
اتنين توأم عندهم خمس سنين اتسابوا على كرسي في مطار القاهرة، من غير بوسة، من غير وداع، ومن غير حتى حد يبص وراه يشوف هما بيعيطوا ولا لأ. مرات أبوهم كانت فاكرة إنها تقدر تركب الطيارة وتختفي، لكنها ما كانتش تعرف إن الراجل اللي كان بيراقبها من الناحية التانية من صالة المطار كان خلاص قرر إن الطفلين دول عمرهم ما هيتسابوا تاني.
كنت ماشي ناحية الصالة الخاصة لما شوفتها.
ست لابسة بالطو بيج، بتجر شنطة غالية وراها، وبتتحرك بسرعة ناحية البوابة رقم 17 كأن المطار كله مولع. وراها طفلين صغيرين بيحاولوا يلحقوها.
ولد وبنت.
نفس الشعر الأشقر الكيرلي. نفس العيون الزرقا الواسعة. ونفس الخوف الساكت اللي مالي عينيهم.
الولد كان حضن دبدوب صغير لصدره، والبنت ماسكة إيده كأنها لو سبته، هما الاتنين ممكن يختفوا.
وقفت مكاني.
رجالتي وقفوا ورايا.
قال محمود بصوت واطي:
“يا باشا، الطيارة اتنقلت للصالة الشمالية.”
ما رديتش.
فضلت أبص للست وهي بتشاور بعصبية على صف من الكراسي السودا جنب البوابة. الطفلين نفذوا كلامها فورًا.
وده لوحده كان كفاية يخليني أفهم.
الولد قعد الأول. والبنت قعدت جنبه، لازقة فيه كتف بكتف، وإيديها الصغيرين متشابكين في حجرها.
الست بصت لهم ثانية واحدة.
وبعدين لفت، سلمت بطاقة الركوب لموظف البوابة، ودخلت من البوابة.
ما بصتش وراها.
ولا مرة.
المطار كله فضل بيتحرك كأن مفيش حاجة حصلت. ناس بتجري ورا شنطها، ناس ماسكة موبايلات، وناس بتشرب قهوة… وكلهم بيعدوا على بُعد خطوات من الطفلين من غير ما حد ياخد باله منهم.
لكن أنا شفتهم.
شفت إيد الولد وهي بتشد أكتر على الدبدوب.
وشفت البنت وهي بتبص ناحية الباب اللي اتقفل، لحد ما دقنها بدأت تترعش.
ومعيطوش.
وده أكتر حاجة وجعتني.
الطفل اللي بيصدق إن حد هييجي عشانه بيعيط.
إنما الطفل اللي عارف إن محدش جاي… بيسكت.
اتحركت قبل ما أفكر.
محمود حاول يمسك دراعي.
“يا باشا…”
بعدت إيده واتجهت ناحية الطفلين.
لما نزلت على ركبتي قدامهم، البنت بصتلي بعينيها الزرقا، وما خافتش.
وده وجعني أكتر.
قلت لها بهدوء:
“مامتكم فين؟”
الولد بص للدبدوب.
وبعدين قال:
“دي مش مامتنا.”
صوته كان ثابت.
كأنه حفظ الجملة دي واتقالت قدامه كتير.
بلعت ريقي وقلت:
“طب اسمكم إيه؟”
قالت البنت بصوت واطي:
“أنا ليلى.”
وأشارت للولد.
“وده أخويا… عمر.”
“عندكم كام سنة؟”
قال عمر:
“خمسة.”
وبعدين بصلي وقال:
“إحنا توأم.”
قعدت جنبهم بدل ما أفضل واقف فوق راسهم. رجالي اتوزعوا حوالي المكان، لكن أشرت لهم يرجعوا بعيد.
قلت:
“في حد جاي ياخدكم؟”
ليلى هزت راسها ببطء.
لأ.
حسيت صدري برد فجأة.
طول عمري، أنا أحمد الدمنهوري، الراجل اللي الناس بتخاف من اسمه. ما بترددش. ما بلينش. وما بدخلش في حياة حد إلا لو الفلوس أو السلطة أو الدم ليهم علاقة بالموضوع.
لكن الطفلين دول كانوا قاعدين قدامي كأن الدنيا كلها نسيتهم.
وحاجة جوايا اتكسرت.
سألتهم:
“تعرفوا باباكم فين؟”
شفايف عمر اترعشت.
ليلى هي اللي ردت بهدوء:
“بابا مات.”
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
“وهي قالت إننا بقينا حمل عليها.”
محمود شتم تحت نفسه.
رفعت عيني ناحية البوابة المقفولة، وبعدها رجعت بصيت للتوأم.
مرات أبوهم كانت فاكرة إنها هربت في السما.
كانت غلطانة.
طلعت موبايلي واتصلت مكالمة واحدة.
قلت بصوت بارد:
“وقفوا الطيارة… ودوروا على الست اللي لابسة بالطو بيج.”
إيد ليلى الصغيرة دخلت جوه إيدي.
وفي اللحظة دي، أخدت قرار واحد.
الطفلين دول عمرهم ما هيتسابوا تاني.
البوابة كانت اتقفلت خلاص، لكن أحمد الدمنهوري ما كانش الراجل اللي يمشي ويسيب طفلين خايفين وراه.
إيد ليلى الصغيرة فضلت متعلقة بإيده، بينما عمر كان حضن الدبدوب كأنه آخر حاجة فاضلة له من بيته.
مرات أبوهم كانت فاكرة إنها هربت في السما، لكن كان فيه سر مخفي هيهرب بيه أكبر بكتير من مجرد مسؤولية طفلين.
ولما أحمد عرف إن أبوهم كان في يوم من الأيام واثق فيه وسايب له سر خطير، كل حاجة اتغيرت.
حكايات شروق خالد
بعد ما قفل المكالمة، أحمد حط الموبايل في جيبه وبص للتوأم.
ليلى كانت لسه ماسكة إيده.
سألها بهدوء:
“هي مرات أبوكم قالتلكم إيه قبل ما تمشي؟”
ليلى سكتت.
عمر بص حواليه، وبعدها قرب من أخته وهمس:
“ما تقوليش.”
أحمد لاحظ الخوف في عينيه.
قال:
“أنا مش هزعقلكم. ومحدش هيزعقلكم هنا.”
ليلى بصت له فترة طويلة، كأنها بتحاول تقرر إذا كان ينفع تثق فيه ولا لأ.
وبعدين قالت:
“هي قالت لنا إن لو سألنا عن الظرف… نقول إننا معرفش.”
أحمد اتجمد.



