقال:
“مساء الخير يا ابن أخويا.”
مريم بصت لياسين بصدمة.
“ابن أخويا؟”
ياسين فضل واقف مكانه كأنه شاف ميت رجع للحياة.
وبعدين قال بصوت مخنوق:
“عمي…”
الرجل ابتسم أكتر.
“أيوه.”
وتقدم خطوة.
“وحشتني يا ياسين.”
ثم بص لمريم.
وعينيه وقعت على المفتاح المعلق في رقبتها.
ابتسامته اختفت.
وقال:
“أخيرًا… بنت نادية ظهرت.”
مريم اتراجعت.
“إنت تعرف أمي؟”
الرجل قال:
“أنا اللي خليتها تختفي.”
ياسين اندفع ناحيته.
لكن الرجل رفع إيده.
وفي اللحظة نفسها، خرج حراس من كل ناحية. ياسين وقف. وسمع عمه يقول: “لو عايز تعرف أمك راح فين أثرها، اسمعني للأخر.” مريم بصت لياسين. ولأول مرة شافت في عينيه خوفًا حقيقيًا. لكن المفاجأة الأكبر كانت إن عم ياسين لم يكن ينظر إليه. كان ينظر إلى مريم. وقال: “لأن الحقيقة اللي هتعرفيها الليلة…” ثم ابتسم ابتسامة باردة. “هتخليكي تكرهي أمك أكتر من أي حد في الدنيا.” حكايات شروق خالد
مريم فضلت واقفة مكانها، مش قادرة تستوعب كلمة واحدة. “أكره أمي؟” عم ياسين ابتسم. “أمك ما كانتش ضحية زي ما إنتِ فاكرة.” ياسين صرخ: “اسكت يا عمي!” الرجل بص له. “إنت لسه بتحميها؟ بعد كل السنين دي؟” مريم قربت خطوة. “قول الحقيقة.” “الحقيقة إن أمك كانت بتشتغل مع أبويا.” ياسين هز راسه بعنف. “كذاب.” “كانت بتساعده في تهريب فلوس وسرقة مستندات من العيلة.” مريم دموعها نزلت. “مستحيل.” عم ياسين أخرج ظرف قديم. “دي رسائلها.” فتح الظرف ورمى الأوراق قدامها. مريم التقطت واحدة. كان الخط خط أمها. لكن أول سطر فيها خلاها تتجمد: “لو حصل لي حاجة، مريم لازم تعرف الحقيقة.” رفعت عينيها. “دي مش كل الرسالة.” عم ياسين ابتسم. “طبعًا.” وقبل ما يكمل، ياسين اندفع ناحية أقرب رجل وضربه، وانفجرت الفوضى. صرخات. ورجالة بتجري. ياسين مسك مريم من إيدها. “اجري!” جروا ناحية المبنى القديم. هبة كانت وراهم. دخلوا بين المباني الشبه مهدمة، وياسين بيحاول يحمي مريم بجسمه. وفجأة خشب وقع من السقف وسقط قريب منهم. مريم صرخت: “ياسين!” وقع على ركبته من التعب والضغط. مريم جريت عليه. “إنت اتعورت!” “مش مهم.” “إزاي مش مهم؟!” مسك إيدها. “المفتاح.” مريم بصت له. “إيه؟”




