منوعات

شائعة في الظلام ج1 #حكايات_شروق_خالد

ممرضة أُجبرت على الزواج من زعيم عائلة نافذة يُشاع عنه الكثير، لكن ليلة زفافهما غيّرت كل شيء إلى الأبد.

حكايات شروق خالد

كانوا بيتكلموا عنها طول الليل، وهمسات المعازيم نازلة على ودان ندى وهي ماشية وسط القاعة.

ممرضة رعاية مركزة بسيطة من شبرا، لقت نفسها مضطرة توافق على جواز هدفه تسوية أزمة مالية تخص أخوها، رغم إن الموضوع ماكانش مسؤوليتها من الأساس.

اتجوزت راجل مصر كلها بتتكلم عنه بحذر. الكل عارف الحكايات اللي بتتقال عن جلال الزيني، عنده سبعة وتلاتين سنة، والشخصية الأقوى في واحدة من أكبر العائلات التجارية في الساحل.

بقاله سنين طويلة، ولا حد شافه قريب من ست، ولا بيسمح لأي حد يدخل مساحته الشخصية. وبدأت تنتشر عنه شائعات كتير، والناس تتكلم من وراه بثقة.

عشان كده ندى دخلت الجوازة دي وهي مجهزة نفسها للي الكل قالهولها: بيت هادي، وحياة باردة، وزوج هيتجنب الاقتراب منها. وهي كانت راضية بالوضع ده، لأنه في نظرها أهون من التهديدات والضغوط اللي كانت بتحيط بأهلها.

لكن في الليلة دي، أول ما باب الأوضة الخشب التقيل اتقفل وراهم، جلال حط متعلقاته على الترابيزة وقرب منها خطوة واحدة.

ندى غمضت عينيها ومسكت في الفستان، لكن جلال وقف قدامها وقعد على ركبته، ومسك إيدها المرتعشة بكل هدوء.

اللي عمله جلال خلّى كل الكلام اللي سمعته قبل كده يتغير.

كشف لها عن أثر قديم في رقبته وصدره، وبصلها بوجع وقال بصوت واطي:

“أنا مش زي ما الناس بتقول. أنا بتجنب القرب من أي حد بسبب تجربة قديمة سببتلي خوف شديد وتعب نفسي محدش يفهمه. لكن إنتِ ممرضة، وأنا اخترتك إنتِ بالذات لأنك الوحيدة اللي وثقت إنك تقدري تساعديني من غير ما تخرجي أي حاجة بره البيت. وأنا أوعدك أحميكي من كل المشاكل.”

ندى، اللي كانت قافلة على قلبها بقالها سنين وبتحاول تبعد عن أي علاقة، وقفت مذهولة ومش عارفة تنطق.

قعدت بالراحة على طرف السرير، جوه أوضة أول مرة تدخلها النهارده، ولسه لابسة الفستان اللي اتجهز ليها، وبتبص للراجل اللي كانت شايفاه مصدر خوف، وهو دلوقتي بيطلب منها الأمان.

البيت كان ساكت بشكل غريب، وده الجزء اللي مكنتش متوقعاه.

في شبرا، الدنيا مابتنامش؛ دايمًا فيه صوت بعيد، أو حركة جيران، أو تلفزيون طالع من شباك. لكن هنا، وسط السكون ده كله، بدأت ندى تفهم إن الليلة دي مش نهاية حياتها، لكنها بداية سر كبير هيغير حاجات كتير.

جلال قام وسحب كرسي وقعد قدامها، محافظ على مسافة مريحة بينها وبينه.

طابور الأسئلة كان بيلف في دماغ ندى: طب وليه الإشاعة دي بالذات؟ وليه يخلي الناس كلها تبعد عنه بالشكل ده؟

جلال كأنه قرا أفكارها، ابتسم ابتسامة هادية مليانة وجع وقال:

“الناس بتخاف من القوي، لكن أحيانًا بتحاول تستغل نقطة ضعفه لو عرفتها. الإشاعة دي كانت درعي. خليت الكل يفتكر إن ماليش نقطة ضعف، وإن مفيش حد يقدر يستخدمه للضغط عليا. سيبتهم يصدقوا، لأن إنك تفضل غامض أحيانًا أأمن من إنك تكون مكشوف.”

ندى بلعت ريقها بالعافية، وحست إن ضربات قلبها بتهدى شوية، لكن الشك لسه موجود:

“وأخويا؟ والمشكلة المالية اللي قالوا إنك هتحاسبنا بسببها؟”

جلال هز رأسه بالنفي وقال بحسم:

“أخوكي كان داخل في مشكلة أكبر من قدرته. أنا تدخلت وسويت الموضوع، وأخدتك هنا عشان أبعدك عن كل الضغط ده. وكمان لأن شغلك في العناية المركزة خلاني أثق إنك تقدري تساعديني من غير ما تحكي لحد.”

قام وفتح الدولاب، وطلع غيار مريح وحطه على السرير وقال بهدوء:

“الأوضة دي ليكي، وأنا هنام في الأوضة اللي جنبها. محدش هيدخل عليكي هنا غير بطلبك. ومن بكرة هتبدأي تساعديني في الرعاية والمتابعة، وفي سر مش هيطلع بره البيت.”

خرج وساب باب الأوضة موارب شوية.

ولأول مرة من سنين، ندى حست إن الخوف مش دايمًا بييجي من المكان المظلم. أحيانًا الأمان ممكن تلاقيه في المكان اللي كنت فاكره مصدر قلق.

نامت الليلة دي في السرير الواسع، وفي دماغها فكرة واحدة:

جلال الزيني مش الشخص اللي صوروه لها.

ده راجل شايل حمل كبير لوحده، وهي بقت شريكته في سر محدش يعرفه.

مرت الأيام في البيت الهادي فوق الجبل، وكل يوم كان بيكشف لندى جانب جديد من شخصية جلال.

الصبح كان يبدأ بنفس الروتين: ندى تجهز المستلزمات، وتدخل الأوضة الملحقة عشان تتابع حالته.

في الأول، كانت إيدها بترتعش وهي بتقرب منه، لكن احترافيتها كممرضة غلبت خوفها.

الأثر القديم كان واضح، وكان نتيجة تجربة صعبة تركت علامة على جسمه ونفسيته.

جلال كان بيغمض عينه ويتحمل المتابعة بهدوء، ومن غير ما يشتكي.

مع الوقت، حاجز الصمت بدأ يتكسر.

الكلام المتبادل بين ممرضة ومريض اتحول لونس هادي.

ندى عرفت إن جلال مبيحبش القهوة بسكر، وبياكل بهدوء شديد، وبيفضل يقف عند البلكونة الكبيرة ويبص للنيل بالساعات.

وفي المقابل، جلال كان بيسألها عن تفاصيل يومها في المستشفى، وعن شبرا اللي هي وحشاها، وكان بيسمع لها باهتمام حقيقي محدش اداها له قبل كده.

في يوم، بعد أسبوعين، ندى دخلت الأوضة ولقيت جلال قاعد على المكتب، ووشه شاحب والغيار محتاج يتغير.

ندى قالت بقلق:

“جلال! إيه اللي حصل؟ الحركة دي ممكن تتعبك!”

جلال بص لها وهو متضايق، لكنه ابتسم ابتسامة مريرة:

“رجالتي اكتشفوا إن في ناس بتحاول تقرب من العيلة. وكان لازم أتحرك بنفسي عشان أمنع المشكلة قبل ما تكبر.”

ندى، وبدون ما تفكر، مسكت إيده بثبات وقالت بصوت مليان غضب وخوف:

“إنت بتتعب نفسك عشان تحمي ناس كتير ممكن مايعرفوش قد إيه إنت بتتحمل!”

جلال بصلها باستغراب.

كانت دي أول مرة ندى تتكلم معاه بالجرأة دي.

والأهم، كانت أول مرة حد يقلق عليه هو شخصيًا، مش يخاف منه.

جلال مسك إيدها اللي كانت بتثبت الغيار، والمرة دي لمسها من غير ما يحس بنفس التوتر اللي كان بيجيله قبل كده.

بص في عينها وقال بصوت واطي:

“أنا مش فارق معايا كلام الناس يا ندى. كل اللي كان فارق معايا إني أفضل واقف. لكن النهارده اكتشفت إن في حاجة واحدة ممكن تتعبني فعلًا.”

ندى حسّت بقلبها بيخفق وسألته بصوت مرتعش:

“إيه هي؟”

جلال بص لإيدها اللي بين إيديه وقال:

“إنك تخافي مني، أو إنك تمشي وتسيبيني في الوحدة دي.”

النظرة اللي في عين جلال كانت كفيلة تخلي ندى تسكت مكانها.

الإحساس اللي اتخلق بينهم في اللحظة دي مكنش مجرد امتنان من مريضة سابقة لمن يساعدها، ولا مجرد شفقة من ممرضة لشخص محتاج دعم.

كان إحساس أعمق.

سحبت إيدها بالراحة، وحطت الغيار الجديد بثبات وهي بتحاول تخفي ارتباكها:

“أنا مش همشي يا جلال. مش عشان الموضوع خلص، لكن عشان أنا كمان لقيت هنا الأمان اللي كنت بدور عليه من زمان.”

مرت الأيام، والعلاقة بين الطرفين بقت أقوى.

جلال بدأ يتحسن بشكل كبير بفضل رعايتها، وفي نفس الوقت بدأ يخرج من عزلته.

بقى ينزل يتغدى معاها على السفرة الكبيرة اللي كانت دايمًا فاضية، وبقت ضحكتها الرقيقة هي الصوت الوحيد اللي بيملى البيت الهادي.

لكن العالم المحيط بجلال مكنش هيسيبهم يعيشوا بهدوء طويل.

في ليلة هادئة، والصوت الوحيد كان صوت الريح بره البيت، ندى صحيت على صوت حركة غير معتادة.

قامت بسرعة وفتحت باب الأوضة، ولقيت جلال واقف في الصالة ومعاه اتنين من رجاله الموثوقين، ووشوشهم كلها توتر.

“فيه إيه يا جلال؟” ندى سألت بقلق.

جلال بص لها بنظرة حادة، لكنها كانت مليانة خوف حقيقي عليها:

“السر اتكشف يا ندى. عمي ورجالته عرفوا إنك مش مجرد واجهة، وعرفوا إن حالتي القديمة هي نقطة ضعفي. هما جايين دلوقتي عشان يفرضوا سيطرتهم.”

أحد الرجال اتكلم بسرعة:

“يا جلال بيه، لازم نتحرك فورًا من الطريق الخلفي، المكان بقى مكشوف.”

جلال قرب من ندى، ومسك كتفها بثبات:

“أنا هطلعك من هنا فورًا. رجالي هيوصلوكي لمكان أمان في شبرا عند أهلك.”

ندى بصت له بقوة وجرأة هي نفسها مكنتش تعرف إنها تملكها، ومسكته من إيده ورفضت تتحرك:

“أنا مش راجعة شبرا وأسيبك هنا لوحدك. إنت قلتلي قبل كده إنك اخترتني عشان أكون أمانك، وأنا مش هسيبك يا جلال.”

جلال اتفاجئ من موقفها، وعينه لمعت بنظرة إعجاب وامتنان مكنش قادر يخفيها.

وفي اللحظة دي، سمعوا صوت اضطراب قريب من بوابة البيت الخارجية.

اللحظة الحاسمة وصلت، والسر اللي كان مستخبي السنين دي كلها بقى لازم يتحافظ عليه بحكمة وشجاعة.

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى