
الخادمة اللي كشفت سر المعلم.. فصار قدرها مرتبط بيه للأبد
أتوبيس خط الصعيد ووسط البلد تحرك من الموقف الساعة 6:43 الصبح، وأنا كنت قاعدة في كرسي الشباك من 6:30. قورتي كانت ساندة على أزاز الشباك الساقع، وملايتي التقيلة ملفوفة ومزمومة على صدري. المدينة كانت لسه صاحية بالعافية، بالكسل والمغسلة بتاعة الناس اللي طالع عينها في الشغل من إمبارح.
الشوارع كان فيها جو الشتا بتاع الصبح بدري، مليانة شبورة وضباب مستخبي بين العمارات. كنت حافظة كل ناصية، كل عامود نور لمبته محروقة، وكل كلب بيعوي في المجهول لما الأتوبيس يعدي بصوته العالي على الإسفلت المبلول. بقالي على الحال ده جيل كامل تقريباً بنفس الخط كل يوم، ولسه بتفرج على السكة وكأنه أول يوم.. يمكن عشان الفرجة برة كانت أرحم بكتير من الفرجة على اللي جوة.
قبل ما أنزل، طلعت على ملاص بأصابع إيدي لأوضة أمي، وقفت دقيقة على الباب. كانت بتتأوه وبتتنفس ببطء وصعوبة بالغة، نفس المجهود اللي بقى عادي وحالها اليومين اللي فاتوا. لمبة السهاري كانت قايدة عشان من يوم ما تعبت وهي بتخاف من الضلمة. الأوضة كانت ريحتها كلها أدوية، وريحة اللافندر الرخيص بتاع المعطر اللي بجيبه من الدكان تحت العمارة عشان كان هو الريحة الوحيدة اللي لسه بتلقطها.
حطيت علبة الدواء الصغيرة على الكومودينو، سويتها بالضبط مع الطرف، وسيبت ورقة صغيرة بخط ثابت على قد ما قدرت: “رجعة يوم الأحد بالليل يا أمي، فيه شوربة في الثلاجة”. فتحت عينها لثانية، ابتسمت بتعب وقالتلي “ربنا يرضى عليكِ يا بنتي” وغطت في النوم تاني. بوست قورتها، حسيت بسخونية جلدها الناشف، ومشيت. ده الشغل اللي شقيانة عشانه.
ثمن الدواء ده ما كانش يدخل جيب أي بني آدم شريف وبيتقي ربنا في منطقتنا، بس مرتب فيللا “عائلة العطار” كان بيكفي ويزيد. كانت الحسبة بسيطة بالمنظر ده. كل ما أحس إني خلاص مش قادرة وشايشة، أفتكر اسم الدواء المكتوب في الروشتة وأقف على حيلي تاني. الفيللا كانت واخدة حتة رايقة وهادية في الزمالك، منطقة من المظيفة اللي شجرها عتيق وشوارعها ما فيهاش حفرة واحدة.
نزلت من الأتوبيس وكانت برودة الهوا بتلطش في وشي، مشيت بخطوات هادية ناحية القصر الكبيرة اللي كانت مبنية وكأنها محطوطة عشان تعزل كل اللي جوة عن العالم الخارجي. البوابة الحديد السوداء الفخمة اتفتحت من غير صوت، والدخول للمكان ده كان دايماً معناه بالنسبة لي قاعدة واحدة بسيطة: أكون ملحوظة لما يطلبوني، وشبح مالوش وجود في باقي الأوقات.
القصر كعادته كان فيه هدوء يرعب، الهدوء اللي بيسبق العاصفة دايماً في عالم “سليم العطار”. الراجل اللي تترعش لوقوفه الأسواق والشوارع، واللي تتروى عنه أساطير في القسوة والسيطرة. بالنسبة لي، كان مجرد الظل القاسي اللي لازم أتحاشاه، وسيد البيت اللي بيضمن مرتب أمي وعلاجها.
لبست جلابية الخدم، وبدأت شغلي المعتاد في تنظيف الممرات وتلميع الخشب الأرو التقيل. الساعة كانت عدت 11 بالليل، وأغلب الخدم كانوا نزلوا لأوضهم تحت. سكون الفيللا في الوقت ده كان غريب، بس كان فرصتي أخلص اللي ورايا بوهدة.
شلت صينية المشروبات والملفات اللي طلبتها إدارة المكتبة، وطلعت للجناح الخاص في الدور الثاني. كان المفروض المكتب فاضي، عشان سليم متعود يخرج من الفيللا بدري يخلص شغله برة.
قربت من الباب الخشبي الكبير. الباب كان موارب حركة سنتيمترات، وضوء خافت طالع منه يكسر ضلمة الممر.
رفعت إيدي عشان أخبط، بس الحركة تجمدت في عروقي.
ما سمعتش صوت ورق ولا خطوات، سمعت تنهيدة مكتومة، ونفس مضطرب وطالع بالعافية من عمق الأوضة.
بدفعة غريزية ما قدرتش أسيطر عليها، تحركت خطوة لقدام وبصيت من الفتحة.
كان سليم هناك.
الراجل اللي بيترعب منه الكبير قبل الصغير، القاسي اللي ما بتهزش له رمش، كان قاعد ورا مكتبه العريض، فاكك زراير قميصه الأبيض العلوية، ورأسه مائل لورا وعينيه مقفولة جامد. كان في لحظة ضعف خاصة جداً ومكتومة، تنفسه سريع ومجهد، وإبهامه ضاغط بقوة على دماغه وجسمه مشدود زي الوتر اللي هينقطع. ما كانش باين الزعيم ولا الكبير.. كان راجل بيصارع وجع أو حاجة فوق طاقته في خلوته.
عينيا اتسعت، ودمي اتجمد. كان المفروض أرجع بضهري وأجري في الممر وأعمل نفسي ما شفتش حاجة. كشف سر راجل بالنفوذ ده في لحظة ضعفه ممكن يكلفني حياتي.
بس رجلي ما اتحركتش.
في اللحظة دي، سليم فتح عينيه فجأة.
عينيه كانت حادة زي السكينة، وفي النور الخافت، عينه جت في عيني مباشرة من فتحة الباب.
جسمه اتنفض، وفي أقل من ثانية، ساد السكوت التام في الأوضة. ملامح الضعف اختفت وحل مكانها غضب خطير وبارد.
استدار بنظرة جمدت المية في جلكي، وقال بصوت واطي زي الرعد: “بتعملي إيه هنا؟”
بلعت ريقي بصعوبة، وكان قدامي طريقين: يا إما أجري وأخاف، يا إما أواجه.
فتحت الباب بالراحة، وخدت خطوة لجوة. خدت نفس عميق، ولأول مرة في حياتي، ما وطيتش راسي قدامه.
قلت بصوت ثابت رغم الرعشة اللي في زوري: “آسفة يا باشا.. كنت جايبة الورق، بس شفت حضرتك متضايق وتعبان.. ممكن أساعدك بأي حاجة؟”
سليم اتجمد في مكانه، ووشه باين عليه الذهول من جرأتي. ما فيش مخلوق في الفيللا دي اتجرأ يتكلم معاه بالطريقة دي أو يعرض عليه مساعدة في لحظة ضعفه.




