
ناولني موبايله.
كان فيه تسجيل كاميرا.
فتحت الفيديو.
الساعة كانت اتنين وسبعة وعشرين دقيقة بالليل.
ممر الخدمة.
ظهر محمود جابر.
وظهر وراه شخص تاني.
شخص لابس جلابية غامقة ووشه مش واضح.
لكن لما وقف تحت النور، قدرت أشوف إيده.
خاتم فضة.
وفيه علامة صغيرة على شكل صقر.
اتعرفت عليه فورًا.
الخاتم ده مش غريب عليا.
كنت شوفته قبل كده.
في إيد شخص قريب جدًا مني.
بصيت لكريم.
“مين كان معاه؟”
كريم هز راسه.
“لسه مش عارف.”
رجعت للفيديو.
وفجأة شفت حاجة تانية.
قبل ما محمود يخرج، حط ظرف أبيض فوق الطاولة.
دخلت الصورة على الظرف.
كان عليه اسم مكتوب بخط اليد.
ملك.
سكت.
قلبي اتقبض.
ليه حد بيحط ظرف باسم طفلة عندها أربع سنين؟
بصيت لسعاد.
“ملك قالتلك قبل كده حاجة عن الفلوس؟”
سعاد اترددت.
“هي… قالتلي حاجة.”
“إيه؟”
“قالت إن في واحدة ست كانت بتدخل لها الأوضة بالليل.”
اتغيرت ملامحي.
“مين؟”
سعاد هزت راسها.
“ملك ما قالتش اسمها.”
خرجت من المكتب بسرعة.
لقيت نجلاء واقفة في الصالة، وملك قاعدة جنبها.
لما شافتني، قامت بصعوبة.
“أستاذ ياسين؟”
نزلت لمستواها.
“ملك.”
حضنت الأرنب القماش لصدرها.
“نعم؟”
“إنتِ شوفتي حد دخل أوضتك بالليل؟”
سكتت.
نجلاء قربت منها.
“لو مش فاكرة يا حبيبتي، عادي.”
ملك بصت لي.
وبعدين همست:
“كانت بتقول لي ما أقولش لحد.”
حسيت الدم بيغلي في عروقي.
“مين كانت؟”
ملك بدأت تفكر.
وبعدين رفعت إيدها الصغيرة وأشارت ناحية السلم.
“الست اللي شعرها طويل.”
بصيت لفوق.
السلم كان فاضي.
“وكانت بتقول إيه؟”
ملك ضغطت على الأرنب.
“كانت بتقول إن باباكي مش لازم يعرف.”
اتجمدت.
أنا عمري ما كان عندي أطفال.
وملك كانت بتناديني أحيانًا “أستاذ ياسين”.
لكن الجملة دي ما كانتش منطقية.
بصيت لنجلاء.
وشها كان أبيض.
“نجلاء.”
هي ما ردتش.
“ملك تقصد مين؟”
نجلاء بدأت تبكي.
“أنا كنت خايفة أقول.”
“قولي.”
“الست دي…”
سكتت.
“مين؟”
رفعت عينيها لي.
“كانت بتسأل ملك عن والدها الحقيقي.”
الصالة كلها سكتت.
بصيت للطفلة.
“ملك عندها أب؟”
نجلاء حطت إيدها على بوقها.
لكن قبل ما تجاوب…
رن تليفوني.
رقم مجهول.
رديت.
ما حدش اتكلم.
بس سمعت صوت طفلة صغيرة جدًا من الناحية التانية.
“أستاذ ياسين…”
اتجمدت.
كان صوت ملك.
لكن ملك كانت واقفة قدامي.
وبتسمع المكالمة.
الصوت رجع مرة تانية:
“لو عايز تعرف مين سرق فلوسك…”
سكت ثانيتين.
وبعدين قال:
“اسأل مين مات من أربع سنين.”
وانقطع الخط.
بصيت لملك.
وبعدين بصيت لنجلاء.
لأن وشها كان بيقول إن الجملة دي مش مجرد تهديد.
كانت حقيقة دفنتها من أربع سنين.
وحقيقة كان لازم أعرفها من زمان.
حكايات شروق خالد
الفصل التالي
فضلت واقف في نص الصالة، والتليفون لسه في إيدي.
صوت الطفلة اللي في المكالمة كان لسه بيرن في وداني.
“اسأل مين مات من أربع سنين.”
بصيت لملك.
كانت واقفة جنب أمها، ماسكة الأرنب القماش بكل قوتها، وعينيها مليانة خوف.
لكن أكتر حاجة خوفتني كانت نجلاء.
لأنها أول ما سمعت الجملة، جسمها كله ارتعش.
قلت بصوت هادي بشكل مخيف:
“نجلاء… مين مات من أربع سنين؟”
ما ردتش.
قربت منها.
“أنا بسألك.”
دموعها نزلت.
“يا أستاذ ياسين…”
قاطعتها.
“ما تقوليش أستاذ ياسين. قولي الحقيقة.”
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
“جوزي.”
اتجمدت.
“جوزك؟”
هزت راسها.
“أبو ملك.”
بصيت للطفلة.
وبعدين رجعت بصيت لنجلاء.
“إنتِ قلتيلي إن ملك بنتك من جوزك اللي مات في حادثة.”
“أيوه.”
“وإن الحادثة حصلت من أربع سنين.”
“أيوه.”
“يبقى إيه اللي مخوفك؟”
نجلاء غمضت عينيها.
“لأن جوزي… ما ماتش في حادثة.”
الصالة سكتت تمامًا.
كريم اللي كان واقف بعيد قرب خطوة.
“يعني إيه؟”
نجلاء بصت له بخوف.
وبعدين بصت لي.
“اتقتل.”
قلبي دق بعنف.
“مين قتله؟”
نجلاء هزت راسها.
“معرفش.”
ضربت بإيدي على طرف الترابيزة.
“كفاية!”
ملك اتخضت.
قربت منها فورًا.
“معلش يا ملك… مش قصدي أخوفك.”
مسكت إيدي.
إيدها كانت ساقعة جدًا.
قالت بصوت ضعيف:
“هو كان بيستخبى.”
نزلت لمستواها.
“مين؟”
“بابا.”
نجلاء شهقت.
ملك كملت:
“كان بيقول إن في ناس وحشة عايزة تقتله.”
بصيت لنجلاء.
“وإنتِ كنتِ عارفة؟”
دموعها نزلت.
“كنت عارفة إنه خايف.”
“بس؟”
“قبل ما يموت بيوم، اداني حاجة.”
“إيه؟”
نجلاء فضلت ساكتة.
قلت:
“إيه اللي ادهالك؟”
“مفتاح.”
كريم سأل:
“مفتاح إيه؟”
نجلاء بصت ناحية السلم.
“خزنة.”
اتغيرت ملامحي.
“فين الخزنة؟”
“مش في البيت.”
“أومال فين؟”
“هو قال لي لو حصل له حاجة، ما أفتحهاش غير لما ملك تكبر.”
بصيت لملك.
أربع سنين.
نفس المدة.
نفس الرقم اللي بيتكرر قدامي في كل حتة.
“إيه اللي جوه الخزنة؟”
نجلاء بدأت تبكي.
“معرفش.”
قربت منها.
“أمال إنتِ ليه خايفة؟”
ردت بصوت مكسور:
“لأن قبل ما جوزي يموت، قال لي اسم واحد.”
سألتها:
“اسم مين؟”
بصت في عيني.
“ياسين.”
الصالة كلها سكتت.
كريم بص لي.
وأنا فضلت ثابت.
“قال ياسين مين؟”
نجلاء هزت راسها.
“ما قالش.”
“قال إيه بالظبط؟”
مسحت دموعها.
“قال لي: لو ياسين عرف الحقيقة، ناس كتير هتموت.”
حسيت إن الأرض اتسحبت من تحتي.
“وإنتِ ليه ما قولتيليش الكلام ده من أربع سنين؟”
“كنت خايفة.”
“مني؟”
“من كل اللي حواليك.”
سكت.
فجأة كريم قال:
“ياسين.”
بصيت له.
كان بيبص ناحية باب الصالة.
الباب كان مفتوح.
لكن مفيش حد.
قال بصوت منخفض:
“إحنا مش لوحدنا.”
لفيت بسرعة.
مفيش حاجة.
خرجت من الصالة وأنا بقول:
“اقفلوا البيت كله.”
كريم لحقني.
“تفتكر مين اللي كان بيراقبنا؟”
“مش هخمن.”
“والخاتم؟”
وقفت.
الخاتم اللي عليه الصقر.
الخاتم اللي شوفته في إيد شخص قريب مني.
قلت:
“هاتلي كل التسجيلات من أول شهر.”
“كلها؟”
“كلها.”
“حتى التسجيلات القديمة؟”
“خصوصًا القديمة.”
رجعت بصيت ناحية الصالة.
ملك كانت لسه واقفة جنب أمها.
لكن قبل ما أمشي، نادتني:
“أستاذ ياسين.”
وقفت.
“نعم؟”
جريت عليا ومسكت إيدي.
“متخليش الست دي تلاقيني.”
انحنيت.
“أنهي ست؟”
بصت ناحية السلم.
“اللي شعرها طويل.”
سألتها:
“إنتِ شوفتي وشها؟”
هزت راسها.
“لأ.”
“طب عرفتيها إزاي؟”
قالت بمنتهى البراءة:
“من ريحتها.”
اتجمدت.
“ريحتها؟”
هزت راسها.
“كانت بتحط برفان ريحته زي الورد.”
رفعت عيني لنجلاء.
نجلاء كانت بتعيط.




