
«تعال لوحدك.»
وبعدها:
«ولو جبت رجالك، مش هتشوفها تاني.»
لوكا قفل الهاتف.
نادر قال:
«مش هتروح لوحدك.»
«هروح.»
«دي ممكن تكون فخ.»
لوكا ارتدى جاكته.
«أنا عارف.»
«يبقى ليه رايح؟»
لوكا نظر إلى صورة ليان.
«لأنها المرة الأولى اللي حد ياخد مني حاجة وأنا لسه عايش.»
ثم أضاف:
«ومش هسمح له يحتفظ بيها.»
—
قبل ما يخرج، وقف أمام المرآة.
تذكر آخر كلمة قالها لها.
«دبّري لنفسك طريقة ترجعي بيها البيت.»
ضغط على عينيه.
«سامحيني.»
ثم خرج.
—
بعد ساعة، توقفت سيارة لوكا أمام مخزن قديم على أطراف القاهرة.
نزل وحده.
فتح الباب.
«فريد!»
ضحكة خرجت من الظلام.
«لسه فاكر اسمي.»
لوكا دخل.
فريد ظهر.
وفي يده سلاح.
وليان كانت خلفه.
لوكا نظر إليها.
«ليان.»
عيناها امتلأتا بالدموع.
«لوكا…»
فريد قال:
«خطوة واحدة، وهي تموت.»
لوكا رفع يديه.
«خدني بدلها.»
ليان صرخت:
«لأ!»
فريد ضحك.
«شايف؟»
ثم نظر للوكا.
«هي لسه بتحبك.»
لوكا قال:
«إنت عايز إيه؟»
«الحقيقة.»
«قول.»
«أبوك سرق مني كل حاجة.»
«أبويا مات.»
«بس أسراره عاشت.»
فريد اقترب من ليان.
«والدك يا ليان ما كانش رجل أعمال بريء.»
ليان هزت رأسها.
«أنا عارفة.»
فريد ابتسم.
«لأ. إنتِ ما تعرفيش.»
ثم أخرج ورقة قديمة.
«والدك كان شريك أبو لوكا.»
لوكا تجمد.
«إيه؟»
«والاتنين كانوا بيهربوا أموال وبيخفوا أسماء رجال كبار.»
ليان قالت:
«أنا مش فاهمة.»
فريد نظر إليها.
«أمك اكتشفت الحقيقة.»
سكت.
«وعشان كده ماتت.»
لوكا اندفع خطوة.
«إنت قتلتها؟»
فريد ابتسم.
«أنا أمرت.»
ليان شهقت.
«إنت؟»
«لكن أبو لوكا هو اللي نفذ.»
ساد الصمت.
لوكا لم يتحرك.
كل شيء كان ينهار داخله.
أبوه.
أمه.
والدة ليان.
الجواز.
كل شيء.
فريد قال:
«أبوك كان عايز يخرج من اللعبة. لكن أمك عرفت أكتر مما ينبغي.»
ثم نظر إلى ليان.
«وقبل ما تموت، خبّت الدليل الوحيد.»
لوكا سأل:
«فين؟»
فريد ابتسم.
«مع ليان.»
ليان بصت لنفسها.
«فين؟»
فريد قال:
«في الحاجة اللي أخدتيها من القصر قبل ما تمشي.»
السلسلة.
ليان رفعت عينيها.
«السلسلة؟»
لوكا فهم في اللحظة نفسها.
«السلسلة فيها الدليل.»
فريد قال:
«بالضبط.»
ثم رفع سلاحه.
«وعشان كده… مش هتخرجوا من هنا أحياء.»
لكن قبل ما يضغط الزناد…
انفجر صوت رصاصة من أعلى المخزن.
سقط السلاح من يد فريد.
وفي نفس اللحظة، دخل نادر ورجاله من الأبواب الجانبية.
فريد حاول الهرب.
لوكا اندفع ناحية ليان.
فك قيودها.
وضمها إليه بقوة.
ليان كانت بتترعش.
«كنت عارفة إنك هتيجي.»
لوكا شد عليها.
«أنا آسف.»
«على إيه؟»
«على آخر كلمة قلتها لك.»
بكت.
«أنا كنت مستنياك تقولها من زمان.»
فريد حاول يهرب.
لكن الشرطة قبضت عليه.
وقبل ما يخرج، صرخ:
«لوكا! اسأل أبوك عن اللي حصل في الليلة اللي اتولدت فيها ليان!»
لوكا تجمد.
نظر إلى ليان.
هي كمان سمعت.
«اتولدت؟»
—
بعد أيام، فتحت ليان السلسلة.
كان بداخلها مفتاح ذاكرة صغير.
وفيه تسجيل.
صوت أمها.
«لوكا… لو أنت بتسمع ده، يبقى ليان في أمان.»
سكت الصوت.
«أوعى تكرهها بسبب أخطاء أبوها.»
ثم قالت:
«ليان ما كانتش السبب في موت أي حد.»
«هي كانت السبب في نجاتك.»
لوكا نظر لليان.
التسجيل استمر:
«أبوك أنقذني مرة، لكنه خانني بعدها.»
«وأبوك يا ليان… كان بيحاول يوقفه.»
«الاتنين ماتوا بسبب نفس السر.»
ثم جاءت الجملة الأخيرة:
«لوكا، لو بتحب بنتي يومًا… احمِها من الحقيقة، لحد ما تبقى قوية تعرفها بنفسها.»
انتهى التسجيل.
ليان كانت تبكي.
لوكا مسك إيدها.
«أنا ما كنتش عارف.»
«ولا أنا.»
«كنت فاكر إني بحميك.»
«وأنا كنت فاكرة إنك بتخنقني.»
ابتسم بحزن.
«يمكن الاتنين كانوا صح.»
سكتت.
ثم قالت:
«إنت لسه عايزني أرجع القصر؟»
نظر لها طويلًا.
«لو رجعتي، هترجعي بإرادتك.»
«ولو ما رجعتش؟»
«هفضل أحترم قرارك.»
«حتى لو مشيت؟»
«حتى لو مشيتي.»
اقتربت منه.
«ولو رجعت؟»
ابتسم لأول مرة من غير خوف.
«هفتح لك الباب بدل ما أقف حارسك عليه.»
ضحكت وسط دموعها.
«إنت اتغيرت.»
«إنتِ اللي علمتيني.»
—
بعد ستة أشهر، كان البيت القديم في شبرا اتصلح.
ليان قررت ما ترجعش للقصر.
ولوكا ما اعترضش.
بالعكس، كان بييجي كل مساء تقريبًا.
من غير حراس.
من غير بدلات سوداء.
من غير أوامر.
وفي ليلة هادئة، كانوا واقفين قدام البيت.
ليان قالت:
«فاكر آخر ليلة؟»
«كل ثانية.»
«كنت واقفة هنا لوحدي.»
«وأنا كنت فاكر إني خسرتك.»
«وأنا كنت فاكرة إني أخيرًا هقدر أعيش من غيرك.»
ضحك.
«وقدرتي؟»
نظرت له.
«لأ.»
سكت لحظة.
ثم قال:
«ليان.»
«نعم؟»
«أنا مش عايزك ترجعي لمراتي اللي كانت عايشة في قصري.»
اقترب منها.
«عايزك تبقي مراتي اللي تختارني كل يوم.»
ابتسمت.
«وأنت؟»
«هختارك كل يوم.»
وضعت يدها في يده.
وفي نفس اللحظة، كانت كاميرا مراقبة في آخر الشارع بتسجل المشهد.
لكن المرة دي…
ما كانش فيه فان بيضاء.
ولا رجل ملثم.
ولا خوف.
فقط لوكا وليان، واقفين جنب بعض، والبيت الصغير وراهم.
أما القصر في الزمالك، فبقى مجرد مكان من الماضي.
والجملة اللي قالها لها في آخر ليلة قبل اختفائها…
«دبّري لنفسك طريقة ترجعي بيها البيت.»
بقت مع الوقت أكتر جملة ندم عليها في حياته.
لأنه اكتشف أخيرًا إن البيت الحقيقي…
ما كانش القصر.
ولا القاهرة.
ولا حتى البيت اللي كبرت فيه.
البيت الحقيقي كان المكان اللي يقدر فيه اتنين يحبوا بعض…
من غير خوف.
ومن غير أقفاص.
ومن غير ما واحد فيهم يضطر يهرب عشان يقدر يتنفس.
وكانت ليان أخيرًا حرة.
ولوكا…
لأول مرة في حياته، عرف إن القوة الحقيقية مش إن الناس تخاف منك.
القوة الحقيقية…
إن الشخص اللي تقدر تخسره، يختار يفضل معاك.
حكايات شروق خالد
مرت سنة كاملة.
لم تعد ليان تعيش في القصر، ولم يعد لوكا يرسل حراسًا خلفها كلما خرجت من البيت.
كان يتعلم ببطء كيف يحبها من غير ما يمتلكها، وكيف يحميها من غير ما يحبسها.
لكن شيئًا واحدًا ظل ناقصًا.
الحقيقة الأخيرة.
في مساء هادئ، وصل ظرف إلى بيت ليان.
لا اسم.
لا عنوان.
فقط صورة قديمة لأمها.
وخلفها جملة:
«لو عايزة تعرفي مين كان أبوك بيحاول يحميه ليلة موتهم، تعالي لوحدك.»
ليان فضلت باصة للصورة.
ثم اتصلت بلوكا.
«ما تروحش.»
«فين؟»
«وصلني ظرف.»
سكت لوكا.
«ابعتيه لي.»
«لا.»
«ليان.»
«المرة دي أنا اللي هواجه الماضي.»
«مش لوحدك.»
«أنا مش عايزة أهرب منك.»
صمت.
ثم قال:
«هستناك على بعد شارع.»
ابتسمت.
«اتفقنا.»
—
وصلت ليان إلى العنوان.
كان بيتًا قديمًا على أطراف القاهرة.
دخلت.




