
تردد مروان.
«مرات عمك.»
رفع ياسين عينيه إليه.
«عمتي؟»
«أيوه.»
ساد الصمت.
قال ياسين:
«مستحيل.»
«في حاجة كمان.»
أخرج مروان صورة قديمة.
صورة لوالد ياسين أمام أحد مكاتب السجل التجاري.
وبجانبه امرأة.
لم تكن عمته.
كانت أم ليان.
تجمد ياسين.
«إيه اللي بيجمعهم؟»
«ده اللي مش عارفينه.»
أخذ ياسين الصورة.
ظل يحدق فيها طويلًا.
ثم لاحظ شيئًا في الخلفية.
باب مكتب.
وفوقه لوحة صغيرة.
مكتب المحامي فؤاد الشامي.
المحامي الذي كتب عقد زواجه من ليان.
والذي توفي بعد عام واحد من وفاة والد ياسين.
قال ياسين:
«عايز عنوان المكتب.»
«اتقفل.»
«دور عليه.»
«دورت.»
رفع مروان عينيه.
«لقيت عنوان تاني.»
«فين؟»
«في المعادي.»
بعد ساعة، كانت سيارة ياسين تتوقف أمام مبنى قديم.
نزل وحده.
لم يسمح لمروان بالدخول معه.
صعد إلى الطابق الثالث.
طرق الباب.
فتح له رجل في أواخر الستينيات.
كان نحيفًا، يضع نظارة سميكة.
نظر إلى ياسين.
ثم شحب وجهه.
قال الرجل:
«إنت ابن فؤاد؟»
«أنا ياسين المنصوري.»
تراجع الرجل خطوة.
«كنت متوقع إنك هتيجي.»
ثبت ياسين نظره عليه.
«مين حضرتك؟»
«اسمي حمدي. كنت مساعد المحامي فؤاد الشامي.»
«وأنا جيت ليه؟»
ضحك الرجل بمرارة.
«عشان أخيرًا عايز تعرف الحقيقة.»
دخل ياسين.
أغلق حمدي الباب.
قال:
«والدك ما ماتش وهو ندمان على اللي عمله.»
«أبويا مات من أزمة قلبية.»
«دي كانت الرواية الرسمية.»
اقترب ياسين منه.
«اتكلم.»
جلس الرجل.
وأخرج صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
وضعه أمامه.
«ده كان عند الأستاذ فؤاد.»
فتح الصندوق.
في داخله مجموعة أوراق.
وشريط تسجيل قديم.
وصورة.
رفع ياسين الصورة.
كانت لوالده.
وبجواره والدة ليان.
قال حمدي:
«قبل جوازك من ليان بشهر، والدك اكتشف إن والدها كان مديون لشخص خطير.»
«مين؟»
«مش مهم مين.»
«بالنسبة لي مهم.»
«الشخص ده كان عايز الشركة… أو كان عايز بنت صاحب الشركة.»
توقف ياسين.
«ليان؟»
أومأ حمدي.
«والدك تدخل.»
«ساعد والدها؟»
«أيوه.»
نظر ياسين إلى الأوراق.
«إزاي؟»
«دفع الديون.»
رفع ياسين رأسه.
«ليه؟»
قال حمدي:
«لأن والدك كان عارف إن الناس دي مش هتسيب ليان.»
صمت.
ثم أضاف:
«وكان عنده سبب تاني.»
«إيه؟»
«كان عايزك تتجوزها.»
تجمد ياسين.
«أبويا رتّب جوازي؟»
«أيوه.»
«ليه؟»
أخرج حمدي شريط التسجيل.
وقال:
«اسمع بنفسك.»
وضع الشريط في جهاز قديم.
خرج صوت مشوش.
ثم صوت رجل.
صوت فؤاد المنصوري.
والد ياسين.
«لو ابني عرف إن ليان اتجوزته عشان أحميها، عمره ما هيحبها بالطريقة اللي محتاج يحبها بيها.»
توقف التسجيل لحظة.
ثم عاد الصوت.
«خليه يفتكر إنها اختارته.»
شعر ياسين بأن أنفاسه تضيق.
جاء صوت آخر.
كان صوت المحامي فؤاد الشامي.
«ولو عرف الحقيقة بعد موتك؟»
ضحك والده.
«مش هيسمعها من حد.»
«ليه؟»
«لأن فيه ناس هتتأكد إن السر يفضل مدفون.»
انتهى التسجيل.
ظل ياسين جالسًا دون حركة.
قال حمدي:
«أبوك ما كانش بيكره ليان.»
رفع ياسين عينيه.
«كان بيحميها.»
«أيوه.»
«وطب ليه ما قالليش؟»
«لأنه كان خايف عليك.»
«من مين؟»
نظر حمدي إلى الباب.
ثم قال:
«من نفس الناس اللي رجعت تظهر دلوقتي.»
في تلك اللحظة، رن هاتف ياسين.
اسم مروان.
رد.
«قول.»
جاءه صوت مروان متوترًا:
«سيدي… لازم ترجع الفيلا فورًا.»
«ليه؟»
«سارة اختفت.»
تجمد ياسين.
«إيه؟»
«العربية مش موجودة، وتليفونها مقفول.»
«من إمتى؟»
«من ساعتين.»
سكت ياسين.
ثم سأل:
«حد شافها؟»
«آخر شخص شافها كان رجل الأمن عند البوابة.»
«قال إيه؟»
«قال إنها كانت خارجة ومعاها شنطة.»
ثم جاء صمت قصير.
وأضاف مروان:
«وكان معاها ملف بني.»
نظر ياسين إلى الصندوق الخشبي.
إلى التسجيل.
إلى الأوراق.
ثم فهم.
سارة لم تكن مجرد امرأة دخلت حياته.
كانت تبحث عن شيء.
شيء موجود في ملف ليان.
شيء ربما كانت تعرف أنه موجود قبل أن تعرف ليان نفسها.
قال ياسين:
«مروان.»
«أيوه.»
«جيبلي آخر موقع لتليفون سارة.»
«حاضر.»
«وخلي رجالتك يدوروا على ليان.»
«عندنا عنوان المكان اللي راحت له.»
توقف ياسين.
«إنت عارف مكانها؟»
«أيوه.»
«فين؟»
قال مروان:
«في بيت قديم في الزمالك.»
أغلق ياسين الهاتف.
وقف.
قال حمدي:
«هتروح لها؟»
نظر إليه ياسين.
«دي مراتي.»
ابتسم الرجل بحزن.
«لأ.»
توقف ياسين.
قال حمدي:
«دي الست اللي ظلمتها تسع سنين.»
لم يجب ياسين.
خرج من الباب.
وفي سيارة أخرى، كانت ليان جالسة أمام نافذة واسعة.
أمامها كوب شاي.
وبجوارها الطبيبة ناهد.
كانت ليان قد قررت ألا تعود إلى فيلا المنصوري.
لكنها لم تكن تعرف أن ياسين أصبح يعرف الحقيقة.
ولم تكن تعرف أيضًا أن سارة لم تختفِ هربًا.
بل كانت ذاهبة إلى الشخص الذي أعطاها التعليمات منذ البداية.
الرجل الذي كانت ليان تظن أنه مات.
وعندما وصلت سارة إلى الفيلا القديمة في المعادي، فتح لها الباب رجل مسن.
قال:
«اتأخرتي.»
دخلت سارة.
«كان لازم أستنى لحد ما ليان تمشي.»
«ومشت.»
«أيوه.»
«والملف؟»
أخرجت سارة الملف البني.
وضعته على الطاولة.
«خدته.»
ابتسم الرجل.
ثم سأل:
«وياسين؟»
قالت سارة:
«بدأ يشك.»
اختفت الابتسامة من وجه الرجل.
«إذن لازم نتحرك الليلة.»
سألته:
«ولو ليان قالت كل حاجة؟»
اقترب الرجل من النافذة.
وقال بهدوء:
«ليان مشكلتها إنها لسه فاكرة إن ياسين هو أخطر رجل في حياتها.»
ثم التفت إليها.
«لكن الحقيقة…»
توقف.
«إن أخطر رجل في حياتها لسه ما ظهرش.»
حكايات شروق خالد
في نفس اللحظة، كان ياسين يقود سيارته بسرعة في شوارع القاهرة.
لم يكن يفكر في سارة.
ولم يكن يفكر حتى في الرجل الذي قيل له إنه مات.
كان يفكر في ليان.
في آخر مرة وقف أمامها.
في عينيها وهي تحمل حقيبتها.
وفي الجملة التي قالتها:
«أنا بقالِي سنين واقعية بخصوصك.»
وكلما تذكرها، شعر وكأن أحدًا يضغط على صدره.
رن هاتفه.
كان مروان.
«سيدي، لقينا عربية سارة.»
«فين؟»
«متروكة عند جراج في الدقي.»
«وسارة؟»
«مش موجودة.»
سكت ياسين لحظة.
ثم قال:
«الكاميرات.»
«اتمسحت.»
شد ياسين قبضته على عجلة القيادة.
«كل مرة بنقرب منها، حاجة بتختفي.»
«في حاجة تانية.»
«إيه؟»
«لقيت تسجيل من كاميرا محل جنب الجراج.»
«هات.»
«فيه عربية سوداء خرجت من الجراج بعد عربية سارة بعشر دقايق.»
«لوحتها؟»
«مغطاة.»
«السواق؟»
«مش واضح.»
صمت ياسين.
ثم قال:
«مروان… عايز أعرف العربية دي راحت فين.»
«هحاول.»
«مش تحاول.»
قالها ياسين بحدة.
«اعرف.»
أنهى المكالمة.
وبعد دقائق، وصل إلى بيت قديم في الزمالك.
نزل من السيارة.
لم يكن هناك حراس.
لم يكن هناك صوت.
طرق الباب.
لا رد.
طرق مرة ثانية.
ثم دفعه.
كان مفتوحًا.
دخل.
«ليان؟»
لا إجابة.
وجد حقيبتها الصغيرة على طاولة.
توقف.
كان قلبه يخفق بقوة.
اقترب.
الحقيبة كانت مفتوحة.
والملف البني اختفى.
لكنه وجد شيئًا آخر.
ورقة واحدة.
مكتوب عليها بخط ليان:
«لو وصلت هنا، يبقى أنت عرفت جزء من الحقيقة.»
رفع ياسين الورقة.
قرأ السطر التالي.
«بس لسه ما تعرفش الحقيقة اللي تخصك.»
وتحتها عنوان.
مكان واحد.
مخزن قديم في شبرا.
لم يفكر.
استدار وخرج.
لكن قبل أن يصل إلى سيارته، ظهر مروان من الجانب الآخر للشارع.
«سيدي!»
التفت ياسين.
«إيه؟»
اقترب مروان وهو يلهث.
«لقينا سارة.»
«فين؟»
«في مستشفى خاص.»
تغير وجه ياسين.
«حصلها إيه؟»
«اتصابت.»
تجمد.
«إصابة إيه؟»
«طلق ناري.»
ظل ياسين صامتًا لثوانٍ.
ثم قال:
«عاشت؟»
«أيوه.»
«وهي بتتكلم؟»
«الدكتور قال إنها واعية.»
تحرك ياسين.
«نروح لها.»
لكن مروان أمسك ذراعه.
«سيدي… قبل ما نروح، لازم تعرف حاجة.»
«إيه؟»
«هي قالت اسم واحد.»
«مين؟»
نظر مروان في عينيه.
«فؤاد المنصوري.»
توقف ياسين.
«أبويا؟»
«أيوه.»
«قالت إيه؟»
«قالت إن أبوك هو اللي أمر بقتلها.»
ظل ياسين ينظر إليه.
ثم ضحك ضحكة قصيرة بلا أي فرح.
«أبويا مات من سبع سنين.»
قال مروان:
«أنا عارف.»
«إذن مين اللي أمر؟»
لم يجب مروان.
لأن الإجابة كانت قد بدأت تتشكل في عقل ياسين.
ركب السيارة.
وقال:
«المستشفى.»
بعد عشرين دقيقة، دخل ياسين غرفة سارة.
كانت شاحبة.
أنبوب الأكسجين تحت أنفها.
ضماد عند كتفها.
وعندما رأته، اتسعت عيناها.
قالت بصوت ضعيف:
«ياسين…»
اقترب.
«مين ضربك؟»
بكت.
«كنت غبية.»
«مين؟»
«كنت فاكرة إني أعرف كل حاجة.»
«مين؟»
أمسكت يده.
لكن ياسين سحبها.
«قولي.»
قالت:
«والدك.»
«أبويا مات.»
«أنا عارفة.»
«إذن مين؟»
نظرت إلى الباب.
ثم همست:
«أخوك.»
تجمد ياسين.
«أنا معنديش أخ.»
أغمضت سارة عينيها.
وقالت:
«ده اللي كانوا عايزينك تصدقه.»
لم يتنفس ياسين.
«إنتِ بتتكلمي عن مين؟»
فتحت عينيها.
«اسمه رائد.»
شعر ياسين بأن الأرض تحركت تحته.
رائد.
اسم لم يسمعه منذ طفولته.
اسم كان ممنوعًا داخل بيت المنصوري.
اسم كانت والدته ترفض ذكره.
اسم كان والده يغير الموضوع كلما سُئل عنه.
قال ياسين:
«رائد مات.»
هزت سارة رأسها.
«لأ.»
«إنتِ بتكدبي.»
«أنا شفته.»
«فين؟»
«في الفيلا.»
«إمتى؟»
«من أسبوع.»
ثم قالت جملة جعلت الدم يتجمد في عروقه:
«هو اللي أمرني أدخل غرفة ليان.»
صمت ياسين.
سأل:
«ليه؟»
قالت سارة:
«عشان يخلي ليان تخرج.»
«وبعدين؟»




