
— أرجوك… تعالى خدني.
وجالي رده من غير أي تردد:
— أنا جاي.
حكايات شروق خالد
وصل رامي خلال سبع دقايق.
سبع دقايق بس.
كانت أسرع سبع دقايق في حياتي، وأطول سبع دقايق في نفس الوقت.
كنت واقفة في الحمام، ضامة إيدي على خدي، وبحاول أمنع نفسي من العياط بصوت عالي.
بره، مراد كان بيخبط على الباب.
— سلمى… افتحي.
ما رديتش.
— أنا آسف.
سكت لحظة.
— والله ما كان قصدي أضربك.
غمضت عيني.
الجملة دي بالذات خلت دموعي تنزل أكتر.
لأنها ما كانتش أول مرة أسمعها.
يمكن أول مرة ضربني فيها، كنت صدقت.
لكن دلوقتي؟
دلوقتي عرفت إن الاعتذار اللي بييجي بعد الأذى مش بيمسح الأذى.
خبط تاني.
— سلمى، افتحي الباب.
وفجأة سمعت صوت عربيته برا.
وقفت أنفاسي.
خطوات تقيلة طلعت على السلم.
وبعدين جرس الباب.
مراد سكت.
بعد ثواني، سمعته بيقول:
— مين؟
وصوت رامي جه من الناحية التانية.
هادئ.
بارد.
— رامي العشري.
الصمت اللي حصل بعدها كان مرعب.
مراد ما ردش.
رامي قال:
— سلمى اتصلت بيا.
قربت من الباب وأنا بحبس أنفاسي.
— وأنا جيت أخدها.
مراد ضحك ضحكة قصيرة.
— هي مش محتاجة حد ياخدها.
رامي رد:
— هي قالت إنها محتاجة.
صمت.
وبعدين مراد قال:
— دي مشكلة بيني وبين مراتي.
اتجمدت مكاني.
مراتي.
رامي سأل بهدوء:
— مراتها؟
مراد رد:
— سلمى مراتي.
رامي سكت لحظة.
وبعدين قال:
— سلمى قالت لك إنها مراتي؟
ما سمعتش رد.
قلبي بدأ يخبط أسرع.
لأول مرة، حسيت إن حد واقف بيني وبين مراد.
حد مش خايف منه.
حد مش بيحاول يرضيه.
رامي قال:
— افتح الباب يا مراد.
— ولو ما فتحتش؟
الصوت اتغير.
بقى أخفض.
أبرد.
— هتندم إنك ما فتحتش.
اتسمع صوت المفتاح وهو بيتحرك.
مراد كان عنده نسخة من مفتاح الشقة.
لكن قبل ما يلحق يعمل حاجة، رامي قال:
— سلمى.
سمعت اسمي.
— لو إنتِ عايزة تخرجي، افتحي الباب.
بصيت لإيدي.
كنت بترتعش.
لكن لأول مرة من سنين، القرار كان بتاعي.
مش قرار مراد.
مش قرار أهلي.
مش قرار حد.
أنا.
فتحت الباب.
مراد كان واقف قدامي، ووشه متوتر.
لكن رامي كان واقف عند باب الشقة.
أول ما شافني، عينيه نزلت على خدي.
وسكت.
ما سألنيش مين ضربني.
ما كانش محتاج.
العلامة كانت واضحة.
نظر لمراد.
والنظرة دي لوحدها خلت مراد يرجع خطوة.
رامي قال:
— خدي حاجتك.
مراد اعترض:
— هي مش هتمشي.
رامي بص له.
— اسألها.
مراد لف ناحيتي.
— سلمى؟
كنت خايفة.
لكن قلت:
— أنا ماشية.
الكلمة خرجت ضعيفة.
لكنها خرجت.
رامي تحرك جانبًا، وساب لي الطريق.
دخلت أوضتي.
حطيت هدوم بسيطة في شنطة.
موبايلي.
محفظتي.
وبعدين وقفت قدام الدولاب.
لقيت فستان مراد كان جايبهولي في عيد ميلادي.
فضلت أبص له ثواني.
وبعدين قفلت الدولاب.
مش كل حاجة لازم ناخدها معانا لما نهرب.
خرجت.
مراد وقف قدامي.
— هتندمي.
رفعت عيني له.
لأول مرة ما خفتش.
قلت:
— يمكن.
وبعدين بصيت لرامي.
— بس مش هفضل هنا.
رامي فتح الباب.
خرجت.
ولما نزلنا السلم، حسيت إن كل درجة بأطلعها كانت بتاخد مني سنة من الخوف.
ركبت عربية رامي.
هو ركب قدام.
وقبل ما يتحرك، بص لي من المراية.
— في مستشفى؟
هزيت راسي.
— لأ.
— متأكدة؟
— أيوه.
سكت.
وبعدين قال:
— هنروح مكان آمن.
سألته:
— فين؟
قال:
— بيتي.
اتوترت.
— لأ… أنا مش عايزة أسبب لك مشاكل.
رامي لف ناحيتي.
— سلمى.
كانت نبرة صوته هادية.
— إنتِ من النهارده مش مسؤولة عن المشاكل اللي بيعملها غيرك.
ما قدرتش أرد.
العربية اتحركت.
وبعد دقائق، موبايلي بدأ يرن.
مراد.
مرة.
مرتين.
تلاتة.
وبعدين رسائل.
«ارجعي.»
«إنتِ فاهمة إنتِ بتعملي إيه؟»
«سلمى، متخلينيش أجيلك.»
قفلت الموبايل.
رامي شاف الحركة.
ما سألش.
بس قال:
— لو عايزة، غيري رقمك الليلة.
قلت:
— هعمل كده.
وبعد صمت طويل، سألت:
— ليه ساعدتني؟
فضل ساكت شوية.
وبعدين قال:
— عشان إنتِ طلبتي.
— بس أنا موظفة عندك.
— وإنتِ إنسانة قبل ما تكوني موظفة.
بصيت من الشباك.
القاهرة كانت بتجري جنبنا، أضواء الشوارع بتنعكس على الزجاج.
وأنا لأول مرة من سنين ما كنتش عارفة بكرة هيكون عامل إزاي.
بس لأول مرة…
ما كنتش خايفة منه.
وصلنا بيت رامي بعد حوالي نص ساعة.
كان مكان هادي، واسع، لكنه ما كانش القصر المتكبر اللي كنت متخيلاه.
رامي نزل وفتح لي الباب بنفسه.
— ادخلي.
نزلت.
وقبل ما أتحرك، سألني:
— سلمى؟
بصيت له.
— نعم؟
قال:
— من النهارده، محدش هيمد إيده عليكِ تاني.
ما عرفت أرد.
دخلت البيت.
وبمجرد ما الباب اتقفل ورايا، انهرت.
مش من الخوف.
من الراحة.
رامي وقف بعيد.
ما لمسنيش.
ما قربش.
بس قال:
— عيطي.
وانا عيطت.
عيطت على السنتين ونص اللي ضاعوا.
على كل صديقة بعدتها.
كل مكالمة ما رديتش عليها.
كل مرة قلت فيها «أنا بخير» وأنا مش بخير.
كل مرة صدقت فيها إن الحب ممكن يوجع بالشكل ده.
ولما خلصت، لقيت رامي لسه واقف مكانه.
قال:
— بكرة هنبدأ من الأول.
مسحت دموعي.
— وأنا هبدأ إزاي؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
— أول حاجة؟
هزيت راسي.
قال:
— هتتعلمي إن كلمة «لأ» مش محتاجة تبرير.
وسكت لحظة.
— وبعدين هتتعلمي إن اللي بيحبك، عمره ما يخليكِ تخافي منه.
بصيت له.
ولأول مرة، ما بصتش بعيد.
ولأول مرة، رامي العشري ما كانش الرجل اللي كل الشركة بتخاف منه.
كان الشخص الوحيد اللي، في اللحظة اللي طلبت فيها النجدة…
جه.
وبعدها بأسبوع، ظهر السر اللي قلب حياتي كلها من جديد.
مراد ما كانش مجرد مخرج أفلام وثائقية.
والرسائل اللي كان بيبعتها لي ما كانتش مجرد غيرة.
كان فيه سبب واحد خلاه يعرف كل تحركاتي.
سبب مخبأ في حسابات شركة العشري.
والشخص اللي كان بيسرب له المعلومات…
كان أقرب شخص لرامي.
حكايات شروق خالد
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت خبط خفيف على الباب.
فتحت عيني بصعوبة.
لثواني ما افتكرتش أنا فين.
وبعدين افتكرت.
رامي.
الشقة.
مراد.
رفعت إيدي ولمست خدي.
الألم كان أخف، لكن الذكرى لسه موجودة.
جاء صوت رامي من بره:
— سلمى؟ الفطار جاهز.
— حاضر.
لبست هدومي ونزلت.
لقيته قاعد على طرف الترابيزة، قدامه لابتوب وملفات.
أول ما شافني، قفل اللابتوب.
— نمتي كويس؟
هزيت راسي.
— شوية.
— النهارده مش هتروحي الشركة.
اعترضت فورًا:
— لازم أروح.



