
مراد وجه ناحيته.
— إنت السبب في كل ده.
بصيت لمراد.
— إنت قتلت حد؟
ابتسامته اختفت.
— لأ.
— طب ليه بتعمل كده؟
— عشان أخدتي مني كل حاجة.
صوتي اتهز.
— أنا؟
— أيوه إنتِ!
رفع صوته.
— أنا كنت ببني حياة معاكي!
صرخت:
— حياة؟!
ضحك بعصبية.
— كنتِ مراتي!
— ما كنتش مرتك!
الكلمة خرجت مني أقوى مما توقعت.
مراد سكت.
كأنه اتضرب.
كملت:
— إنت كنت بتحبسني جوا حياتك.
— كنت بحميكي.
— لأ.
هزيت راسي.
— كنت بتراقبني.
رامي بص لي لحظة، ثم رجع نظره لمراد.
— خلصنا.
مراد ابتسم بسخرية.
— لسه ما بدأناش.
وبعدين بص لي.
— هو قال لك عن أبوكي؟
قلبي وقع.
رامي قال:
— ما تدخلهاش في الموضوع.
مراد ضحك.
— ليه؟ خايف تعرف؟
بصيت لرامي.
— أنا عايزة أعرف.
— سلمى…
— لأ.
كنت حاسة إن حياتي كلها واقفة على الكلمة دي.
— عايزة أعرف الحقيقة.
مراد قال:
— أبوكي كان شريك رامي في شركة صغيرة زمان.
رامي قاطعه:
— مراد، اسكت.
لكن مراد كمل.
— الشركة كانت بتتعامل مع شحنة كبيرة.
سكت لحظة.
— شحنة اختفت.
بصيت لرامي.
— إيه اللي حصل؟
رامي أخد نفس عميق.
— أبوكي اتحمل المسؤولية.
— ليه؟
— عشان كان فاكر إنه بيحميني.
مراد ضحك.
— بيحميك إنت؟ ولا بيحمي رامي؟
رامي نظر له بغضب.
— كفاية.
مراد وجه السلاح ناحيتي.
— أبوكي مات وهو سايب ديون واتهامات.
اتسعت عيني.
— أنا كنت فاكرة إنه مات في حادثة.
— كانت حادثة.
رامي قالها بهدوء.
ثم أضاف:
— لكن ما كانتش صدفة.
سكت المكان كله.
سمعت نفسي بصعوبة.
— يعني إيه؟
رامي نظر لي.
— عربية أبوكي اتعبث بفراملها.
مراد قال:
— واللي عمل كده كان عايز يتأكد إن السر يدفن معاه.
شهقت.
— مين؟
مراد ابتسم.
— اسألي رامي.
لفيت ناحية رامي.
كان ساكت.
قلت:
— إنت عارف مين قتله؟
رامي أغمض عينيه للحظة.
— أيوه.
— مين؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت سيارات كتير بره.
الشرطة وصلت.
مراد التفت ناحية الباب.
وفي اللحظة دي، رامي همس:
— انزلي!
مسكني من كتفي وجذبني للأرض.
طلقة خرجت.
المسدس وقع من إيد مراد.
رجال الأمن اندفعوا للمخزن.
مراد حاول يجري، لكن اتنين مسكوه.
صرخ وهو بيتقاوم:
— سلمى!
بصيت له.
كان على الأرض، وإيده متكتفة.
— هو هيقتلك زي ما قتل أبوكي!
رامي وقف قدامي.
— خدوه.
اتسحب مراد للخارج.
وأنا فضلت واقفة مش قادرة أتحرك.
بعد دقائق، خرج الجميع.
بقيت أنا ورامي وحدنا.
قلت:
— مين قتل أبويا؟
ما ردش.
— رامي.
رفع عينيه لي.
— الشخص اللي قتل أبوكي…
سكت.
— كان أخويا.
اتجمدت.
— أخوك؟
هز راسه.
— اسمه شريف.
— فين هو؟
رامي بص بعيد.
— مات من خمس سنين.
— مات إزاي؟
— انتحر.
سكت.
ثم قال:
— لكن قبل ما يموت، اعترف بكل حاجة.
حسيت إن الأرض بتتحرك تحتي.
— وإنت عرفت كل ده من إمتى؟
— من يوم ما بدأتِ تشتغلي عندي.
— وعشان كده كنت بتبص لي؟
هز راسه.
— كنت بحاول أتأكد إنك ما كنتيش عارفة حاجة.
— وكنت بتراقبني؟
— أيوه.
اتراجعت خطوة.
— يعني مراد ما كانش الوحيد.
صوته انكسر لأول مرة.
— أنا غلطت.
— كنت بتراقبني من غير ما أعرف.
— أيوه.
— ليه ما قلتليش؟
— لأنني كنت خايف.
— من إيه؟
بص لي.
— إنك تكرهي أباكي بسببي.
سكت.
وبعدين قال:
— أبوكي ما كانش مذنب.
دموعي نزلت.
— كنت عايزة الحقيقة.
— وأنا هديهالك كلها.
طلع ملف قديم من العربية.
مده لي.
— دي كل المستندات.
أخدته.
فتحت أول صفحة.
كان اسم أبويا.
وتحته توقيعه.
لكن في آخر الصفحة…
كان فيه اسم آخر.
اسم ما شفتوش قبل كده.
اسم جعل رامي يمد إيده ويغلق الملف.
قلت:
— مين ده؟
رامي بص لي.
— الشخص اللي قتل أبوكي ما كانش شريف.
سكت.
— شريف كان مجرد أداة.
— أداة لمين؟
رامي أخذ نفسًا طويلًا.
وقال:
— للشخص اللي لسه عايش.
ثم نظر خلفي، إلى بوابة المخزن.
— والشخص ده…
كان واقف هناك.
ورفع يده بتحية صغيرة.
عرفته فورًا.
حسام.
أقرب شخص لرامي في الشركة.
والرجل اللي وثقت فيه طوال ثلاث سنين.
ابتسم وقال:
— مساء الخير يا رامي.
ثم نظر إليّ.
— وحشتيني يا سلمى.
رامي شدني خلفه.
لكن حسام قال جملة واحدة جعلت رامي يتجمد:
— أبوها ما ماتش عشان الشحنة يا رامي.
ابتسم.
— مات عشان كان عارف أنا مين.
حكايات شروق خالد
ساد الصمت.
رامي ثبت عينيه على حسام.
— قول اللي عندك.
حسام ابتسم.
— أبو سلمى اكتشف إن الفلوس اللي كانت بتختفي من الشركة زمان ما كانتش بتروح لشريف.
بص لي.
— كانت بتروح لي.
حسيت إن نفسي اتقطع.
رامي قال:
— وعشان كده قتلته.
حسام هز كتفه.
— كان لازم يسكت.
رامي تقدم خطوة.
— وأنت استخدمت أخويا.
— أيوه.
— وخليته يفتكر إنه بيحمي الشركة.
حسام ضحك.
— الناس دايمًا بتحب تصدق إنها أبطال.
في اللحظة دي، دخلت الشرطة.
حسام حاول يتحرك، لكن رامي أشار لهم.
— هو ده.
اتقبض على حسام، ومعاه ملفات وحسابات وأدلة كانت كفاية تفتح قضية أكبر من أي حد كان متخيل.
بعدها بشهور، الحقيقة ظهرت كاملة.
اتثبت إن مراد كان شريكًا لحسام في تسريب المعلومات والتلاعب بالحسابات، وإنه كان بيراقب سلمى عشان يعرف هي اكتشفت إيه.
واتثبت كمان إن حسام كان العقل المدبر لعمليات الاختلاس القديمة، وإنه تسبب بشكل غير مباشر في موت والد سلمى.
أما رامي…
فقد سلم كل المستندات للنيابة، وقرر ينهي كل الحسابات السرية اللي كانت موجودة من أيام شريكه القديم.
لأول مرة، اختار الحقيقة حتى لو كانت هتخسره.
أما سلمى، فاختفت عن الشركة شهرين.
مش هروبًا.
لكن عشان تتعلم تعيش من غير خوف.
غيرت رقمها.
رجعت تكلم أصحابها.
زارت والدتها أكتر.
وبدأت علاجًا نفسيًا يساعدها تفهم إن اللي حصل لها ما كانش ذنبها.
وفي يوم رجعت فيه الشركة لأول مرة، وقفت قدام مكتب رامي.
خبطت.
— ادخل.
دخلت.
رفع عينيه من على الأوراق.
ابتسم.
— رجعتي.
— أيوه.
— جاهزة؟
ابتسمت.
— المرة دي أنا اللي قررت أرجع.
قام من مكانه.
لكنه ما قربش.
احترم المسافة اللي بينهم.
قال:
— عايز أسألك سؤال.
— اتفضل.
— بعد كل اللي حصل… لسه واثقة فيا؟
سكتت سلمى.
ثم قالت:
— الثقة مش حاجة بتتقال.
ابتسم.
— صح.
— بتتبني.
هز راسه.
— وأنا مستعد أبنيها معاكي.
بصت له طويلًا.
ثم ابتسمت.
— بس على شرط.
— إيه؟
— عمرك ما تحاول تنقذني من غير ما تسألني الأول.
ضحك لأول مرة من قلبه.
— اتفقنا.
خرجت سلمى من مكتبه.
وفي الممر، توقفت لحظة.
ثلاث سنين كانت بتبص فيها بعيد كل ما عيني رامي تقابل عينيها.
أما الآن…
رفعت رأسها.
وبصت له مباشرة.
ما خافتش.
لأنها أخيرًا فهمت إن النجاة الحقيقية ما كانتش في إن رجل قوي ييجي ياخدها.
كانت في إنها هي اللي تختار تمشي.
وفي اللحظة اللي قالت فيها:
«أرجوك… تعالى خدني.»
ما كانتش بتطلب من رامي ينقذها.
كانت بتطلب فرصة أخيرة…
عشان تنقذ نفسها.
وبالفعل، أنقذت نفسها.
ومن يومها، ما بقتش سلمى المرأة اللي كانت بتخاف من عيني رامي العشري.
بقت المرأة اللي رامي نفسه…
اتعلم يحبها من غير ما يمتلكها.
واللي بدأ بطلب نجدة في ليلة باردة من نوفمبر، انتهى بحياة جديدة اختارتها سلمى بإرادتها.
لأول مرة…
كانت حرة.
«أرجوك… تعالى خدني»
حكايات شروق خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



