
في الساعة 2:13 بعد منتصف الليل، فتحت سلمى عبدالرحمن باب، لتجد رجل في القاهرة واقفًا أمامها، والدم ينزف من جنبه.
وفي إيده التانية كان ماسك بطاقة المستشفى اللي حياتها من 3 سنين.
نسيت سلمى المسدس المخبّي تحت معطفه.
ونسيت المطر اللي كان بينزل من شعره الأسود.
وحتى نسيت إن يوسف المنصوري كان مسيطر على جزء كبير من الميناء من خلال شركات محترمة، الناس بتتظاهر إنها مش عارفة حقيقة شغلها.
كل اللي قدرت تشوفه كان الكارت البلاستيك الباهت اللي بين صوابعه.
صورتها.
اسمها.
المستشفى القديم اللي كانت بتشتغل فيه.
البطاقة اختفت في الليلة اللي مات فيها مريض عنده 26 سنة تحت رعايتها.
بعدها تحقيق المستشفى ادعى إن حد استخدم البطاقة دي علشان يدخل غرفة الأدوية الممنوعة بعد انتهاء وردية سلمى.
سلمى أقسمت إنها كانت روحت بيتها بالفعل.
لكن المستشفى صدّق جهاز الكمبيوتر.
مش هي.
خسرت شغلها كممرضة.
وخسرت أصحابها اللي فجأة بقوا ما بيردوش على مكالماتها.
وقضت شهور بتسأل نفسها إذا كانت عملت غلطة بشعة لدرجة إن عقلها نفسه محاها من ذاكرتها.
وفي النهاية، بطلت تحارب.
وفتحت محل ورد.
ودلوقتي، بعد 3 سنين، بطاقة هويتها القديمة اللي اختفت كانت في إيد زعيم مصاب واقف قدام باب شقتها.
“إنت جبت دي منين؟” سألت سلمى.
رفع يوسف راسه ببطء.
عينيه الرماديين كانوا زائغين.
“دخليني.”
“جاوبني الأول.”
ركبته خانته فجأة.
سلمى لحقته قبل ما راسه تخبط في إطار الباب.
يوسف كان طويل بشكل مخيف، حوالي متر وتسعين، وجسمه ضخم كأنه عمره ما سمع عن حاجة اسمها تمرين خفيف.
أما سلمى، فكانت ممتلئة الجسم، عريضة الكتفين، قوية الذراعين، ومتعودة جدًا على الناس اللي بتفترض إن شكلها الهادي معناه إنها ضعيفة.
لفت دراعها تحت كتفه.
“إنت تقيل بشكل مستفز.”
طلع من يوسف صوت مكسور.
وسلمى اكتشفت إنه كان بيضحك.
“مبسوط؟”
“وحشتني طريقتك في التعامل مع المرضى.”
“كان لازم تاني علشان تسمعها.”
سحبته سلمى لجوه.
الجرح كان شكله مخيف، لكنه مش قاتل في اللحظة دي.
الرصاصة كانت شقت جنبه الشمال من غير ما تدخل بعمق.
لكن اللي أقلق سلمى كان كل حاجة تانية.
إيده المرتعشة.
اللون المريض تحت جلده.
الخطوط الفاتحة الغريبة اللي ظهرت على أظافره.
وطريقة تعبه اللي كانت أكبر بكتير من مجرد فقدان دم.
حطت سلمى صباعين على رسغه.
“بقالك قد إيه بتجيلك صداع؟”
نظرة يوسف بقت حادة.
“ليه؟”
“جاوب.”
“شهور.”
“تنميل؟”
اتردد.
“في رجلي.”
“غثيان؟”
“معظم الصبح.”
بصت له سلمى.
فجأة بقت أقل أهمية.
“حد ما حاولش يقتلك الليلة دي بس.”
يوسف ما ردش.
معدتها اتقبضت.
“حد .”
ولأول مرة من وقت ما عرفته، شافت سلمى يوسف المنصوري مرتاح.
مش لأنه سمع خبر كويس.
لكن لأن أخيرًا حد صدقه.
مد إيده ناحية الترابيزة وزق بطاقة سلمى القديمة أقرب لها.
“لقيت دي الليلة.”
“فين؟”
“في خزنة جلال مراد.”
سلمى كانت عارفة الاسم.
جلال مراد اتربى مع يوسف.
والناس كانت بتعتبره أخوه رغم إنهم مش إخوات بالدم.
كان واقف جنب يوسف تقريبًا عشرين سنة.
بصت سلمى للبطاقة.
“ليه أقرب صاحب ليك يكون عنده بطاقة المستشفى بتاعتي؟”
“كنت أتمنى أعرف منك.”
“أنا ماشوفتهاش من 3 سنين.”
“في أكتر.”
طلع يوسف صورة مطوية من جوه معطفه الممزق.
فتحتها سلمى.
كانت صورة قديمة من كاميرات المراقبة في مستشفى القصر العيني.
طرقة في المستشفى.
الساعة 11:47 بالليل.
نفس الليلة اللي مات فيها مريض سلمى.
كان فيه رجل واقف في آخر الطرقة.
وشه مش واضح.
لكن سلمى عرفت المكان فورًا.
الغرفة اللي ورا الباب ده كانت فيها السجلات الطبية المقفولة.
إيديها بدأت تبرد.
“مين ده؟”
“معرفش.”
“العفو.”
وبعد 5 دقايق، اتستخدمت البطاقة مرة تانية.
“دي بتاعتك؟”
جلال اتجمد.
“ملفات ياسين؟”
“كلها.”
وشه كان جامد بشكل مخيف.
خلفه جلال ورجلين مسلحين.
سامح رجع خطوة.
“يوسف!”
يوسف ما بصش له.
راح ناحية سلمى وفتح الأصفاد.
“إنتِ كويسة؟”
سلمى هزت راسها.
“أيوه.”
“حد لمسِك؟”
“لأ.”
يوسف وقف قدامها.
وبعدين لف ناحية سامح.
“إنت اللي كنت قاعد معايا لما اكتشفت اسمك.”
سامح حاول يضحك.
“مش فاهم.”
يوسف طلع موبايله.
فتح تسجيل.
صوت سامح كان واضحًا.
“لو حصل أي شيء لسلمى، خليها هي المتهمة.”
سلمى شهقت.
سامح اندفع ناحية الباب.
جلال أمسكه.
“مش هتروح في حتة.”
يوسف قرب منه.
“ليه؟”
سامح سكت.
“ليه قتلت دانيال؟”
صمت.
“ليه ياسين؟”
سامح رفع عينيه.
يوسف كمل:
“وليه سممتني؟”
سامح ابتسم.
ابتسامة باردة.
“لأنك كنت لازم تموت.”
يوسف ما رمش.
“ليه؟”
“لأن ياسين عرف.”
جلال شد قبضته.
سامح تابع:
“دانيال اكتشف التحويلات. ياسين اكتشف إن المستشفى كانت بتغطي على عمليات غسيل أموال.”
بص لسلمى.
“وإنتِ كنتِ الشاهدة الوحيدة اللي شافت دانيال قبل موته.”
سلمى همست:
“أنا؟”
“أيوه.”
“أنا ما شفتش حاجة.”
سامح ابتسم.
“لأنهم مسحوا ذاكرتك.”
سلمى اتجمدت.
يوسف بص له بحدة.
“إيه اللي بتقوله؟”
“الدكتور اللي كان مسؤول عن علاج دانيال كان شريكنا.”
سلمى بدأت تفتكر.
ريحة مطهر.
إبرة.
غرفة مظلمة.
صوت رجل بيقول:
“نامي… وبكرة مش هتفتكري حاجة.”
حطت إيدها على رأسها.
“لأ…”
يوسف مسك كتفها.
“سلمى.”
“أنا فاكرة.”
سامح اتراجع.
سلمى رفعت عينيها.
“أنا شفت مين دخل غرفة دانيال.”
يوسف قرب.
“مين؟”
دموع سلمى نزلت.
“سامح.”
ساد الصمت.
سامح حاول يهرب.
لكن جلال على الأرض.
وفي اللحظة دي، فهم يوسف الحقيقة كاملة.
سلمى ما كانتش سبب موت دانيال.
كانت الشاهدة.
وياسين عرف الحقيقة.
وعشان كده مات.
لكن كان فيه سؤال واحد لسه بلا إجابة.
مين الشخص اللي ساعد سامح؟
يوسف بص ناحية جلال.
جلال كان واقف ساكت.
وبعدين قال:
“فيه اسم واحد لسه ما فتحناش ملفه.”
“مين؟”
جلال بلع ريقه.
“الرائد شريف حمدان.”
يوسف رفع عينيه.
وسلمى همست:
“الضابط اللي قبض عليا.”
جلال هز رأسه.
“والضابط اللي وصل للمحل بعد ست دقايق بالظبط.”
يوسف ابتسم ابتسامة مرعبة.
“يبقى اللعبة لسه مابدأتش.”
أما سامح…
فكان بيضحك.
ولما يوسف بص له، قال بهدوء:
“متفرحش يا يوسف.”
“ليه؟”
سامح رفع رأسه.
“لأن شريف مش أخطر واحد.”
سكت لحظة.
“أخطر واحد… موجود في بيتك.”
انطفأت ابتسامة يوسف.
وسلمى شعرت بقلبها يهبط.
لأنها كانت تعرف إن يوسف المنصوري لا يعيش وحده.
كان فيه شخص واحد فقط يقدر يدخل بيته، يلمس أكله، ويقترب منه من غير ما يشك فيه.
أخته الصغيرة.
حكايات شروق خالد
يوسف ما اتحركش.
حتى جلال، اللي كان طول عمره شايف قدامه وما بيرمش، وقف ساكت.
سامح كان بيبتسم وهو ممدد على الأرض، وإيده متكتفة خلف ظهره.
يوسف قرب منه خطوة.
“أختي؟”
سامح ضحك.
“أنا ما قلتش اسم.”
“بس قصدك واضح.”
“لو كنت واثق منها، ما كنتش سألت.”
يوسف مسكه من ياقة قميصه ورفعه بعنف.
“اتكلم.”
سامح ابتسم رغم الألم.
“إنت طول عمرك عندك مشكلة واحدة يا يوسف.”
“إيه؟”
“بتثق في اللي بتحبهم.”
يوسف ضربه في بطنه.
“واللي ما بحبهمش بقتلهم.”
“وعشان كده…”
سامح كح.
“…إنت لسه عايش.”
سلمى كانت واقفة في الخلف، بتحاول تستوعب كل اللي حصل.
لكن جملة واحدة فضلت بتتردد في دماغها.
أخطر واحد موجود في بيتك.
يوسف أخد موبايله.
اتصل.
محدش رد.
اتصل مرة تانية.
ولا رد.
وشه اتغير.
“جلال.”
“أيوه.”
“اتصل بالبيت.”
جلال نفذ فورًا.
بعد ثواني، قال:
“مفيش رد.”
يوسف أخذ مفاتيحه.
“نروح.”
سلمى مسكت دراعه.
“استنى.”
بص لها.
“إنت لسه .”
“أختي ممكن تكون في .”
“أو ممكن تكون هي .”
يوسف سكت.
سلمى قربت منه.
“لو كانت بريئة، هنعرف.”
“ولو مش بريئة؟”
“هنعرف برضه.”
جلال تدخل:
“أنا هروح الأول.”
يوسف هز رأسه.
“لأ. كلنا.”
—
البيت كان هادي بشكل مخيف.
الباب الخارجي مفتوح.
الحراس مش موجودين.
أول ما دخل يوسف، شم ريحة قهوة.
وقف.
سلمى لاحظت.
“إيه؟”
“نفس ريحة القهوة اللي كانت عندي في المكتب.”
جلال قرب من الكوباية الموجودة على الطاولة.
“محدش يشرب.”
يوسف بص له.
“أنا ماكنتش بشربها.”
“إيه؟”
“كنت بشرب القهوة من المطبخ.”
جلال سكت.
سلمى قربت من الكوباية.
شمتها.
“فيها ريحة مُرّة.”
يوسف بص لها.
“زرنيخ؟”
“مش هقدر أحدد كده.”
فجأة سمعوا صوتًا من الدور العلوي.
خطوات.
يوسف طلع سلاحه.
جلال كذلك.
سلمى فضلت في الخلف.
طلعوا السلم ببطء.
باب غرفة يوسف كان مفتوحًا.
الغرفة فاضية.
لكن على السرير كان فيه ظرف أبيض.
يوسف أخده.
جواه صورة.
صورة قديمة لياسين.
وخلفها جملة مكتوبة بخط اليد:
“كان عارف الحقيقة، وسكت.”
يوسف ضغط على الصورة.
“مين كتب دي؟”
سلمى قربت.
بصت للخط.
وبعدين شهقت.
“أنا أعرفه.”
يوسف التفت لها.
“مين؟”
“الدكتور اللي كان بيعالج دانيال.”
جلال قال:
“الدكتور نادر؟”
سلمى هزت رأسها.
“أيوه.”
يوسف بص للصورة.
“الدكتور نادر مات من سنتين.”
“لا.”
سلمى هزت رأسها.
“أنا شفته بعد موت دانيال.”
الصمت نزل عليهم.
“فين؟”
“في المستشفى.”
يوسف قرب منها.
“إنتِ متأكدة؟”
“متأكدة.”
“يبقى كان كذبة.”
جلال فتح اللابتوب الموجود على المكتب.
“استنوا.”
ضغط على ملف قديم.
ظهر سجل دخول المستشفى.
اسم الدكتور نادر ظهر لأول مرة بعد تاريخ وفاته بثلاثة شهور.
سلمى قربت من الشاشة.
“مستحيل.”
جلال قال:
“مش مستحيل.”
يوسف بص له.
“حد كان بيستخدم هويته.”
جلال هز رأسه.
“أو…”
سكت.
“أو إيه؟”
“الدكتور نادر ما ماتش.”
وفجأة انطفأت الكهرباء.
سلمى شهقت.
يوسف مسك إيدها.
“ماتتحركيش.”
سمعوا صوت باب بيتقفل تحتهم.
جلال نزل بسرعة.
بعد ثواني، صوت ارتطام قوي.
يوسف دفع سلمى داخل الغرفة.
“اقفلي الباب.”
“وإنت؟”
“هجيب جلال.”
“يوسف!”
لكنه كان خرج بالفعل.
سلمى قفلت الباب.
وقلبها كان بيخبط بعنف.
بعد أقل من دقيقة، سمعت صوت مفتاح في القفل.
تراجعت.
الباب اتفتح ببطء.
دخلت فتاة.
شعرها طويل.
ملامحها شاحبة.
وفي إيدها مسدس.
سلمى اتجمدت.
“إنتِ مين؟”
الفتاة رفعت المسدس.
وبعدين قالت بصوت مكسور:
“أنا مريم.”
أخت يوسف.
“يوسف فين؟”
مريم بدأت تبكي.
“أخويا في خطر.”
سلمى قربت منها بحذر.
“إنتِ اللي بتسمميه؟”
مريم هزت رأسها بسرعة.
“لأ.”
“سامح قال إن أخطر واحد في البيت…”
“سامح كذاب.”
“طب مين؟”
مريم مسحت دموعها.
“أنا كنت بحاول أحميه.”
“من مين؟”
مريم بصت ناحية الباب.
“من الدكتور نادر.”
سلمى شعرت بقشعريرة.
“هو عايش؟”
مريم هزت رأسها.
“وأنا شفته.”
قبل ما تكمل، انفتح باب الغرفة بعنف.
يوسف دخل.
كان فيه دم على قميصه.
سلمى اندفعت نحوه.
“إنت كويس؟”
“أنا آه.”
بص لمريم.
“إنتِ كنتِ فين؟”
مريم رفعت المسدس.
“كنت بدور على دليل.”
يوسف قرب منها.
“أي دليل؟”
مريم أخرجت فلاشة صغيرة.
“دي كانت مع ياسين.”
يوسف تجمد.
“إنتِ كنتِ عارفة إنها موجودة؟”
“من يوم موته.”
“وليه ماقولتيليش؟”
مريم بكت.
“لأن ياسين قال لي ما أثقش فيك.”
يوسف أغمض عينيه.
نفس الجملة.
مرة تانية.
وبعدين مريم قالت:
“بس ياسين كان غلطان.”
يوسف فتح عينيه.
“ليه؟”
مريم نظرت إلى سلمى.
“لأن الشخص اللي كان بيخليه يشك فيك…”
صمتت.
“كان أبوه.”
يوسف اتجمد.
“أبويا مات من عشر سنين.”
مريم هزت رأسها.
“أبوك مات رسميًا.”
ثم أضافت:
“لكن في السجلات السرية، كان لسه بيستلم فلوس من المستشفى بعد موته.”
سلمى حست إن القضية كلها اتقلبت.
يوسف أخذ الفلاشة.
“هنفتحها دلوقتي.”
مريم أمسكت ذراعه.
“لأ.”
“ليه؟”
“لأن آخر شخص فتحها…”
نظرت إلى سلمى.
”




