
— لأ.
— رامي…
رفع عينه لي.
— مش كمديرك بقولك. كإنسان بقولك خدي يوم.
سكت.
وبعدين سألته:
— ومراد؟
ملامحه اتغيرت.
— اختفى.
قلبي وقع.
— يعني إيه اختفى؟
— تليفونه مقفول. شقته فاضية.
حسيت بالبرد رغم إن الجو كان دافي.
— هو ممكن يعمل حاجة؟
رامي ما جاوبش فورًا.
وبعدين قال:
— عشان كده لازم تعرفي حاجة.
فتح اللابتوب.
حط قدامي مجموعة صور.
صور ليا.
وأنا خارجة من الشركة.
وأنا داخلة المطعم.
وأنا مع زميلاتي.
وأنا في الشارع.
صور كتير.
شهقت.
— دي كلها من إمتى؟
— آخر سبع شهور.
قلبت الصور بإيدي المرتعشة.
— مين صورني؟
— لسه بندور.
رفع عينه لي.
— لكن عندي شك.
— مين؟
قال اسمًا واحدًا.
— حسام.
اتجمدت.
حسام كان مدير العمليات.
الرجل اللي بقاله أكتر من عشر سنين في الشركة.
والرجل اللي كنت دايمًا بعتبره زي العم الكبير.
— حسام؟
رامي هز راسه.
— كان عنده صلاحية يدخل على بيانات الموظفين.
— بس ليه؟
رامي سحب ملف تاني.
— لأن مراد كان بيدفع له.
فتحت عيني.
— بيدفع له مقابل إيه؟
— موقعك.
صوتي خرج مبحوحًا:
— كل ده؟
— مش بس موقعك.
سكت.
وبعدين قال:
— كان بياخد مواعيد اجتماعاتك، أسماء الناس اللي بتقابليهم، ومعلومات عن المشاريع اللي كنتِ شغالة عليها.
حسيت بمعدتي بتتقبض.
— بس أنا مالي بالمشاريع؟
رامي بص لي نظرة طويلة.
— هنا المشكلة.
فتح ملف عقد شركة الدلتا.
نفس العقد اللي كنت براجعه ليلة ما هربت.
— الاختلاف اللي اكتشفتيه؟
هزيت راسي.
— أيوه.
— مش خطأ حسابي.
قرب اللابتوب ناحيتي.
— حد كان بيحوّل ملايين من خلال شركات وهمية.
سكت.
— والشركات دي مرتبطة بشخصيات معينة.
بصيت له.
— مين؟
رامي ما ردش.
فتح صفحة أخيرة.
ظهر اسم واحد.
مراد رينهارت.
وقفت.
— مستحيل.
— كنت عارف إنك هتقولي كده.
— مراد مخرج.
— مراد بيشتغل في إنتاج أفلام.
— أيوه.
— وبيملك شركة إنتاج.
— أيوه.
— الشركة دي عندها حسابات في تلات بنوك.
سكت.
— وكل حساب فيها اتلقى تحويلات من شركات مقاولات مرتبطة بشركة الدلتا.
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
— يعني مراد كان بيسرق من الشركة؟
رامي هز راسه.
— أنا لسه مش عارف الصورة كاملة.
ثم قال:
— لكن واضح إنه كان بيستخدمك.
رفعت عيني له.
— إزاي؟
— لأنه كان عارف إنك هتكتشفي التلاعب.
سكت.
— وكان محتاج يعرف بالضبط إنتِ وصلتي لفين.
افتكرت كل مرة مراد كان بيسألني فيها عن شغلي.
«خلصتي التقرير؟»
«مين ماسك الملف؟»
«إيه اللي اكتشفتيه؟»
كنت فاكرة إنه مجرد فضول.
دلوقتي كل سؤال أخد معنى مختلف.
همست:
— يا نهار أسود…
رامي مد إيده فوق الترابيزة، لكنه وقف قبل ما يلمس إيدي.
— سلمى.
بصيت له.
— إنتِ مش مذنبة.
نزلت دمعة.
— بس أنا ساعدته من غير ما أعرف.
— لا.
صوته كان حاسمًا.
— هو خد ثقتك واستغلها.
سكت لحظة.
ثم أضاف:
— ودي مش جريمة.
قبل ما أقدر أرد، موبايله رن.
بص للشاشة.
ملامحه اتغيرت.
رد:
— أيوه.
استمع ثواني.
وبعدين وقف.
— متأكد؟
سكت.
— ابعت لي المكان فورًا.
قفل المكالمة.
بص لي.
— لقوا عربية مراد.
وقفت.
— فين؟
— قدام مخزن تابع لشركة الدلتا.
اتسعت عيني.
— يعني هو هناك؟
رامي هز راسه.
— مش عارفين.
— وأنا هاجي معاك.
— لأ.
— رامي…
— مستحيل.
— أنا الشخص الوحيد اللي ممكن أعرف هو كان بيدور على إيه.
سكت.
كنت عارفة إنه بيحاول يرفض.
لكن في النهاية قال:
— هتيجي معايا، بس هتفضلي جنبي.
هزيت راسي.
بعد أقل من عشرين دقيقة، كنا واقفين قدام مخزن ضخم في منطقة صناعية.
الشرطة كانت موجودة.
رجال رامي كانوا بيفتشوا المكان.
وأول ما نزلت من العربية، حسيت بحاجة غريبة.
المكان كله كان ساكت.
زيادة عن اللزوم.
رامي وقف جنبي.
— متبعديش.
دخلنا.
المخزن كان شبه فاضي.
صناديق.
أوراق.
أجهزة كمبيوتر.
وفجأة لمحت مكتبًا صغيرًا في آخر المكان.
مشيت ناحيته.
رامي سبقني.
فتح درج.
ولقى ملف.
أخده.
لكن قبل ما يفتحه، لقيت ظرف أبيض على الأرض.
وعليه اسمي.
«سلمى.»
بصيت لرامي.
— ده لي.
قال:
— ما تلمسيهوش.
لكني كنت أعرف خط مراد.
الخط نفسه.
فتح رامي الظرف بحذر.
طلع منه ورقة واحدة.
قرأها.
وملامحه اتجمدت.
— إيه؟
مدها لي.
قرأت:
«لو وصلتِ للورقة دي، يبقى رامي أخيرًا قال لك الحقيقة.
لكن فيه حاجة واحدة هو ما قالهاش.
هو مش بينقذك عشان إنتِ موظفة عنده.
اسأليه ليه كان بيراقبك من أول يوم اشتغلتي في الشركة.
واسأليه عن أبوكي.»
إيدي بدأت ترتعش.
رفعت عيني لرامي.
— أبويا؟
رامي ما ردش.
— رامي… إيه علاقة أبويا بيك؟
لأول مرة منذ قابلته…
شفت الخوف في عينيه.
مش غضب.
مش برود.
خوف.
قال بصوت منخفض:
— أبوكي كان شريكي.
اتجمدت.
— شريكك في إيه؟
سكت طويلًا.
وبعدين قال:
— في أول مشروع عملته قبل ما أبقى رامي العشري اللي الناس تعرفه.
اقترب خطوة.
— ومات قبل ما المشروع ينهار.
نظرت له بعدم تصديق.
— إنت تعرف أبويا؟
هز راسه.
— أكتر مما تتخيلي.
وقبل ما أقدر أسأله، دوّى صوت طلقة من آخر المخزن.
رامي جذبني فورًا خلفه.
والصوت اللي جه بعدها جعل الدم يتجمد في عروقي.
— سلمى!
مراد.
كان واقف في الظلام.
وفي إيده مسدس.
وهو بيبتسم.
— وحشتيني.
حكايات شروق خالد
تجمدت مكاني.
مراد خرج من بين الظلال ببطء، والمسدس ثابت في إيده.
كان شكله مختلف.
وشه شاحب، شعره مبعثر، وعينيه فيها جنون ما شفتوش فيه قبل كده.
قال:
— سلمى… تعالي.
رامي وقف قدامي بالكامل.
— نزل السلاح.
مراد ضحك.
— إنت آخر واحد تتكلم عن الأمان.
رامي ما اتحركش.
— قلت نزل .




