
كانت على بُعد خطوة واحدة من إنها تخرج من المكتب، لحد ما الملياردير وقف بينها وبين الباب. صوت لمبات النيون اللي فوق مكتب سليم المنصوري كان عامل طنين بتردد يوجعني في آخر سناني. كنت قاعدة قدامه، حاطة إيدي فوق بعض في حجري زي تلميذة مدرسة مستنية العقاب، وبفكر إزاي من 3 أسابيع بس كانت أكبر مشاكلي في الحياة عبارة عن ردياتير بايظ وكومة فواتير علاج كنت كل شوية أنقلها من درج للتاني، لأن عدم النظر ليها كان أسهل من الاعتراف إني معنديش أي فكرة هسدّدها إزاي.
قال سليم بصوت هادي:
— إنتِ مش هتخرجي من المكتب ده غير لما تشرحي نفسك.
ودي كانت الحاجة اللي محدش حذرني منها.
كل ما صوت سليم المنصوري كان بيهدى، كان بيبقى أخطر.
— عشان كده أنصحك تبدأي تتكلمي يا جنى.
هو عمره ما ناداني جنى.
ولا مرة واحدة خلال الـ3 أسابيع اللي فاتوا.
وده كان كفاية يخليني أعرف إن الموقف بقى أسوأ مما تخيلت.
من 3 أسابيع، كنت جنى مراد.
عندي 28 سنة.
أم عزباء لبنت عندها 5 سنين اسمها هنا.
كنت بشتغل وردية العشاء في مطعم «كريستوود جريل»، مطعم ستيك غالي في شمال شيكاغو، وكان بييجي له نوعية الناس اللي كنت قبل كده بشوف صورهم بس على أغلفة مجلات رجال الأعمال.
اخترت الشغلانة دي لأن البقشيش كان ممتاز.
واخترتها كمان لأن التأمين الصحي كان هيبدأ بعد 90 يوم، وطبيب صدر الأطفال بتاع هنا مكانش رخيص.
كل ليلة كنت بلبس بنطلون أسود وقميص أبيض، وأبتسم لرجالة لابسين بدل تمنها أكتر من ألف دولار، وأقنع نفسي إن التعب مؤقت.
كنت ببني حاجة لمستقبلنا.
بس لسه ما كنتش عارفة هي إيه بالضبط.
الليلة اللي دخل فيها سليم المنصوري مطعم كريستوود، كنت تقريبًا مش هلاحظ وجوده.
تقريبًا.
المطعم كله هدي بطريقة مالهاش علاقة بالهدوء الطبيعي اللي بيحصل لما الكلام يقل.
كان إحساس أقرب لنَفَس اتحبس فجأة.
كأن كل اللي في المكان رفعوا عينيهم في نفس اللحظة، عرفوا مين دخل، وبعدين تعمدوا يبصوا في أطباقهم.
مديري جلال ظهر جنبي.
جلال عمره ما كان سهل يتوتر.
لكن الليلة دي، العرق كان ظاهر عند منبت شعره.
قال بصوت واطي:
— الترابيزة رقم 9.
وبعدين قرب مني أكتر.
— سليم المنصوري.
بصيت ناحية صالة المطعم.
— هو زبون دائم.
ملامح جلال شدت.
— متبوظيش الليلة دي يا جنى.
كنت عارفة الاسم.
كل شيكاغو كانت عارفاه.
مجموعة المنصوري كانت أكبر شركة مقاولات وتطوير عقاري مملوكة لعائلة واحدة في منطقة الغرب الأوسط.
دي كانت النسخة الرسمية.
النسخة اللي بتتنشر في مجلات الاقتصاد والصحف.
لكن النسخة التانية، اللي الناس بتتكلم عنها بهدوء فوق المشروبات، كانت أعقد بكتير.
عيلة المنصوري بنت أجزاء كبيرة من بنية شيكاغو التحتية على مدار 3 أجيال.
ومش كل أعمال البناء دي، حسب اللي بيتقال، اتعملت بإيدين نظيفة تمامًا.
ولا حكاية من الحكايات دي كانت مستعدة للي حصل لما قربت من الترابيزة رقم 9.
كان سليم قاعد لوحده.
اتنين من رجالته لابسين بدل غامقة واقفين قريب من البار، وسكونهم كان واضح جدًا إنه سكون ناس متدفع لهم فلوس عشان يراقبوا كل حاجة.
أما سليم نفسه، فكان أكتر راجل لافت للنظر شوفته في حياتي.
مش وسيم بالمعنى التقليدي بتاع نجوم السينما.
كان ملفت.
فك حاد.
شعر بني غامق فيه خصل فضية خفيفة، مصفف لورا.
وعيون رمادية كأنها بتسجل كل تفصيلة قدامها بتركيز كنت حاساه حتى وأنا على بعد أمتار منه.
كان لابس بدلة رمادي غامق غالبًا تمنها أكتر من تمن عربيتي.
لما رفع عينه وبص لي، ملامحه ما كشفتش أي حاجة.
قلت:
— مساء الخير.
وصوتي ما اتهزش.
وكنت فخورة بده.
— أهلًا بحضرتك في كريستوود. تحب أبدأ لك بحاجة تشربها؟
فضل سليم يدرسني للحظة.
مش بطريقة قليلة الذوق.
أقرب لطريقة راجل بيقيّم حاجة قدامه.
— مية.
صوته كان واطي.
— وأي حاجة الشيف بيعتبرها الطبق المميز النهارده.
— الريب آي المعتّق.
هزيت راسي.
— بيقدمه مع زبدة بالكمأة السوداء.
وبعدين أضفت:
— ممتازة جدًا.
حاجة صغيرة اتحركت في ملامحه.
مش ابتسامة بالضبط.
قال:
— جربتيها؟
— جلال بيسمح لنا ندوق الأطباق يوم الأحد عشان نعرف نوصفها للزبائن بشكل صحيح.
رفعت كتفي قليلًا.
— إجراء عملي.
فضل باصص لي لحظة تانية.
— اسمك إيه؟
شورت على بطاقة الاسم اللي على قميصي.
عينه نزلت للحظة.
— جنى.
الطريقة اللي نطق بيها اسمي كانت قصيرة وحاسمة، كأنه أخد قرار.
شعر دراعاتي وقف.
قلت:
— حاضر.
رجعت لمحطة الخدمة وأنا بحاول أقنع نفسي إن اللحظة دي ما كانش ليها أي معنى.
راجل غني طلب عشا.
وخلاص.
سليم فضل في المطعم لحد وقت الإغلاق.
كل مرة كنت بقرب من ترابيزته، كان بيوقف أي حاجة تانية بيعملها.
رجالة لابسين جزم غالية كانوا بييجوا ويمشوا طول السهرة، ويتكلموا معاه بصوت واطي ومستعجل.
وسليم كان دايمًا بيوقف كلامهم لما أرجع للترابيزة.
وكان بيراقبني بعينيه الرماديين بطريقة حسستني إن الموضوع مش مجرد إعجاب.
كان بيدرسني.
البقشيش كان مبالغ فيه.
400 دولار على فاتورة قيمتها 300 دولار.
جريت فعلًا وراه لحد موقف العربيات، لأني افتكرت إن فيه غلطة.
السواق بص لي كأني أنا اللي مش فاهمة.
— السيد سليم مش بيغلط.
فتح باب العربية.
— تصبحِي على خير.
وقفت في البرد وأنا ماسكة الـ400 دولار في إيدي.
حاجة اتغيرت.
بس ما كنتش قادرة أحدد إيه.
تاني يوم الصبح، الزهور وصلت.
فاوانيا بيضا.
مش ورد.
فاوانيا.
ورد هنا المفضل.
أنا عمري ما قلت لحد في المطعم إنها بتحبها.
الزهور غطت تقريبًا رخامة المطبخ كلها في شقتي في حي القرية الأوكرانية.
مفيش كارت.
ومكنتش محتاجة كارت.
تاني يوم، بيانو وصل.
ولازم أوضح قد إيه الموضوع كان غريب.
شقتنا مساحتها حوالي 900 قدم مربع في الدور التاني من عمارة من غير أسانسير.
رجالة التوصيل دخلوا بيانو ياماها خشب ماهوجني لامع.
احتاجوا 3 رجالة وحوالي 20 دقيقة عشان يعدّوه من الباب.
حاولت أرفض استلامه.
وروني إيصال موقع، وبصوا لبعض وهزوا كتافهم بالطريقة الجماعية لرجالة متدفع لهم كويس جدًا عشان ما يتدخلواش في أي مشكلة مش تخصهم.
هنا ضغطت على كل مفاتيح البيانو من أوله لآخره 3 مرات قبل ما أقرر أصلًا المفروض أعمل إيه.
وبعدها الهدايا بدأت تزيد.
كتب لهنا.
نفس الكتب الموجودة بالضبط في قائمة القراءة بتاعة مدرستها، وهي معلومة أنا كمان ما قلتهاش لأي حد.
اشتراك في خدمة توصيل بقالة.
وبعدين جلال بعت لي رسالة بيقول فيها إن السيد سليم طلب بنفسه إن قسم الترابيزات بتاعي يفضل محجوز له كل أربعاء.
كان المفروض أستقيل.
كنت عارفة ده.
مرتين وقفت في مطبخي بعد نص الليل، بعد ما هنا نامت، وبفكر بجدية إني أسيب الشغل.
عديت في دماغي كل الأسباب اللي تخليني أبعد.
وبعدين افتكرت رصيد حسابي.
مصاريف دكاترة هنا.
الردياتير اللي لسه مش شغال.
والخميس اللي بعده، رجعت لمطعم كريستوود وابتسمت وأنا بقرب من الترابيزة رقم 9.
بعدها سليم بقى ييجي مرتين في الأسبوع.
نادراً ما كان بيتكلم أكتر من إنه يطلب أكله.
لكن كان بيراقبني طول الوقت.
والغريب إن ده ما كانش بيخوفني.
بالعكس.
حسب سمعته، كل حاجة تخص سليم المنصوري كان المفروض تخوفني.
لكن اهتمامه كان حاساه كأنه العكس تمامًا.
كأن وسط زحمة ناس كتير، أنا الوحيدة اللي فيه شخص شايفني فعلًا.
كنت بقنع نفسي إني بفهم اهتمام راجل غني مؤقتًا على إنه حاجة أعمق.
كنت بقنع نفسي بحاجات كتير.
الليلة اللي كل شيء اتغير فيها، كنت عايشة على حوالي 4 ساعات نوم.
هنا قضت نص الليل بتكح.
وفي الآخر طلع الموضوع مش خطير، لكن ده عمره ما بيمنع أم من إنها تتخيل أسوأ الاحتمالات قبل ما الدكتور يطمنها.
كنت بملأ كوباية المية بتاعة سليم لما أطراف رؤيتي بدأت تزوغ.
حطيت إيدي على الترابيزة عشان أوازن نفسي.
إيده غطت إيدي قبل ما أفهم إيه اللي حصل.
قال:
— آخر مرة نمتي فيها كانت إمتى؟
سؤاله كان مباشر.
مش قاسي.
سليم كان عنده طريقة في السؤال تخليك تحس إنه بيفتح باب هو أصلًا قرر إنه هيفتحه.
قلت:
— أنا كويسة.
إيده فضلت فوق إيدي.
— ليلة طويلة مع بنتي.
سليم وقف.
مجرد إنه وقف وسط خدمة العشاء.
حط فلوس على الترابيزة.
وبعدين بص ناحية جلال.
— جلال، هي خلصت شغل النهارده.
جلال رد قبل ما مخه نفسه يستوعب اللي بيحصل:
— طبعًا.
بصيت لسليم.
— عندي وردية.
مشى لمحطة الخدمة وأخذ مريلة الشغل بتاعتي بكل بساطة، وكأنه بيعمل حاجة عملها مئات المرات.
كان المفروض أرفض.
كل غريزة عاقلة جوايا كانت بتقول لي أرفض.
لكنني كنت منهكة.
وسليم كان واقف قدامي بعينيه الرماديين وثقة مطلقة.
ما قلتش حاجة.
عربيته كانت مستنياني بره.
إس يو في سوداء بزجاج غامق.
كان المفروض تخوفني.
لكن بطريقة ما، ما خفتش.
مَشينا في شوارع شيكاغو في صمت ما كانش مزعج.
والحقيقة إن ده لوحده كان مقلق.
لما العربية وقفت قدام العمارة بتاعتي في حي القرية الأوكرانية، جزء من التوتر اللي كان في كتافي اختفى.
وبعدين شفت الراجل اللي واقف مستني عند السلم.
محمود.
والد هنا.
أنا ومحمود كنا مع بعض سنتين.
انفصلنا لما هنا كان عندها 6 شهور.
خلال التلات سنين ونص اللي بعدهم، وجوده في حياة هنا كان بيتأرجح بين الغياب والإزعاج.
كان عنده مشكلة قمار، ساعات يعترف بيها، وغالبًا ينكرها.
مؤخرًا، طريقته في المشاركة في تربية بنته كانت إنه يظهر لما يحتاج فلوس، ويختفي أول ما أتكلم عن نفقة الطفلة.
سليم بقى ثابت تمامًا جنبي.
قال:
— إنتِ تعرفيه.
— ده والد هنا.
محمود لاحظ الإس يو في.
اعتدل في وقفته.
ملامحه اتغيرت للتعبير اللي كان بيستخدمه لما يحتاج يعيد حساباته بسرعة.
بص لسليم، وبعدين لي.
لكن سليم ما ادّاهوش فرصة يتكلم.
قال بهدوء:
— هو هنا عشان الفلوس؟
محمود فتح بقه عشان يرد، لكن سليم اكتفى بنظرة واحدة.
وفجأة، الراجل اللي كان طول الوقت بيطالبني بفلوس، اختفى من عينيه كل شيء إلا الخوف.
محمود بلع ريقه.
— أنا… أنا كنت جاي أشوف بنتي.
سليم ما ردش.
بس أشار للسواق.
بعدها بدقائق، محمود ركب عربيته ومشي.
ولا مرة بص وراه.
سليم فتح باب عربيتي.
— مش هيكون مشكلة تاني.
وقفت قدامه مش عارفة أقول إيه.
ولأول مرة، فهمت إن الراجل اللي كنت فاكرة إن اهتمامه بيا مجرد نزوة، كان بيتدخل في حياتي بطريقة أكبر بكتير مما كنت متخيلة.
دخل سليم معايا لحد باب الشقة.
وبص للحياة اللي عايشاها.
الكنبة القديمة.
رسومات هنا الملزوقة على التلاجة.
البيانو اللامع الجميل، اللي كان شكله غريب جدًا وسط شقتنا المتواضعة.
هنا كانت نايمة على الكنبة، وحاضنة الأرنب القماشي بتاعها لصدرها.
ومدام كوثر من الشقة 3B كانت قاعدة جنبها ونامت وهي مستنياها.
سليم فضل واقف عند الباب.
وبص لي بنظرة غريبة.
نظرة خلتني أحس إن كل حاجة بدأت من أول لحظة دخل فيها مطعم كريستوود، وإن اللي جاي هيكون أخطر بكتير من مجرد زبون غني قرر يسيب بقشيش كبير.
حكايات شروق خالد
سليم فضل واقف عند باب الشقة، وعينه بتتنقل بين تفاصيل المكان كأنه بيحاول يفهمني من غير ما يسأل.
أنا اللي كسرت الصمت.
— تحب تدخل؟
بص لي.
— لا.
وبعدين أضاف بهدوء:
— إنتِ محتاجة ترتاحي.
حاولت أضحك.
— أنا بشتغل عشان أعيش، مش عشان أرتاح.
ملامحه اتشدت.
— وده بالضبط اللي مش عاجبني.
رفعت حاجبي.
— إيه اللي مش عاجبك؟
بص على هنا النائمة.
— إنك بتتصرفي كأنك لو وقفتي يوم واحد، الدنيا هتقع.
ضحكت بسخرية.
— يمكن فعلًا تقع.
— لا.
قالها بثقة غريبة.
— الدنيا مش هتقع. بس إنتِ ممكن تقعي.
قبل ما أرد، مد إيده وحط ظرف أسود صغير على الترابيزة.
بصيت له.
— إيه ده؟
— افتحيه لما أمشي.
— سليم…
قاطعني.
— مش فلوس.
سكت.
دي كانت أول مرة أحس إن صوته فيه حاجة مختلفة.
مش أمر.
مش تهديد.
قلق.
قال:
— تصبحِي على خير يا جنى.
ومشي.
قفلت الباب وفضلت مسنودة عليه ثواني.
كنت بسمع خطواته بتنزل السلم.
وبعدين بصيت للظرف.
فتحته.
جواه ورقة واحدة.
عنوان مكتوب بخط واضح.
وتحته جملة:
“لو حصل أي حاجة تخص محمود، اتصلي بالرقم الموجود هنا. في أي وقت.”
رقم واحد.




