روايات وقصص

«كوباية اللي كشفت سر عيلة المنصوري» ج1 حكايات شروق خالد

الساعة كانت 8:17 مساءً في ليلة جمعة ممطرة في شيكاغو، لما شفت سلمى المنصوري، أخت واحد من أخطر زعماء المافيا في المدينة، وهي بتوقع كوباية الشمبانيا من إيدها، وعرفت فورًا إنها مش مجرد دوخة. الكوباية ما كانتش حتى لمست الرخام لما شفت وش سلمى بيتغير. الناحية اليمين من وشها ارتخت.

 

حاولت تقول اسم أخوها، لكن اللي خرج منها كان صوت متقطع ومش مفهوم.

وبعدين إيدها اليمين مدت ناحية الترابيزة، لكنها ما قدرتش توصل لها.

صرخت:

— اتصلوا بالإسعاف!

كل الكلام في المكان وقف.

واحد من رجالة آدم وقف قدامي.

— ارجعي لورا.

وقعت الصينية من إيدي.

— قولوا لهم احتمال تكون جلطة. وآخر وقت كانت فيه حالتها طبيعية بالضبط الساعة 8:17.

مسك معصمي.

وفي اللحظة دي، آدم المنصوري وقف.

كان عنده ستة وتلاتين سنة، ومسيطر على شركات شحن، وعقود مقاولات، وملاهي ليلية، وأعمال تانية أغمق من كده بكتير، لدرجة إن كل اللي في شيكاغو كانوا عارفين إن الأفضل ما يسألوش أسئلة.

قبل ما حفلتهم تبدأ، الموظفين حذروني.

ممنوع تبصي.

ممنوع تقاطعي.

ممنوع تلمسي أي حد على ترابيزتهم.

كسرت القواعد التلاتة في أقل من عشر ثواني.

بصيت لآدم وقلت:

— لو ضيعتوا دقيقة تانية وأنتم بتقرروا إذا كان مسموح لي أساعدها ولا لأ، ممكن عمرها كله يروح من غير ما تقدر تتكلم تاني.

الصمت ابتلع المكان كله.

تغيرت ملامح آدم.

— سيبها.

رجله ساب معصمي فورًا.

نزلت على ركبتي جنب سلمى.

— بصي لي.

عينيها المليانة رعب اتحركت بصعوبة ناحيتي.

— ابتسمي.

ناحية واحدة بس من شفايفها اتحركت.

— ارفعي إيديك الاتنين.

إيدها الشمال ارتفعت.

أما اليمين فتحركت بالكاد.

معدتي اتقبضت.

كنت شفت الحالة دي مرات كتير قبل كده.

قلت بسرعة:

— محدش يديها أكل أو مية أو أسبرين.

واحد من اللي قاعدين على الترابيزة قطب جبينه.

— الأسبرين بيساعد في حالات الجلطات.

رديت فورًا:

— وممكن يخلي النزيف في المخ أسوأ لو كانت الجلطة نزيفية. إحنا مش هنعرف غير بعد الأشعة.

آدم كان باصص لي.

— إنتِ نادلة.

بصيت له بثبات.

— الليلة دي أنا مش مجرد نادلة.

حاجة في إجابتي خلته يسكت.

لفيت ناحية نادل تاني.

— فضّي مدخل المطعم عشان الإسعاف يدخل بسرعة.

وبعدين رجعت أبص لآدم.

— بتاخد أدوية لسيولة الدم؟

— لأ.

— حبوب منع الحمل؟

اتردد.

— معرفش.

حركت سلمى إيدها الشمال بضعف.

آدم قرب منها.

— هي بتاخدها؟

هزيت راسي.

— عندها صداع نصفي؟ مشاكل في القلب؟ نوبات صرع؟

— لأ. عندها سبعة وعشرين سنة. وصحتها كويسة.

قلت بهدوء:

— الناس اللي صحتهم كويسة ممكن يجيلهم جلطات برضه.

شد آدم فكه، كأن مجرد المعلومة دي أساءت إليه شخصيًا.

وفجأة، صوت سيارات الإسعاف بدأ يبان من بره.

بصيت للساعة.

8:21.

أربع دقايق.

كويس.

بعد أقل من دقيقتين، المسعفين دخلوا بسرعة.

أول مسعف وقف لما شافني.

— نادين؟

قلبي اتقبض.

— أهلًا يا باسم.

عينه اتحركت من الزي الأسود الرخيص اللي لابساه إلى سلمى.

— إنتِ بتشتغلي هنا دلوقتي؟

— الموضوع مش مهم.

التدريب سيطر عليّ فورًا.

قلت بسرعة:

— ست، سبعة وعشرين سنة. حصل لها فجأة عدم تماثل في الوجه، وصعوبة في الكلام، وضعف في الذراع اليمين. آخر وقت كانت فيه طبيعية بالضبط الساعة 8:17. مفيش أدوية معروفة لسيولة الدم، ومفيش أي نشاط يدل على نوبة صرع. الأعراض ظهرت قدامنا مباشرة.

اختفت المفاجأة من وش باسم.

— 8:17؟

— بالضبط.

خلال دقائق، كانت سلمى على النقالة.

آدم مشي ورا أخته ناحية الباب.

أما أنا فضلت مكاني.

لأن الزجاج المكسور كان لسه مالي الأرض، ولأن طردي من المطعم كان معناه إني مش هقدر أدفع الإيجار.

نزلت على ركبتي وبدأت أجمع قطع الزجاج.

وبعدين حسيت بحد بيراقبني.

رفعت عيني.

كان آدم واقف عند الباب.

عينيه اتحركت من كوباية الشمبانيا المكسورة إلى الزي اللي لابساه.

ست كانت من ثواني قليلة بس بتأمر رجالة كاملين في حالة طبية طارئة، ودلوقتي راكعة على الأرض بتنضف ورا ناس ما تعرفهمش.

ملامحه بقت مستحيل تتقري.

قال:

— إنتِ مين؟

إيدي اتجمدت وهي ماسكة قطعة زجاج.

ولأول مرة في الليلة دي، فهمت إن آدم المنصوري ما بقاش بيبص لي باعتباري نادلة.

كان عايز يعرف أنا مين بجد.

حكايات شروق خالد

رفعت عيني لآدم، وأنا لسه ماسكة قطعة الزجاج بين صوابعي.

— نادين.

كرر اسمي ببطء، كأنه بيحاول يحفظه.

— نادين إيه؟

سكتُّ لحظة.

— نادين حسن.

— وإيه اللي يخلي نادلة تعرف تحدد وقت ظهور الأعراض بالثانية؟

رجعت أبص لقطعة الزجاج في إيدي.

— الخبرة.

قرب خطوة.

— خبرة في إيه؟

قبل ما أجاوبه، واحد من رجاله قرب منه وقال بصوت منخفض:

— العربية جاهزة يا آدم بيه.

آدم ما بصلهوش.

عينيه فضلت عليّ.

— إنتِ كنتِ دكتورة؟

سؤاله نزل عليّ كأنه ضربة.

شدّيت إيدي على قطعة الزجاج.

— كنت.

لأول مرة، ظهر شيء مختلف في عينيه.

— كنتِ؟

— دي مش قصتك.

— دلوقتي بقت قصتي.

ضحكت ضحكة قصيرة من غير أي فرحة.

— أختك هي اللي في المستشفى، مش أنا. روح لها.

فضل ساكت ثانيتين، وبعدها قال:

— لو سلمى حصل لها حاجة…

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى