منوعات

حكاية سليم العطار ج1 .#حكايات_شروق_خالد

أكبر كبير في عالم رجال الأعمال جه بيته بدري ثلاث ساعات عن معاده، واتصدم لما لقى الدادة بتاعته بتأكل في هدوء أربع عيال شبه بعض بالظبط، على سفرة الأكل اللي محدش قربلها من يوم ما مراته ماتت.

كان لسه هيزعق ويفهم في إيه، لقى طفل منهم بيشاور عليه وبيسأل:

— «يا أمينة، هو ده الراجل اللي في الصورة؟»

المعلقة وقعت من إيدها.

أنا اسمي سليم العطار.

بقالي عشرين سنة، أكبر رجال الأعمال بيوطوا صوتهم أول ما اسمي يتقال.

بس في الضهرية دي، وجوة فيلتي، أنا اللي لساني اتعقد وماعرفتش أنطق.

رجعت فجأة عشان الاجتماع اللي كان عندي في وسط البلد اتلغى.

مفيش ولا حارس من اللي برة كان يعرف إني راجع.

ولا حتى أمينة.

سمعت أصوات طالعة من أوضة السفاري.

أصوات عيال صغار.

الحوار ده لوحده خلّى إيدي تتحرك بحذر.

العيال عمرها ما دخلت بيتي.

والغريب بالذات يستحيل أسمح له يدخل.

أول ما وصلت عند الباب، لقيت أمينة، الشغالة اللي شغالة عندي بقالها إحدى عشرة سنة، قاعدة على سفرة الخشب الكبيرة.

وحواليها أربع عيال صغار.

نسخة من بعض.

تقول عندهم أربع سنين.

شعر بني، وشوش بيضا، ولابسين تيشيرتات زرقاء سادة.

أمينة كانت بتقسم الرز الأصفر بعناية في أربع أطباق صين.

— «بالراحة يا كتاكيتي، الأكل كتير ويكفي.»

طفل منهم ضحك.

نفسي اتقطع.

مناخيره.

بوقه.

حتى التكشيرة الصغنونة دي.

أنا عارف الوش ده كويس.

عشان كنت بشوفه كل يوم الصبح وأنا صغير في المراية.

بصيت على الثلاثة التانيين.

الشبه كان مذهل أكثر.

أربع نسخ من نفس العيل.

أربع عيال شبهي بشكل يخوف.

مراتي، فاطمة، ماتت من خمس سنين.

وعمرنا ما خلفنا.

أو على الأقل…

ده اللي كنت فاكره.

في طفل منهم لقطني فجأة.

فضل باصصلي كام ثانية.

وفجأة وشه كله نور.

— «أمينة!»

أمينة رفعت رأسها.

العيل شاور عليا على طول.

— «هو ده الراجل اللي في الصورة؟»

المعلقة اتزحلقت من بين صوابع أمينة.

رنت على الأرض.

وشها جاب ألوان واصفر زي الليمونة.

دخلت الأوضة خطوتين.

— «صورة إيه؟»

محدش رد.

— «أمينة.»

قامت في ثواني ووقفت بكتفها بيني وبين العيال.

الحركة دي خضتني أكثر من أي حاجة ثانية.

أمينة دي شافت مواقف صعبة كتير في البيت.

وشافت رجال مهمين داخلين وخارجين.

عمرها ما وقفت قصادي ولا قطعت عليا طريق.

إلا النهاردة.

— «مين العيال دي؟»

عينها اتملت دموع.

— «يا سليم…»

— «مين دول؟»

أصغر عيل مد إيده جوة شنطته الصغنونة.

أمينة لفتله بسرعة.

— «لا يا إبراهيم!»

كان خلاص.

طلع صورة قديمة.

صدي اتعصر.

كانت فاطمة.

مراتي الله يرحمها.

كانت بتضحك للكاميرا.

وجنبها…

كانت أمينة.

وكان مكتوب تحت بخط فاطمة أربع كلمات:

«احميهم من سليم.»

بصيت لأمينة.

وبعدها للعيال الأربعة.

كانت خلاص بتعيط بحرقة.

وهمست:

— «يا سليم، فاطمة حلفتني إنك عمرك ما تعرف طريقهم.»

معرفتش أتحرك من مكاني.

— «ليه؟»

أمينة بصت ناحية الشباك.

ملامح وشها اتقلبت في ثانية.

رعب.

مش خوف مني.

خوف من حاجة برة.

أخدت العيال الأربعة في حضنها.

— «عشان فاطمة مكانتش بتبعدهم عنك أنت.»

إيدي نزلت تحت الجاكيت وتنيت صوابعي.

— «أمال عن مين؟»

قبل ما أمينة تنطق، واحد من حراسي صرخ من تحت في الجنينة:

— «يا باشا!»

ثلاث عربيات دفع رباعي سوداء وقفوا حالًا قدام البوابة برة.

أمينة غمضت عينها.

وهمست بالكلمة اللي خلت الدم يبتلج في عروقي:

— «وصلوا للعيال.»

#حكايات_شروق_خالد

مسكت وسيلة الحماية اللي معايا وطلعت بسرعة على الشباك.

عربيات سوداء، ونازل منها رجال بملابس تخفي ملامحهم، وشايلين معدات مش عادية.

دول شغل منظم، وتحركهم سريع ومدروس.

قلت لأمينة:

— «خديهم وادخلي أوضة السر اللي ورا المكتبة فورًا! متفتحيش لأي حد مهما حصل إلا لما تسمعي صوتي أنا!»

أمينة لمّت الأربع عيال تحت دراعاتها ومشتهم وهي بتترعش:

— «ربنا يسترها عليك يا سليم يا بني… وربنا ياخد اللي كان السبب.»

نزلت على السلم وأنا مش شايف قدامي.

سليم العطار اللي كان فاكر إنه عارف كل خرم في البلد دي، اتكشفله في ثانية إنه كان أعمى.

فاطمة… مراتي اللي كنت بحط رأسي على حجرها وبنام وأنا مطمن، كانت شايلة السر ده كله لوحدها؟

وكانت خايفة عليهم من مين؟

أول ما بوابات الصالة الرئيسية اتفتحت بعنف، دخلوا.

بدأت الفوضى.

البيت اللي بقاله سنوات ساكت ومفيهوش غير صوت الساعات، تحول في لحظات لمكان مليان توتر وصخب.

وبعد دقائق، انتهى كل شيء، لكن آثار الفوضى كانت واضحة في المكان.

واحد منهم كان واقع على الأرض، مسكته من ملابسه وسألته:

— «مين اللي جابكم هنا؟ مين اللي بعتكم على بيتي؟»

الراجل كان متعب، لكنه ابتسم من تحت غطاء وجهه وقال وهو بيلهث:

— «أنت… أنت فاكر نفسك الكبير؟ فاطمة كانت عارفة الحقيقة… العيال دول مش عيالك يا سليم… العيال دول…»

قبل ما يكمل كلامه، حصلت حركة مفاجئة من الخارج، وانتهى كل شيء.

وقفت في وسط الصالة والهدوء رجع فجأة.

البيت بقى عبارة عن دخان وآثار فوضى وحيطان متضررة.

طلعت جري على الأوضة السرية، ضربت الرقم السري والباب اتفتح.

أمينة كانت قاعدة في الركن حاضنة الأربعة، وماتيو — أو إبراهيم — كان باصصلي بعيون واثقة أوي…

نفس العيون اللي بشوفها في المراية.

قعدت على ركبي قدام أمينة وأنا بنهث:

— «أمينة… الراجل قبل ما يختفي قال كلمة غريبة… اتكلمي بالحق، فاطمة ماتت إزاي؟ والعيال دول مين؟»

أمينة هزت رأسها بالرفض وهي بتعيط:

— «فاطمة مماتتش بسبب طبيعي يا سليم… فاطمة اتعرضت لمؤامرة بعد ما اكتشفت سر عيلتك أنت… سر العطارين اللي أبوك وخالك خبوه من أربعين سنة.»

بصيت للعيال ودمي اتجمد.

كملت وهي بتهمس:

— «العيال دول عيالك أنت وفاطمة… بس فاطمة لما عرفت إن العيلة بتتاجر في أسرارهم وبتستغلهم لغرض أخطر من الخيال، غيّرت الأوراق الرسمية الخاصة بيها وبالعيال، وهربتهم… والنهارده… أصحاب السر جم يطالبوا بحقهم.»

سمعت صوت عربيات ثانية بتقرب برة…

بس المرة دي مش حراسي، ولا ناس غريبة.

صوت عربية واحدة…

أنا حافظ صوت موتورُها كويس أوي.

عربية أخويا الكبير…

اللي المفروض إنه غايب من عشر سنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى