
وفي الصالة وجدت امرأة عجوز جالسة بجوار النافذة.
رفعت المرأة رأسها.
ليان توقفت.
«إنتِ مين؟»
المرأة قالت:
«أنا أخت أمك.»
ليان شهقت.
«خالتي؟»
هزت المرأة رأسها.
«أمك كانت عايزة تحميكي من الحقيقة.»
«إيه الحقيقة؟»
تنهدت.
«أبوك ما كانش مجرم زي ما قالوا.»
«أمال كان إيه؟»
«كان شاهد.»
«على إيه؟»
«على جريمة كبيرة.»
ثم مدت لها ظرفًا.
«قبل ما يموت، ساب ده ليكِ.»
فتحت ليان الظرف.
كانت فيه صورة لوكا وهو طفل.
وبجانبه والده.
وخلفهما والد ليان.
لكن المفاجأة لم تكن في الصورة.
كان هناك طفل صغير واقف بعيدًا.
ليان قربت الصورة.
«مين ده؟»
خالتها قالت:
«أخوك.»
سقطت الصورة من يد ليان.
«أنا ما عنديش أخ.»
«كان عندك.»
«فينه؟»
«اختفى ليلة موت أمك.»
ليان شعرت أن الأرض تميد بها.
«هو عايش؟»
العجوز لم تجب.
وفي اللحظة نفسها، سمعت ليان صوت خطوات خلفها.
استدارت.
كان لوكا.
لكنه لم يكن وحده.
كان بجانبه رجل في الثلاثينات.
ليان نظرت إليه.
الرجل ابتسم.
«وحشتيني يا أختي.»
لم تستطع الكلام.
لوكا اقترب منها.
«ليان… ده سامر.»
دموعها نزلت.
«أخويا؟»
سامر أومأ.
«أيوه.»
—
اتضح أن والد ليان أخفى سامر بعد اكتشاف شبكة منصور.
كان طفلًا وقتها، وخاف أن يستخدمه أعداؤه للضغط على العائلة.
لكن سامر كبر بعيدًا عنهم.
وظل طوال السنوات يبحث عن أخته.
وعندما عرف أن ليان تزوجت لوكا، خاف عليها.
فكان هو الشخص الذي ساعد في مراقبتها.
ليس لخطفها.
بل لحمايتها.
ليان بكت وهي تحتضنه.
«كنت فاكرة إني لوحدي.»
سامر قال:
«عمرك ما كنتِ لوحدك.»
ومن بعيد، كان لوكا واقفًا يراقبهما.
ليان التفتت إليه.
«إنت كنت عارف؟»
«عرفت من أسبوع.»
«وليه ما قلتليش؟»
«كنت عايز أتأكد إنه فعلًا أخوك.»
ابتسمت وسط دموعها.
«لأول مرة تعمل حاجة صح من غير ما تتحكم في كل حاجة.»
ضحك.
«بتتقدمي.»
—
بعد شهرين، أقامت ليان حفلًا صغيرًا.
مش حفلًا فاخرًا.
ولا قاعة مليئة بالحراس.
مجرد بيت، عيلة، أصدقاء، وموسيقى هادئة.
وقف لوكا بجانبها.
سامر كان موجودًا.
ومريم كانت ترقص في الصالة.
ليان نظرت حولها.
ثم قالت:
«لو حد قال لي من سنة إن كل ده هيحصل، كنت هضحك عليه.»
لوكا قال:
«وأنا كنت ههدده.»
ضحكت.
«لسه زعيم مافيا.»
هز رأسه.
«سابقًا.»
نظرت له.
«بجد؟»
«أيوه.»
«عملت إيه؟»
«قفلت كل حاجة.»
«كل حاجة؟»
«كل الأعمال اللي ممكن تعرضك للخطر.»
سكتت.
«ليه؟»
أمسك يدها.
«لأني فهمت إن الفلوس تقدر تشتري قصر.»
ثم نظر لعينيها.
«لكن ما تقدرش تشتري راحة البال.»
ابتسمت.
«وأنا؟»
«إنتِ ما اشتريتكِش.»
اقترب منها.
«إنتِ اخترتيني.»
—
بعد سنوات، كانت ليان واقفة أمام نافذة بيتها، والمدينة مضيئة تحتها.
لوكا كان في المطبخ يحاول يطبخ.
مريم كانت تضحك.
وسامر كان يتخانق معه على الملح.
ضحكت ليان.
قبل سنة واحدة فقط، كانت واقفة وحدها في منتصف الليل، تسمع آخر كلماته:
«دبّري لنفسك طريقة ترجعي بيها البيت.»
أما الآن…
فكان صوت لوكا يأتي من المطبخ:
«ليان! الأكل اتحرق!»
ضحكت بصوت عالٍ.
«إنت اللي عملته!»
«يبقى ساعديني!»
«لا، دبّر لنفسك طريقة تاكل بيها!»
ساد الصمت لثانية.
ثم انفجر الجميع بالضحك.
ليان دخلت المطبخ.
لوكا ابتسم لها.
«دي أول مرة ترديلي الجملة.»
اقتربت منه.
«عشان المرة دي أنا عارفة إنك هتفضل مستنيني.»
«هستناك طول عمري.»
وضعت رأسها على كتفه.
وخارج النافذة، كانت القاهرة تلمع تحت ضوء الليل.
لم تعد ليان زوجة رجل تخافه المدينة.
ولم يعد لوكا الرجل الذي يظن أن الحب يعني الحراسة والسيطرة.
كانا فقط رجلًا وامرأة…
اختارا بعضهما.
كل يوم.
من جديد.
وفي النهاية، لم تكن ليان هي التي هربت من لوكا.
ولم يكن لوكا هو الذي أنقذ ليان.
الحقيقة كانت أبسط من كل المؤامرات:
هما أنقذا بعضهما من النسخة التي كانا عليها قبل أن يلتقيا.
وكان ذلك…
أول بيت حقيقي عاشاه معًا.
حكايات شروق خالد
مرت ثلاث سنوات أخرى.
كانت ليان واقفة في حديقة البيت، تراقب طفلتها الصغيرة وهي تجري خلف الفراشات.
لوكا كان جالسًا تحت الشجرة، يحمل كوب القهوة ويضحك.
للحظة، لم تصدق ليان أن الرجل نفسه الذي كانت القاهرة كلها تخشاه أصبح يضحك بسبب طفلة عمرها عامين.
اقتربت منه.
«سرحان في إيه؟»
ابتسم.
«فيكي.»
«بعد كل السنين دي؟»
«خصوصًا بعد كل السنين دي.»
جلست بجانبه.
لكن قبل أن تكمل كلامها، توقفت سيارة سوداء أمام البوابة.
نزل منها سامر.
كان وجهه مختلفًا.
جادًا.
لوكا وقف فورًا.
«في إيه؟»
سامر اقترب.
«وصل ظرف.»
أعطاه له.
ليان نظرت للظرف.
«من مين؟»
سامر هز رأسه.
«مافيش اسم.»
فتح لوكا الظرف.
سقطت منه صورة واحدة.
ليان رفعتها.
وتجمدت.
كانت صورة لوالدها.
لكن المشكلة لم تكن في الصورة.
المشكلة أن الصورة كانت حديثة.
مكتوب خلفها:
«أنا لسه عايش.»
ليان لم تستطع التنفس.
«ده مستحيل.»
لوكا أخذ الصورة.
ظل ينظر إليها طويلًا.
ثم قال:
«واضح إن الماضي مش عايز يموت.»
سامر قال:
«الصورة اتاخدت من أسبوع.»
ليان شعرت بالخوف يعود إليها.
لكن لوكا أمسك يدها.
«المرة دي مش هنهرب.»
نظرت إليه.
«هنعمل إيه؟»
ابتسم.
«هنروح نجيبه.»
—
في اليوم التالي، وصلوا إلى عنوان الصورة.
مزرعة قديمة في الصحراء.
دخل لوكا وسامر أولًا.
ليان خلفهما.
كان البيت مهجورًا.
حتى وجدوا بابًا حديديًا في الأرض.
فتحه سامر.
نزلوا درجات طويلة.
وفي نهاية الممر…
كان هناك رجل جالس على كرسي.
شعره أبيض.
وجهه أكبر من الصورة.
لكن ليان عرفته فورًا.
«بابا.»
رفع الرجل رأسه.
ابتسم.
«ليان.»
جرت نحوه.
لكنها توقفت قبل أن تلمسه.
«إنت كنت عايش؟»
هز رأسه.
«أيوه.»
«ليه سبتني؟»
لم يجب.
دموعها نزلت.
«ليه خليتني أفتكر إنك ميت؟»
قال بصوت ضعيف:
«عشان أحميكي.»
ضحكت بمرارة.
«كل الناس قالت الجملة دي.»
نظر إلى لوكا.
«وأنت الوحيد اللي قدرت تحميها من غير ما تخنقها.»
لوكا لم يرد.
ليان قالت:
«إيه اللي حصل لأمي؟»
والدها أغلق عينيه.
«أمك كانت عارفة كل حاجة.»
«وفريد؟»
«كان مجرد أداة.»
«ومنسور؟»
«كان جزء من شبكة أكبر.»
لوكا قال:
«لسه فيه حد فوقه؟»



