روايات وقصص

السر اللي قلب حياته كلها حكايات شروق خالد

الرجل هز رأسه.

«كان فيه.»

«مين؟»

رفع عينيه.

«أبوك.»

ساد الصمت.

ليان بصت للوكا.

لكنه لم يتحرك.

والدها أكمل:

«والد لوكا هو اللي بدأ كل شيء.»

«لكن ليه؟»

«الفلوس.»

ثم أضاف:

«لكن لما حاول يتراجع، اكتشفت إنه كان بيخطط يسلّم الشبكة كلها للشرطة.»

لوكا قال:

«عشان كده مات؟»

«أيوه.»

ثم نظر إلى ليان.

«وأمك ماتت لأنها كانت الوحيدة اللي عرفت الحقيقة.»

سكت.

«وأنا اختفيت لأنني كنت الشاهد الأخير.»

—

خرجوا من المكان قبل الغروب.

لم يتكلم أحد.

وفي السيارة، ليان كانت تنظر من النافذة.

لوكا مد يده.

أمسكتها.

«إنت كويس؟»

«مش عارفة.»

«ولا أنا.»

ثم ابتسمت.

«بس المرة دي عندنا بعض.»

قال:

«وده كفاية.»

—

بعد شهر، أدلى والد ليان بشهادته.

تم فتح الملفات القديمة.

ظهرت أسماء كثيرة.

وانتهت واحدة من أكبر الشبكات التي ظلت مختبئة لسنوات.

أما لوكا…

فترك كل ما تبقى من أعماله القديمة.

بدأ شركة قانونية.

مشروع نظيف.

وحياة هادئة.

أما ليان، فافتتحت مكتبة صغيرة في السيدة زينب.

كانت تحب المكان.

وفي أول يوم افتتاح، دخل لوكا.

قال:

«أهو أنا جيت.»

ابتسمت.

«متأخر.»

«كنت بشتري حاجة.»

«إيه؟»

أخرج صندوقًا صغيرًا.

فتحتْه.

كان فيه الجاكت الجينز القديم.

نفس الجاكت اللي كانت ترتديه يوم قبلها لأول مرة.

«إنت لسه محتفظ بيه؟»

«من أول يوم.»

ضحكت.

«ليه؟»

قال:

«عشان أفكر نفسي إن كل حياتي اتغيرت بسبب واحدة رفضت تركب العربية.»

ضحكت.

«ولو رجع بيك الزمن؟»

اقترب منها.

«كنت هفتح لك الباب.»

«وبس؟»

«وأقول لك…»

توقف.

ثم ابتسم.

«خدي وقتك. أنا مستني.»

وضعت يدها في يده.

«وأنا كنت هرجع.»

—

في تلك الليلة، وقفت ليان أمام نافذة المكتبة.

القاهرة كانت مزدحمة كعادتها.

لكن قلبها كان هادئًا.

لم يعد هناك قصر.

ولا حراس.

ولا رجال يراقبون الشوارع.

ولا أسرار تخاف منها.

فقط حياتها.

اختيارها.

وعائلتها.

ولوكا.

الرجل الذي بدأ قصته معها بجملة قاسية:

«دبّري لنفسك طريقة ترجعي بيها البيت.»

وانتهت قصتهما بجملة مختلفة تمامًا.

وهو واقف أمام باب بيتهم، فاتحه لها، ويقول:

«البيت هنا… ادخلي وقت ما تحبي.»

ابتسمت ليان.

ودخلت.

وأغلقت الباب خلفها.

هذه المرة…

لم يكن الباب قفصًا.

كان بيتًا.

وكان قلبها…

أخيرًا حرًا.

حكايات شروق خالد

مرت خمس سنين.

وفي صباح هادي، كانت ليان قاعدة في البلكونة، بتشرب قهوتها، بينما بنتها الصغيرة «تالا» كانت بتجري في الحديقة وهي بتضحك.

لوكا خرج من البيت وهو شايل حقيبة صغيرة.

ليان بصت له باستغراب.

«رايح فين؟»

«مشوار.»

«مشوار إيه؟»

ابتسم.

«هتعرفي بعدين.»

«لوكا.»

«أيوه؟»

«أنا مش بحب كلمة بعدين.»

ضحك.

«عارف.»

قرب منها، باس جبينها، ومشي.

لكن قبل ما يركب عربيته، وقف فجأة.

رجع لها.

«نسيت حاجة.»

«إيه؟»

مسك إيدها.

«دي.»

«إيه؟»

«إنتِ.»

ضحكت.

«روح بقى.»

«حاضر.»

راقبته وهو يركب العربية.

لكن بعد دقائق، رن هاتفها.

رقم مجهول.

ردت.

مافيش صوت.

«ألو؟»

صمت.

ثم جاء صوت رجل عجوز:

«ليان… لو عايزة تعرفي ليه أبوكي اختفى كل السنين دي، اسألي لوكا عن اللي حصل في الليلة اللي اتولدتِ فيها.»

تجمدت.

«مين؟»

انقطع الخط.

ليان فضلت ماسكة الهاتف.

ثم بصت ناحية الباب.

كان لوكا قد عاد.

واقف على بعد خطوات.

وشه كان شاحبًا.

عرف من نظرتها إنها سمعت.

«إنت كنت سامع؟»

هز رأسه.

«أيوه.»

«مين كان بيتصل؟»

«مش عارف.»

اقترب منها.

«بس أنا عارف حاجة واحدة.»

«إيه؟»

«إن الموضوع خلص.»

ليان حدقت فيه.

«إنت بتكدب.»

صمت.

كانت أول مرة منذ سنوات تشوف الخوف الحقيقي في عينيه.

«لوكا… إيه اللي حصل ليلة ما اتولدت؟»

خفض عينيه.

«أبوك أنقذ حياتي.»

«إزاي؟»

«كان فيه محاولة لقتلي.»

سكت.

«وأبوك هو اللي أخذني من المكان.»

ليان عقدت حاجبيها.

«وبعدين؟»

«اختفى.»

«وليه؟»

لوكا لم يرد.

«لوكا!»

قال أخيرًا:

«لأنه اكتشف إن الشخص اللي حاول يقتلني… كان أمي.»

تراجعت ليان خطوة.

«أمك؟»

«أيوه.»

«بس أمك ماتت.»

«بعدها بسنة.»

ساد الصمت.

ثم قال:

«وأبوك كان عنده دليل يثبت إنها كانت بتشتغل مع الشبكة.»

«وعشان كده اختفى؟»

«عشان يحميني.»

ليان بدأت تستوعب شيئًا.

«يعني أبويا…»

«كان بيحميكِ وبيحميني.»

دمعت عيناها.

«طول عمري كنت فاكرة إنه هرب.»

«هو ما هربش.»

«أمال راح فين؟»

لوكا أمسك يدها.

«كان عايش في مكان قريب.»

«فين؟»

«في المستشفى اللي اتولدتِ فيها.»

ليان شهقت.

«إيه؟»

«أبوك كان بيروح هناك كل سنة في يوم ميلادك.»

«وأنت كنت تعرف؟»

«عرفت من أسبوع.»

«وليه ما قلتليش؟»

نظر لها.

«لأن أبوك طلب مني ما أقولش غير لما تكوني مستعدة.»

ضحكت من شدة الصدمة.

«وأنا هكون مستعدة إمتى؟ بعد عشرين سنة كمان؟»

ابتسم بحزن.

«عشان كده لازم نروح دلوقتي.»

—

بعد ساعة، وصلت ليان للمستشفى القديم.

المكان كان شبه مهجور.

دخلت مع لوكا.

مشوا في ممر طويل.

وفي نهايته، كان فيه باب صغير.

لوكا فتحه.

وكان هناك رجل جالس بجوار النافذة.

شعره أبيض.

ظهره منحني.

لكن ليان عرفته فورًا.

«بابا…»

رفع الرجل رأسه.

ابتسم.

«كبرتي.»

انهارت دموعها.

«إنت كنت هنا؟»

«كل سنة.»

«ليه ما جيتش لي؟»

«كنت خايف.»

«من إيه؟»

«من الناس اللي كانوا عايزين يقتلوكِ عشان يوصلوا لي.»

اقتربت منه.

«أنا كرهتك.»

هز رأسه.

«من حقك.»

«وكنت محتاجاك.»

«عارف.»

«وأنا كنت فاكرة إنك سبتني.»

بكى.

«ما سبتكيش يوم.»

احتضنته.

ولأول مرة منذ طفولتها، شعرت ليان أن جزءًا مكسورًا بداخلها بدأ يلتئم.

من بعيد، كان لوكا واقفًا.

والد ليان نظر إليه.

«خلي بالك منها.»

لوكا قال:

«دي مش وصية.»

«ليه؟»

«لأنها مش محتاجة حد يحرسها.»

ثم نظر إلى ليان.

«أنا بس هفضل جنبها.»

ابتسم والدها.

«يبقى اتعلمت.»

—

بعد أسابيع، عادت ليان إلى حياتها الطبيعية.

لكنها لم تعد نفس المرأة.

فقد سامحت والدها.

وأغلقت آخر صفحة من الماضي.

وفي ليلة عيد ميلادها، أقام لوكا لها مفاجأة صغيرة.

لا قصر.

لا رجال أعمال.

لا كاميرات.

فقط العائلة.

مريم.

سامر.

والدها.

وتالا.

ولوكا.

وقف أمامها وأعطاها صندوقًا صغيرًا.

فتحته.

كانت فيه سلسلة فضية جديدة.

لكن هذه المرة، لم يكن فيها سر.

ولا مفتاح.

ولا تسجيل.

فقط قلب صغير.

قال لها:

«دي أول حاجة أديها لكِ من غير ما يكون وراها أي خوف.»

ابتسمت.

«وعد؟»

«وعد.»

علقت السلسلة حول رقبتها.

ثم قالت:

«فاكر أول ليلة؟»

«مستحيل أنساها.»

«كنت بتقول لي دبّري لنفسك طريقة ترجعي بيها البيت.»

ابتسم.

«وأنا ندمت عليها كل يوم.»

«عارف إيه الغريب؟»

«إيه؟»

«إن الجملة دي هي اللي خلتني أفهم إن لازم يكون عندي بيت أقدر أرجع له بنفسي.»

نظر لها.

«وعملتيه.»

«لأ.»

هزت رأسها.

«إحنا عملناه.»

مد يده.

مسكتها.

وكانت تالا تجري حولهما وهي تضحك.

في تلك اللحظة، فهم لوكا شيئًا لم يفهمه طوال حياته.

إن الرجل مش بيبقى قوي لما الناس تخاف منه.

ولا لما يملك المال.

ولا لما يقدر يخلي مدينة كاملة تسمع كلامه.

القوة الحقيقية…

إنه يقدر يخسر كل شيء، ومع ذلك يختار يكون إنسانًا.

وليان لم تكن المرأة التي أنقذها.

كانت المرأة التي جعلته يريد أن ينقذ نفسه.

وفي نهاية كل يوم، كان هناك باب واحد فقط يهمهما.

باب بيتهم.

وكان مفتوحًا دائمًا.

لأن هذه المرة…

لم يكن أيٌّ منهما مضطرًا للهروب.

النهاية.

السر اللي قلب حياته كلها

حكايات شروق خالد

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى