
«كان عايز حاجة واحدة.»
«إيه؟»
«إنك تكرهها.»
تراجع ياسين خطوة.
«ليه؟»
ابتسمت سارة ابتسامة ضعيفة.
«لأن ليان عندها حاجة هو محتاجها.»
«إيه؟»
نظرت سارة إليه.
«بنتك.»
لم يفهم.
«بنتي؟»
«البنت اللي في بطن ليان.»
«هو عايز يعمل إيه بيها؟»
أغمضت سارة عينيها.
«مش هو اللي عايزها.»
توقف قلب ياسين تقريبًا.
«مين؟»
لكن سارة لم تجب.
انقطع صوت الجهاز فجأة.
دخل الطبيب والممرضون بسرعة.
«برا!»
خرج ياسين إلى الممر.
وبعد دقائق، خرج الطبيب.
«حالته مستقرة.»
قال ياسين:
«هي قالت إيه قبل ما يحصل كده؟»
تردد الطبيب.
ثم قال:
«قالت كلمة واحدة.»
«إيه؟»
«الميناء.»
نظر ياسين إلى مروان.
الميناء.
نفس المكان الذي بدأت منه إمبراطورية المنصوري.
نفس المكان الذي مات فيه والده.
ونفس المكان الذي اختفى فيه رائد قبل ثلاثين عامًا.
وفي مكان آخر، كانت ليان تستيقظ فجأة.
كانت في غرفة لم تعرفها.
حاولت الحركة.
لكنها توقفت عندما شعرت بيد على كتفها.
رفعت عينيها.
الرجل الذي أمامها كان في الخمسينيات.
شعره رمادي.
ملامحه تشبه ياسين بشكل مخيف.
لكنه كان يحمل ندبة طويلة بجوار عينه.
قال:
«متخافيش.»
نظرت ليان حولها.
«إنت مين؟»
قال الرجل:
«أنا الشخص الوحيد اللي يقدر يقولك الحقيقة عن جوزك.»
«إنت رائد؟»
ابتسم.
«أخيرًا حد نطق اسمي.»
تراجعت ليان.
«إنت اللي خطفتني؟»
«لو كنت عايز أؤذيك، مكنتش جبتك هنا.»
«فين بنتي؟»
تغير وجهه.
«بنتك بأمان.»
«عايزة أشوفها.»
«هي لسه في بطنك.»
وضع أمامها ملفًا.
«لكن لازم تعرفي إن الحمل ده هو السبب الحقيقي اللي خلى كل ده يبدأ.»
فتحت ليان الملف.
وفي أول صفحة، كانت هناك صورة لوالدها.
وبجانبه امرأة شابة.
امرأة تعرفها ليان جيدًا.
أمها.
لكن الصورة لم تكن قديمة كما توقعت.
كانت مؤرخة قبل ثلاثة أشهر فقط من زواجها من ياسين.
رفعت ليان عينيها إليه.
«أمي كانت عارفة؟»
قال رائد:
«أمك كانت أول واحدة تعرف.»
ثم دفع إليها ورقة أخرى.
«وهي اللي طلبت من أبو ياسين يحميكي.»
شهقت ليان.
«ليه؟»
نظر إليها رائد طويلًا.
ثم قال:
«لأن أبوكي ما ماتش بسبب الإفلاس.»
تجمدت.
«أمال مات إزاي؟»
اقترب منها.
وقال:
«اتقتل.»
سقطت الورقة من يدها.
«مين قتله؟»
أجاب رائد:
«الشخص اللي قتل أبو ياسين.»
«مين؟»
قالها بصوت منخفض:
«نفس الشخص اللي بيحاول ياخد بنتك دلوقتي.»
وفي اللحظة نفسها، رن هاتف رائد.
نظر إلى الشاشة.
تغير وجهه.
ثم قال:
«متأخرين.»
«إيه؟»
رفع عينيه إلى ليان.
«ياسين عرف مكاننا.»
وفي الخارج، دوى صوت سيارات تتوقف أمام المبنى.
ثم صوت أبواب تُغلق.
وصوت رجال يتحركون بسرعة.
قال رائد:
«لو عايزة بنتك تعيش… لازم تثقي فيا دلوقتي.»
وضعت ليان يدها على بطنها.
ثم سمعت صوت ياسين من أسفل المبنى:
«ليان!»
أغمضت عينيها.
لأول مرة منذ غادرت الفيلا، كانت بين الرجل الذي أحبته تسع سنوات…
والرجل الذي يحمل سر عائلتها منذ ثلاثين عامًا.
وكان عليها أن تختار.
لكنها لم تكن تعرف أن أي اختيار ستقوم به الليلة…
سيشعل حربًا داخل عائلة المنصوري لم يتخيل أحد أنها ما زالت ممكنة.
حكايات شروق خالد
تجمدت ليان مكانها.
صوت ياسين كان يقترب.
«ليان!»
نظرت إلى رائد.
«إنت عملت إيه؟»
قال بهدوء:
«ولا حاجة.»
«يبقى إزاي عرف مكاني؟»
ابتسم ابتسامة قصيرة.
«هو مش عارف المكان.»
ثم أضاف:
«هو عارف إنك معايا.»
سمعت ليان أصوات أقدام في الطابق السفلي.
صرخ أحد الرجال:
«فتشوا كل الأوض!»
اقتربت من رائد.
«إنت عايز إيه مني؟»
«أقولك الحقيقة.»
«وبعدها؟»
«بعدها تختاري بنفسك.»
«اختار إيه؟»
فتح بابًا صغيرًا خلف خزانة قديمة.
ظهر ممر ضيق.
«تهربي معايا… أو ترجعي لياسين.»
نظرت ليان إلى الممر.
ثم إلى بطنها.
«أنا مش ههرب.»
رفع رائد حاجبه.
«ليه؟»
«عشان أنا تعبت من الهروب من نتائج أفعال غيري.»
وفي نفس اللحظة، انفتح باب الغرفة بعنف.
ظهر ياسين.
كان وجهه شاحبًا.
ويده على سلاحه.
لكن عندما رأى ليان، أنزله فورًا.
«ليان.»
لم تجبه.
تقدم خطوة.
«إنتِ كويسة؟»
«أنا كويسة.»
نظر إلى بطنها.
ثم إليها.
«هو أذاكي؟»
«لأ.»
تنفس ياسين لأول مرة منذ ساعات.
ثم التفت إلى رائد.
ثبتت عيناه عليه.
ثوانٍ طويلة مرت دون كلمة.
قال ياسين:
«إنت.»
ابتسم رائد.
«كبرت يا ياسين.»
رفع ياسين سلاحه مرة أخرى.
«كنت فاكر إنك مت.»
«وأنا كنت فاكر إنك هتكون أذكى من كده.»
«إنت اللي خطفت مراتي.»
«أنا اللي أنقذتها منك.»
انقبض فك ياسين.
«إنت مش فاهم حاجة.»
«أنا فاهم كل حاجة.»
ثم نظر إلى ليان.
«وأخيرًا هي لازم تعرف.»
قال ياسين:
«ما تدخلهاش في الموضوع.»
ضحك رائد.
«هي أصل الموضوع.»
تقدمت ليان خطوة.
«كفاية.»
نظر الرجلان إليها.
قالت:
«أنا عايزة أعرف.»
ساد الصمت.
«عايزة أعرف كل حاجة. من أول يوم اتجوزت فيه ياسين.»
نظر رائد إلى ياسين.
ثم قال:
«إذن اسأليه.»
نظرت ليان إلى زوجها.
«أبويا مات إزاي؟»
لم يجب.
«ياسين.»
خفض عينيه.
«أنا ما كنتش أعرف.»
«بس رائد عارف.»
«رائد كان مختفي.»
«وده مش جواب.»
رفع ياسين عينيه إليها.
«أبوكي اتقتل.»
شهقت.
«مين قتله؟»
صمت.
قال رائد:
«قول لها.»
رفع ياسين نظره إليه.
ثم قال:
«أبويا.»
تجمدت ليان.
«إيه؟»
«أبويا هو اللي أصدر الأمر.»
قالها ياسين بصعوبة.
«لكن هو ما كانش عايز يقتل والدك.»
«أمال؟»
«كان عايز يهدده.»
«وبعدين؟»
«الأمر خرج عن السيطرة.»
اقتربت ليان منه.
«إنت عرفت إمتى؟»
«من النهارده.»
ضحكت ضحكة موجوعة.
«يعني كل السنين دي… كنت عايش معاك، وإنت حتى مش عارف الحقيقة؟»
«أنا كنت فاكر إن أبويا أنقذ عيلتك.»
«وأنا كنت فاكرة إن جوازنا بدأ بحب.»
صمت.
كانت الجملة أقسى من أي صرخة.
قال ياسين:
«أنا حبيتك.»
«بس أنا ما كنتش عارفة إن حياتي كلها اتبنت فوق كذبة.»
اقترب منها.
«ليان…»
تراجعت.
«ما تقربش.»
توقف.
قال رائد:
«في حاجة أهم.»
التفتت إليه.
«إيه؟»
أخرج ملفًا جديدًا.
«أمك ما كانتش مجرد شاهدة.»
فتح الملف.
«كانت شريكة.»
حدقت ليان في الأوراق.
«شريكة في إيه؟»
«في محاولة حماية أبوكي.»
ثم أخرج صورة.
كانت أم ليان تجلس أمام والد ياسين.
وبينهما طفل صغير.
ليان لم تتعرف عليه.
لكن ياسين عرفه.
تغير وجهه.
«ده رائد.»
قالت ليان:
«طفل؟»
أومأ رائد.
«أنا كنت في التاسعة.»
«كنت تعرف أمي؟»
«أيوه.»
«ليه؟»
قال رائد:
«لأنها أنقذت حياتي.»
ثم نظر إلى ياسين.
«وأبوك حاول يقتلني بعدها.»
قال ياسين:
«ليه؟»
رائد لم يجب.
بل فتح الصفحة الأخيرة من الملف.
كانت تحتوي على اسم واحد.
سارة عادل.
تجمدت ليان.
«سارة؟»
قال رائد:
«سارة مش عشيقة ياسين.»
نظر ياسين إليه.
«إذن هي إيه؟»
«كانت شغالة معايا.»
اتسعت عينا ياسين.
«إنت اللي بعتها؟»
«أيوه.»
«ليه؟»
«عشان أحمي ليان.»
ضحكت ليان بمرارة.
«تحميني بإدخالها أوضة نومي؟»
«كان لازم أخليكي تكرهي ياسين.»
تقدم ياسين خطوة.
«ليه؟»
قال رائد:
«لأن الشخص اللي بنحاول نهرب منه من تسع سنين رجع.»
«مين؟»
نظر رائد إلى الباب.
«كمال المنصوري.»
تجمد ياسين.
«عمي كمال مات.»
«أبوك قال كده.»
«أمي قالت كده.»
«والكل صدق.»
ثم اقترب رائد من النافذة.
«بس كمال عايش.»
ساد صمت ثقيل.
قالت ليان:
«هو اللي قتل أبويا؟»
«أيوه.»
«وهو اللي قتل أبو ياسين؟»
«أيوه.»
«وهو اللي عايز بنتي؟»
نظر إليها رائد.
«أيوه.»
أمسكت ليان بطنها.
«ليه؟»
قال رائد:
«لأن بنتك مش مجرد وريثة لعائلة المنصوري.»
نظر إلى ياسين.
«هي الوريثة الوحيدة اللي كمال محتاجها عشان يسيطر على كل حاجة.»
قال ياسين:
«إزاي؟»
«لأن والدك كتب اتفاقًا قبل موته.»
أخرج رائد الورقة الأخيرة.
«لو حصل لك أي شيء، كل أسهم العائلة تنتقل إلى طفلك الأول.»
نظر ياسين إلى الورقة.
ثم إلى ليان.
قال:
«هو عايز يقتلني.»
أومأ رائد.
«وبعدها يخطف بنتك.»
قالت ليان:
«وعشان كده سارة دخلت حياتنا.»
«أيوه.»
«وعشان كده زورتوا الأوراق.»
«كان لازم نخلي ياسين يبعد عنك.»
رفعت عينيها إليه.
«بس أنتوا ما كنتوش عارفين إني حامل.»
صمت رائد.
وهنا فهمت ليان.
«لأ.»
نظرت إلى ياسين.
«حد كان عارف.»
قال ياسين:
«مين؟»
رد رائد:
«الشخص اللي سرب خبر الحمل لكمال.»
وفي نفس اللحظة، رن هاتف ياسين.
رقم مجهول.
فتح المكالمة.
جاءه صوت رجل هادئ.
«مساء الخير يا ابن أخويا.»
تجمد ياسين.
لم يحتج إلى سؤال.
عرف الصوت.
كمال.
قال ياسين:
«إنت فين؟»
ضحك كمال.
«قريب.»
«لو قربت من مراتي أو بنتي—»
قاطعه:
«بنتك؟»
صمت.
ثم قال كمال:
«لسه فاكر إنها بنتك؟»
تغير وجه ليان.
نظر ياسين إليها.
قال كمال:
«اسأل مراتك عن اللي حصل ليلة حملها.»
وانقطع الاتصال.
ساد الصمت.
ثم التفتت ليان ببطء إلى ياسين.
لم تكن تعرف ماذا يعني.
لكنها رأت شيئًا في عينيه.
شكًا.
وخوفًا.
وشيئًا آخر أخطر.
فقالت:
«ياسين…»
لكنه لم يجب.
لأن كمال ترك لهم سؤالًا واحدًا فقط.
من هو والد الطفلة الحقيقي؟
حكايات شروق خالد
ساد الصمت داخل الغرفة.
لم يتحرك أحد.
كانت ليان تنظر إلى ياسين، وياسين ينظر إليها.
أما رائد، فكان واقفًا عند النافذة وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات.
قال ياسين بصوت منخفض:
«ليان… بصيلي.»
رفعت عينيها إليه.
«إنتِ عارفة حاجة عن اللي قاله؟»
لم تجب فورًا.
ثم قالت:
«عارفة إيه؟»
«عن ليلة الحمل.»
تغير وجهها.
«إنت بتسألني بجد؟»
«أيوه.»
«بعد تسع سنين؟»
«أنا لازم أفهم.»
ابتسمت ليان بمرارة.
«وأنا؟ أنا ما استاهلش أفهم؟»
اقترب ياسين.
«أنا مش بتهمك.»
«بس بتسألني إذا كانت بنتك بنتك.»
أخفض ياسين رأسه.
«كمال ممكن يكون بيكدب.»
قال رائد:
«كمال عمره ما بيرمي كلمة من غير ما يكون وراها هدف.»
نظرت ليان إليه.
«إنت عارف حاجة.»
لم يجب.
صرخت:
«إنت عارف حاجة!»
قال رائد:
«أيوه.»
«قول.»
«أنا عارف إن الليلة اللي حملتي فيها… ما كانتش زي ما فاكرة.»
ارتجفت ليان.
«يعني إيه؟»
جلس رائد.
«قبل تسع شهور من ولادة بنتك، حصل حادث على طريق العين السخنة.»
قطبت ليان حاجبيها.
«أنا فاكرة الحادث.»
«إنتِ كنتِ في المستشفى.»
«أيوه.»
«وياسين كان موجود؟»
«أيوه.»
نظر رائد إلى ياسين.
«لكن مش من أول لحظة.»
قال ياسين:
«أنا وصلت بعد الحادث بعشرين دقيقة.»
رد رائد:
«والشخص اللي وصل قبلك؟»
صمت ياسين.
قالت ليان:
«مين؟»
لم يجب.
فتح رائد ملفًا قديمًا.
«ده تقرير دخول المستشفى.»
أخذته ليان.
قرأت الاسم.
ثم توقفت.
كان اسم رجل آخر.
آدم الشامي.
رفعت رأسها.
«مين آدم؟»
قال ياسين:
«ابن المحامي فؤاد الشامي.»
«أنا عمري ما شفته.»
«أنا كمان.»
قال رائد:
«دي المشكلة.»
أخرج صورة.
كان فيها رجل شاب يقف بجوار سيارة محطمة.
وجهه غير واضح.
لكن على يده ساعة فضية.
نظرت ليان إلى الصورة.
وفجأة شعرت بشيء.
«أنا شفت الساعة دي.»
قال ياسين:
«فين؟»
وضعت يدها على رأسها.
«في المستشفى.»
أغمضت عينيها.
بدأت الذكريات تعود.
ضوء أبيض.
رائحة مطهر.
صوت جهاز.
شخص يجلس بجوار سريرها.
صوت رجل يقول:




