
سبع ستات دخلوا الجناح الخاص بتاع عمر الجارحي بعد نص الليل، وكل واحدة فيهم هربت قبل طلوع الشمس. وعشان كده، لما بقيت أنا الست التامنة اللي اتبعتت تواجه زعيم أخطر قطيع في مصر، كان فيه اتنين من المساعدين الطبيين مستنيين بره ومعاهم حقن مهدئة، ومحدش كان متوقع إن الليلة دي هتنتهي بيا وأنا بسأل الوحش سؤال، محدش فكر يسأله قبل كده.
اسمي سلمى حسن، عندي أربعة وعشرين سنة، وبنت حسن حسن، زعيم قطيع كاسكيد اللي كان بيحاول ينقذ جماعته من أزمة مالية خانقة. لمدة خمس سنين، كنت أنا اللي بلملم كوارث أبويا المالية، في الوقت اللي كان رجالة كبار في مجلس القطيع بيقولوا إني صغيرة قوي، وإن قلبي طيب زيادة عن اللزوم عشان أقدر أقودهم.
لكن بعدها أبويا خسر تقريبًا تلاتة مليون جنيه بسبب صفقة فاشلة مرتبطة بشركة الجارحي للاستثمار.
الدين ده كان ممكن يدمرنا.
مئات الناس كانوا ممكن يخسروا بيوتهم، وشغلهم، وحتى مكانهم جوه القطيع بسبب تهور راجل واحد.
عمر الجارحي كان من حقه قانونيًا ياخد كل حاجة، لكن مستشاره عرض تسوية تانية.
واحدة من بنات زعيم القطيع هتقضي ليلة في وجود عمر، باعتبارها مرشحة رسمية إنها تقف جنبه.
ولو قدرت تعيش لحد الصبح، الدين كله هيتلغي.
الكل كان عارف معنى الكلام ده.
ست تانية هتتبعت للوحش.
قبل نص الليل بثلاث ساعات، كنت قاعدة ببص من شباك عربية سودا، والمطر بيخبط على الإزاز وإحنا بنطلع ناحية قصر الجارحي، الموجود فوق جبل بعيد عن الناس.
تليفوني كان كل شوية يهتز برسائل من أختي الصغيرة ملك.
“أرجوكي ارجعي.”
“بابا مكنش من حقه يعمل كده.”
“الناس بتقول إنه بيخلي الستات تفقد عقلها.”
وبعدين وصلتني الرسالة اللي أكتر من كل اللي قبلها.
“إنتِ مش لازم تفضلي تنقذينا.”
وده بالظبط كان أصل المشكلة.
إنقاذ كل الناس بقى الحاجة الوحيدة اللي أنا عارفة أعملها.
“لسه تقدري ترفضي.”
صوت فارس، أقرب رجل لعمر الجارحي، جه من الكرسي اللي قدام وهو سايق.
كان رجل عريض الكتفين، في وشه ندبة قديمة، وشكله مرهق بالطريقة اللي دايمًا بتبان على الرجالة اللي مسؤولين عن منع الكوارث قبل ما تحصل.
“ولو رفضت، هيحصل إيه للقطيع؟”
سكت شوية.
“ده بيتوقف على عمر.”
“يعني أبويا هيخسر كل حاجة.”
“غالبًا.”
“وكل الناس التانية هتدفع تمن غلطته.”
فارس ماردش.
“يبقى أنا مش هرفض.”
ظهر قصر الجارحي من وسط المطر بعد دقايق، وكان مبني فوق جبل، عامل زي حصن ضخم من الحديد الأسود والزجاج والرخام.
قبل ما أنزل من العربية، فارس وقفني.
“الحكايات اللي بتتقال عن عمر مبالغ فيها.”
بصيت له.
“ده مطمّن.”
قال وهو بيبص قدامه:
“أنا مقولتش إنها كدب.”
اختفت الابتسامة من على وشي.
من خمس سنين، عمر كان قرب يموت بسبب مادة فضية غريبة جسمه الحاجز اللي كان فاصل بين عقله البشري والذئب اللي جواه.
ومن ساعتها، بقت قوة الزعيم اللي عنده غير مستقرة.
فارس كمل بصوت هادي:
“الستات بتخاف. وخوفهم بيخليه أسوأ. ورد فعله بيخوفهم أكتر.”
“آخر واحدة قعدت معاه قد إيه؟”
“تلات ساعات.”
رفعت شنطة السفر الصغيرة بتاعتي.
“أنا عشت خمس سنين وأبويا بيتصل بيا الساعة تلاتة الصبح عشان نسي يدفع مرتبات الناس. نشوف مين فيهم هيطلع أسوأ.”
جوا القصر، كانت نرمين مستنياني، لابسة بدلة كريمي، وفي ودانها ماسات، ونظرتها مليانة حكم عليا من قبل حتى ما تتكلم.
قالت ببرود:
“أختي كانت واحدة من مرشحات عمر.”
بصيت لها.
“الست اللي دخلت المستشفى؟”
ملامحها اتغيرت واتشدت أكتر.
لكن قبل ما تلحق ترد، دوّى صوت زمجرة عميقة في الممر.
كل الخدم اتجمدوا مكانهم.
وبعدين خرج عمر الجارحي من وسط الضلمة.
كان ضخم بشكل يخض.
حافي.
وعينيه لونها دهبي وبتلمع بشكل مرعب.
إيديه كانت بتترعش جامد لدرجة إن العروق كانت باينة على معصميه.
ضغط وجوده كزعيم ضربني بعنف لدرجة إن نفسي اتقطع.
رفع إيده وأشار لزر فضي للطوارئ موجود جنب باب الجناح.
وقال بصوت منخفض:
“اضغطي عليه لما متقدريش تستحملي أكتر.”
قلبي كان بيخبط بعنف.
لكن بدل ما أجري، ركزت في التعب المدفون تحت كل الغضب اللي في عينيه.
وبعدين سألته بهدوء:
“إنت تعبان؟”
عمر اتجمد تمامًا.
ولأول مرة من سنين، محدش كان قدامه بيبص له كوحش.
محدش كان بيبص لقوته.
محدش كان بيسأله هو حاسس بإيه.
كل اللي شافه في عيني كان سؤال بسيط جدًا، لكنه كان أخطر سؤال اتوجه له في حياته.
“إنت تعبان؟”
فضل ساكت، وعينيه ثابتة عليا.
وبعدين حصلت حاجة محدش كان متوقعها.
الزمجرة اختفت.
والضغط اللي كان مالي المكان بدأ يهدى واحدة واحدة.
فارس، اللي كان واقف بره الباب، بص من خلال الزجاج بصدمة.
أما نرمين، فحطت إيدها على بقها وهي مش مصدقة.
عمر قرب خطوة.
وبعدين خطوة تانية.
وأنا فضلت مكاني، رغم إن كل خلية في جسمي كانت بتصرخ عليا إني أهرب.
وقف قدامي على بعد خطوة واحدة.
وقال بصوت أجش:
“ليه سألتي السؤال ده؟”
بلعت ريقي.
“عشان كل الناس اللي قابلتك كانت بتشوف الوحش اللي جواك.”
سكت.
“وأنا شوفت الراجل اللي تعبان.”
عينيه لمعت.
ولأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عيني زعيم القطيع.
مش الخوف مني.
الخوف من إن حد يكون شاف حقيقته فعلًا.
وفجأة، عمر مد إيده ناحية الباب وقفل المزلاج.
أنا اتوترت.
لكنه قال:
“الليلة دي مش هتكون زي الليالي اللي قبلها.”
“ليه؟”
بص في عيني مباشرة.
“عشان إنتِ أول واحدة تسأليني إذا كنت تعبان… بدل ما تسأليني إذا كنت هأذيها.”
وقبل ما أقدر أرد، دوّى صوت خبط قوي من آخر الممر.
فارس فتح الباب بسرعة.
وفي إيده ملف أسود.
وشه كان شاحب.
“عمر… في مشكلة.”
عمر أخد الملف منه.
فتحه.
وبمجرد ما قرأ أول صفحة، ملامحه اتغيرت تمامًا.
رفع عينيه ناحيتي.
وقال:
“الدين اللي أبوكي خسره… مش هو السبب الحقيقي اللي خلاهم يبعتوكي هنا.”
حسيت بقلبي وقع.
“يعني إيه؟”
قفل الملف ببطء.
“حد دفع فلوس عشان إنتِ بالذات تيجي هنا.”
اتجمدت مكاني.
“مين؟”
عمر فضل باصص لي ثواني، وبعدين قال:
“ده السؤال اللي أنا وإنتِ هنكتشف إجابته الليلة.”
وبعدين فتح الملف تاني.
وفي الصفحة الأخيرة كان فيه صورة قديمة ليا وأنا طفلة.
تحت الصورة كان مكتوب اسم واحد.
اسم الراجل اللي من خمستاشر سنة.
أبويا.
بصيت للصورة وأنا مش قادرة أتكلم.
“دي إيه؟”
عمر قال بهدوء:
“أبوكي مخبي عنك سر من سنين.”
“سر إيه؟”
قرب الملف مني.
“إنك مش أول بنت ليه.”
حسيت الدنيا لفت بيا.
“إيه؟”
“وفيه حد تاني كان عارف الحقيقة دي… وهو اللي دفع عشان يجيبك هنا.”
في اللحظة دي، سمعت صوت باب الجناح بيتقفل ورايا.
وبصيت لعمر.
وفهمت إن الليلة دي مكنتش صفقة.
ومكنتش مجرد تضحية عشان أنقذ أهلي.
دي كانت بداية كشف سر ممكن يغير حياتي كلها.
حكايات شروق خالد
عيني فضلت معلقة على الصورة.
طفلة صغيرة واقفة قدام بيت قديم، لابسة فستان أبيض، وشعرها مربوط بضفيرتين، ورايا أبويا واقف حاطط إيده على كتفي.
الصورة دي أنا فاكرها.
بس اللي خوّفني إن عمر كان بيبص عليها كأنه شاف حاجة أنا مش شايفاها.
مد إيده وأشار لزاوية الصورة.
“بصي هنا.”
قربت الصورة من عيني.
كان فيه رجل واقف بعيد عن الكاميرا، نص وشه ظاهر، لكن واضح إنه كان بيراقبني.
“مين ده؟”
عمر رد:
“الراجل ده اسمه محمود الراوي.”
الاسم ضربني زي الصدمة.
“محمود الراوي؟”
فارس اتحرك بسرعة وقفل باب الجناح بالمفتاح.
بصيت له.
“إنت تعرفه؟”
قال:
“كل زعماء القطيع يعرفوه.”
عمر رمى الملف على الترابيزة.
“محمود كان مستشار أبوكي قبل ما يختفي من مصر من خمستاشر سنة.”
هزيت راسي.
“أنا عمري ما سمعت الاسم ده.”
عمر بص لي نظرة طويلة.
“عشان أبوكي كان حريص إنك ما تسمعيش.”
فتحت الملف بإيدي المرتعشة.
كان جواه عقود قديمة، تحويلات بنكية، تقارير طبية، وصور لأماكن عمري ما شوفتها.
لكن في نص الأوراق لقيت شهادة ميلاد.
قريتها مرة.
وبعدين مرة تانية.
اسمي كان مكتوب.
لكن اسم الأم مش اسم أمي.
رجعت خطوة لورا.
“دي مزورة.”
عمر قال:
“كنت مستني تقولي كده.”
“دي مزورة!”
صوتي طلع أعلى.
“أنا عارفة أمي. أنا اتربيت معاها. أنا عارفة هي مين.”
فارس قال بهدوء:
“إحنا مش بنقول إن الست اللي ربتك مش أمك.”
بصيت له.
“أمال بتقولوا إيه؟”
عمر رد:
“بنقول إن فيه حد تاني ولّدك.”
حسيت برجلي مش شايلاني.
سندت نفسي على الترابيزة.
“ليه؟”
محدش رد.
“ليه أبويا يخبي حاجة زي دي؟”
عمر قرب مني، لكن وقف على مسافة.
“عشان أمك الحقيقية كانت مرتبطة بحاجة أخطر من أي دين.”
“إيه؟”
“بقطيع الجارحي.”
سكت المكان.
رفعت عيني له.
“أمي كانت من قطيعك؟”
هز راسه.
“كانت من أقرب الناس لأبويا.”
اتجمدت.
“أبوك؟”
“أيوه.”
قلبت الصفحات بسرعة.
وفجأة وقعت عيني على صورة امرأة شابة.
شعرها أسود طويل، وملامحها كانت مألوفة بشكل غريب.
قربت الصورة من وشي.
نفسي اتقطع.
“دي…”
عمر قال:
“اسمها ليلى.”
همست:
“أنا شفت الصورة دي قبل كده.”
فارس قرب.
“فين؟”
“في بيتنا.”
سكت شوية.
“كانت جوه صندوق أبويا القديم.”
عمر عينيه ضاقت.
“أبوكي لسه محتفظ بيها؟”
“الصندوق اختفى بعد موته.”
عمر وفارس بصوا لبعض.
قال فارس:
“يبقى حد أخده.”
قبل ما أسأل، سمعنا صوت حركة برا الجناح.
عمر رفع إيده فورًا.
“محدش يتحرك.”
الصوت قرب.
خطوة.
خطوة تانية.
وبعدين خبطتين على الباب.
فارس حط إيده على سلاحه.
عمر بص لي.
“إنتِ تعرفي حد هنا؟”
هزيت راسي.
الباب اتفتح فجأة.
نرمين دخلت وهي بتتنفس بسرعة.
“عمر، لازم تيجي حالًا.”
“إيه اللي حصل؟”
بصت لي.
وبعدين قالت:
“واحدة من الستات اللي دخلوا قبلك… رجعت.”
عمر اتجمد.
“مين؟”
“هالة.”
فارس وشه اتغير.
“هالة ماتت من شهرين.”
نرمين هزت راسها.
“أنا عارفة.”
وبصت لي.
“وعشان كده الموضوع مرعب.”
عمر خرج من الجناح، وإحنا وراه.
في آخر الممر كانت فيه ست واقفة.
وشها شاحب.
هدومها مبلولة بالمطر.
وعلى رقبتها علامة حمراء واضحة.
أول ما شافت عمر، وقعت على الأرض.
فارس جري عليها.
“هالة!”
فتحت عينيها بصعوبة.
وبصت ناحيتي.
وبصوت ضعيف قالت:
“هي…”
سكتت.
عمر ركع جنبها.
“مين؟”
هالة أشارت بإيدها ناحيتي.
“هي البنت.”
عمر شد فكه.
“قولي.”
هالة بدأت تعيط.
“هي اللي كانوا مستنيينها من سنين.”
قلبي بدأ يخبط.
“مين كانوا مستنييني؟”
هالة بصت لعمر بخوف.
“الناس اللي تحت الجبل.”
سأل فارس:
“أي ناس؟”
هالة همست:
“القطيع القديم.”
عمر وقف فجأة.
“مستحيل.”
هالة مسكت إيده.
“هما رجعوا يا عمر.”
وبعدين بصت لي وقالت:
“وهم عايزين سلمى.”
في اللحظة دي، انطفأت أنوار القصر كلها.
غرق المكان في ضلمة كاملة.
وبعد ثواني، دوّى صوت زئير ضخم من تحت الأرض.
الزجاج اهتز.
والخدم بدأوا يصرخوا.
عمر وقف قدامي مباشرة.
“خليكي ورايا.”
قلت:
“إيه اللي تحت القصر؟”
مردش.
فارس طلع سلاحه.
وبعدين قال:
“عمر…”
“عارف.”
“الباب السفلي اتفتح.”
عمر بص لي.
وفي عينيه ظهر لأول مرة خوف حقيقي.
“سلمى، مهما حصل، متبعديش عني.”
“ليه؟”
قرب مني وقال:
“لأن اللي تحت القصر مش بني آدمين.”
وفجأة سمعنا صوت خطوات كتير طالعة من السلم السفلي.
صوت عشرات الأقدام.
وبينهم صوت واحد واضح:
“سلمى حسن…”
اتجمد دمي.
الصوت كمل:
“أخيرًا رجعتي.”
بصيت لعمر.
“إيه معنى رجعتي؟”
عمر مسك إيدي.
لكن قبل ما يرد، ظهر رجل من آخر الممر.
رجل طويل، لابس معطف أسود، وملامحه هادية بشكل مخيف.
رفع عينه ناحيتي.
وابتسم.
وقال:
“أبوكي خدك مننا وإنتِ طفلة.”
عمر وقف بيني وبينه.
“لو قربت خطوة، هتموت.”
الرجل ضحك.
“لسه فاكر إنك تقدر تحمينا يا عمر؟”
عمر زمجر.
والذئب اللي جواه ظهر في عينيه.
لكن الرجل قال جملة خلت عمر يتجمد:
“اسألها عن اللي حصل ليلة ولادتها.”
بصيت لعمر.
“إيه اللي حصل ليلة ولادتي؟”
الرجل ابتسم.
“أبوكي أمك.”
صرخت:
“كذاب!”
لكن الرجل أضاف:
“وبعدين أخدك وهرب.”
عمر شد إيدي.
“متصدقيش أي كلمة بيقولها.”
الرجل بص لي مباشرة.
“لو عايزة تعرفي الحقيقة، اسألي عمر عن أبوه.”
بصيت لعمر.




