
ياسين لم يتحرك.
لكن عينيه أصبحتا أكثر برودة.
قال:
“اسمك؟”
الرجل رد:
“محمود.”
ثم نظر ناحية هناء وقال:
“وأنا جيت أخد اللي أخويا سابه.”
ياسين اقترب منه خطوة.
“إيه اللي أخوك سابه؟”
محمود ابتسم.
وقال جملة جعلت هناء تصرخ:
“بنت أخويا.”
نور كانت لا تزال جالسة على الكرسي.
ولأول مرة، ظهر الخوف الحقيقي في عينيها.
محمود أشار إليها.
“أنا جاي آخد نور.”
وقف ياسين أمام الطفلة مباشرة.
ثم قال بصوت منخفض جدًا:
“مش هتاخدها.”
محمود ضحك.
“دي مش بنتك.”
رد ياسين دون أن يرفع صوته:
“من اللحظة دي… محدش هيلمَسها.”
لكن هناء كانت تبكي وهي تهز رأسها.
“مستر ياسين… إنت مش فاهم.”
نظر إليها.
“إيه اللي مش فاهمه؟”
قالت بصوت متقطع:
“أحمد ما ماتش في حادث.”
سكت ياسين.
وتغيرت ملامحه.
هانا أكملت:
“أنا اتقال لي إنه مات.”
“لكن قبل ما يموت… أو قبل ما يختفي… ساب لي رسالة.”
سأل ياسين:
“فين الرسالة؟”
هانا نظرت إلى محمود.
ثم إلى نور.
وقالت:
“معايا.”
وفي اللحظة دي…
رن هاتف ياسين.
نظر إلى الشاشة.
رقم مجهول.
رد.
لم يسمع في البداية سوى نفس عميق.
ثم جاء صوت رجل من الطرف الآخر.
صوت لم يسمعه ياسين منذ ثلاث سنوات.
صوت جعله يتجمد في مكانه.
قال الرجل:
“لو البنت وصلت لعندك…”
صمت لثوانٍ.
ثم قال:
“يبقى الدور جه عليك يا ياسين.”
اتسعت عينا ياسين.
لأن الصوت كان صوت شخص كان متأكدًا أنه مات منذ ثلاث سنوات.
صوت زوجته…
ليلى.
حكايات شروق خالد
فضل ياسين ماسك التليفون من غير ما يتكلم.
صوت النفس اللي على الناحية التانية كان واضح.
هادئ.
ومتعمد.
وبعدين اتكرر الصوت:
“سمعتني يا ياسين؟”
ياسين قرب التليفون من ودنه.
“ليلى؟”
هانا شهقت.
سليم بص له بصدمة.
أما عم حسان، فوقف مكانه وكأن الزمن اتجمد.
ياسين قال بصوت مبحوح:
“إنتِ مين؟”
جاء الرد:
“أنا السؤال اللي فضلت تهرب منه تلات سنين.”
وبعدين الخط اتقفل.
فضل ياسين واقف ثواني، عينيه مثبتة على شاشة الموبايل.
لم يكن ممكن.
مستحيل.
ليلى ماتت قدامه.
هو شاف العربية وهي بتتحول إلى كتلة نار.
هو بنفسه دخل المستشفى.
هو بنفسه دفنها.
هو بنفسه حمل صورتها إلى القبر.
فمين اللي اتصل؟
قال سليم بسرعة:
“ياسين بيه…”
رفع ياسين إيده.
“ولا كلمة.”
وبص لمحمود.
“إنت كنت تعرف إن أحمد عايش؟”
محمود ابتسم.
“أخويا مات.”
“إنت قلت بنفسك إنه ساب حاجة.”
“ما قلتش إنه سابها وهو عايش.”
ياسين اقترب منه.
“إنت بتلعب مع الشخص الغلط.”
محمود ضحك.
“أنا مش اللي بلعب.”
بص ناحية هناء.
“هي اللي عارفة كل حاجة.”
التفت ياسين إلى هناء.
“الرسالة.”
هانا كانت بتعيط.
“مش هنا.”
“فين؟”
“في أوضتي.”
“هاتِيها.”
تحركت هناء بسرعة، لكن ياسين أمسك ذراعها.
“استني.”
بص لسليم.
“خد رجالتك فتشوا البيت كله.”
سليم فهم فورًا.
“حاضر.”
ثم نظر ياسين إلى محمود.
“والراجل ده ما يتحركش.”
أمسكه اثنان من الحرس واقتادوه بعيدًا.
وقبل أن يخرج، التفت محمود إلى ياسين وقال:
“لو عايز تعرف مين قتل ليلى بجد…”
توقف.
“اسأل الراجل اللي وقف جنبك في الجنازة.”
ثم خرج.
ياسين لم يتحرك.
كانت الجملة بتدور في رأسه.
الراجل اللي وقف جنبه في الجنازة؟
مين؟
كل اللي حضروا جنازة ليلى كانوا تحت عينه.
عائلتها.
رجال أعمال.
رجالة ياسين.
رجال الأمن.
لكن كان فيه شخص واحد…
الشخص الوحيد اللي ظل بجواره من أول لحظة لآخر لحظة.
عم حسان.
التفت ياسين إليه.
وجد الرجل العجوز شاحبًا.
قال ياسين:
“عم حسان.”
رفع الرجل عينيه.
“أيوه يا ابني.”
“كنت واقف جنبي في جنازة ليلى؟”
سكت حسان.
ثم قال:
“كنت.”
“طول الوقت؟”
“أيوه.”
“متأكد؟”
لم يرد.
اقترب ياسين منه.
“بص في عيني.”
رفع حسان رأسه.
كانت عينيه مليانة حزن.
قال:
“أنا آسف.”
الجملة دي كانت كفاية.
ياسين شد فكه.
“آسف على إيه؟”
لكن قبل ما حسان يرد، خرجت هناء من الغرفة وهي ماسكة ظرفًا قديمًا.
قالت:
“لقيته.”
أخذ ياسين الظرف.
كان قديمًا، والورق مصفرًا.
لكن على ظهره كان مكتوب اسم واحد.
“ليلى.”
تجمد ياسين.
بص لهانا.
“إيه ده؟”
قالت:
“الرسالة اللي أحمد سابها لي.”
فتح الظرف.
جواه ورقة واحدة.
قرأ أول سطر.
ثم تغير وجهه.
كانت الكلمات مكتوبة بخط ليلى.
“ياسين، لو وصلت لك الرسالة دي، يبقى أنا فشلت في إني أحميك.”
يده بدأت ترتعش.
كمل القراءة.
“متصدقش إن الحادث كان حادث.”
حبس نفسه.
ثم قلب الورقة.
“ومتثقش في أي حد قال لك إني مت.”
اتسعت عيناه.
هانا اقتربت.
“في باقي.”
لكن ياسين كان قد قرأ آخر سطر.
“والأهم… لو قابلت طفلة اسمها نور، ما تسيبهاش بعيد عنك أبدًا.”
رفع ياسين عينيه ببطء.
نظر إلى نور.
الطفلة كانت قاعدة في الكرسي، مش فاهمة حاجة.
ثم قال:
“ليه ليلى كتبت اسم نور؟”
هانا بكت.
“أنا ما أعرفش.”
“أنتِ تعرفي.”
“والله ما أعرف.”
رفع الورقة أمامها.
“اسم بنتك مكتوب بخط مراتي.”
هانا سكتت.
ثم قالت:
“أنا لقيت الرسالة مع حاجات أحمد.”
“إمتى؟”
“بعد موته.”
“ليه ما قلتيش؟”
هانا نزلت عينيها.
“عشان خفت.”
“من مين؟”
قبل ما تجيب، انطفأت أنوار القصر كلها.
صرخت نور.
عم حسان قال:
“الكهربا!”
لكن ياسين لم يتحرك.
كان يعرف أن الكهرباء في القصر لا تنقطع.
القصر كان مجهز بمولدات مستقلة.
وفي اللحظة نفسها، سمعوا صوت ارتطام قوي من الطابق العلوي.
ثم طلقة.
صرخت هناء.
سليم سحب سلاحه.
“الكل مكانه!”
بدأ الحرس يتحركون.
لكن نور نزلت من الكرسي وركضت ناحية ياسين.
مسكت رجله.
“مستر ياسين…”
انحنى فورًا وحملها.
ضمها إلى صدره.
وقال:
“أنا هنا.”
ثم جاء صوت طلقة ثانية.
وبعدها صوت رجل يصرخ:
“اقتلوا أي حد يحاول يهرب!”
تحول القصر إلى فوضى.
الحرس انتشروا في الممرات.
ياسين سلم نور لهناء.




