روايات وقصص

جوزي أقنعني إني فقيرة سنين…

قعدت برتعش وأنا لابسة جلابية المستشفى الخفيفة، وبحاول أخبي فاتورة الولادة في هدوء عشان جوزي ما يتعصبش بسبب المصاريف. كان دايمًا يفكرني إننا بالعافية عايشين، وده كان السبب إني بلبس هدوم مستعملة ألوانها بهتت من كتر الاستعمال. وفجأة، دخلت جدتي المليارديرة الأوضة. عينيها لفت على لبسي البهدلة، وبصّتلي باستياء واضح، قبل ما تقول:

 

“هو الـ300 ألف دولار اللي ببعتهم لك كل شهر مش مكفيين تشتري هدوم عدلة؟”

جسمي كله اتجمد.

سنين وأنا مصدقة إني فقيرة، لحد ما السؤال ده لوحده كشفلي الحقيقة عن الجوازة اللي كنت محبوسة فيها.

“هو الـ300 ألف دولار في الشهر مش مكفيين حتى إنك تشتري هدوم محترمة؟”

الصوت جه من عند باب أوضة الإفاقة، وكانت جدتي، زينب الشناوي.

كنت حاضنة بنتي المولودة جديد، ولابسة نفس السويت شيرت الرمادي المهلهل اللي نمت بيه الليلتين اللي فاتوا. في وقت ما، أقنعت نفسي إن حتى أبسط الحاجات بقت رفاهية إحنا مش قادرين عليها.

في الأول افتكرت إني من التعب بقيت بسمع أصوات.

بعد أربعين ساعة كاملة من الولادة العنيفة، وسط صوت أجهزة قياس الضغط المستمر، وبكاء بنتي كل ما السرير الصغير الرخيص يتحرك، كنت منهكة تمامًا.

ريحة المطهر كانت مالية الأوضة، ومختلطة بريحة اللبن الدافي.

وتحت مجلة على الكومودينو، كنت مخبية فاتورة المستشفى ووشها لتحت.

بصيت عليها تلات مرات، وكل مرة كنت بحس برعب وأنا بتخيل عصبية جوزي أحمد لما يعرف المبلغ.

بنتي، ليان، كانت نايمة بهدوء على صدري، صغيرة وناعمة لدرجة إن وزنها كان شبه معدوم.

جدتي، اللي كانت واحدة من أخطر سيدات الأعمال في البلد، ما سلمتش على حفيدتها الجديدة الأول.

عينيها الحادة اتثبتت عليا أنا.

فضلت تبص على السويت شيرت المقطوع من أطرافه، وعلى الركب المهلوكة في الليجنز الرخيص اللي لابساه، وعلى شنطة المستشفى البسيطة اللي جهزتها بنفسي، لأن أحمد كان دايمًا بيقول إن أي حاجة في المستشفى “فخ مالي مقزز”.

عينها وقعت على مرطب الشفايف الرخيص، وعلى الورق الخاص باستشارة رضاعة طبيعية كنت محتاجة لها ومش قادرة أدفع تمنها، وبعدين أخيرًا على فاتورة المستشفى اللي كنت حاشراها تحت المجلة.

دخلت جوه الأوضة، وكررت سؤالها ببطء:

“الـ300 ألف دولار في الشهر ما كانوش كفاية؟”

حلقي كان ناشف وموجوع.

جسمي كله كان بيوجعني من الولادة، ولسه آثار التعب والخياطة في كل حتة.

قلت بصوت مبحوح وأنا مش فاهمة:

“يا تيتة… إنتِ بتتكلمي عن إيه؟”

زينب الشناوي ما كانتش ست بتخاف بسهولة.

هي اللي بنت مجموعة الشناوي للتخزين من شركة صغيرة في المنطقة لإمبراطورية ضخمة تمتلك عقارات طبية وأراضي صناعية في تلات محافظات.

كانت بتواجه رجال أعمال كبار وسياسيين فاسدين من غير ما ترمش.

عمرها ما كانت محتاجة تعلي صوتها، لأن مجرد وجودها كان كفاية يخلي أي حد يسكت.

لكن جوه أوضة المستشفى المعقمة، تعبير وشها اتغير تمامًا.

ما كانش صدمة.

كان شيء أخطر بكتير.

هدوء تام ومرعب.

النوع من الهدوء اللي يخليك تحس إن الشخص مش بيتصرف بعشوائية…

ده بيجمع الأدلة قبل ما ينفذ حكمه.

قالت بصوت بارد:

“من أول يوم شغل بعد جوازك، وأنا بحول بالظبط 300 ألف دولار على حساباتك كل شهر.”

سكتت لحظة، وبعدين كملت:

“كنت فاكرة إنك عايشة ببساطة بمزاجك، وإنك بتستثمري فلوسك وبتبني ثروة لنفسك. ما خطرش في بالي أبدًا إني أنا اللي بمول الحياة البائسة دي.”

عينيها راحت تاني ناحية فاتورة المستشفى المستخبية.

300 ألف دولار.

كل شهر.

لسنين.

ليان اتحركت شوية وهي نايمة على صدري.

حضنتها أكتر من غير ما أحس، وأنا بحاول أتماسك، لكن كل حاجة كنت عارفاها عن حياتي كانت بتنهار قدامي.

قلت وأنا برتعش:

“أنا… عمري ما شفت الفلوس دي.”

أوقات الحياة مش بتنفجر مرة واحدة.
#حكايات_شروق_خالد
#حصري
أوقات الحقيقة بتتحرك سنتيمتر واحد بس، وفجأة تكتشف إن ولا حاجة من اللي حواليك بقت راكبة على بعضها.

جدتي ما شهقتش.

وما جريتش تحضني.

بالعكس، بهدوء تام فتحت شنطتها الغالية، طلعت موبايلها، واتصلت بحد.

أول ما الطرف التاني رد، قالت بحدة:

“سوزان، تعالي مستشفى قصر العيني فورًا. وهاتي كل الملفات اللي تقدري تجمعيها خلال ساعة.”

سكتت تلات ثواني وهي بتسمع الرد.

وبعدين قالت بصوت يخوف:

“أيوه… حسابات الشناوي. جمدي كل حاجة.”

وقلت المكالمة.

بصيت لبنتي ليان.

السوار الصغير اللي حوالين إيدها كان مكتوب عليه:

“ليان جريس الشناوي.”

وبصيت للسوار اللي في إيدي، وكان مكتوب عليه:

“نور الشناوي.”

لكن لأول مرة من يوم جوازي، حسيت إن اسم الشناوي مش مجرد اسم عيلة اتجوزتها…

حسيته حاجة اتسرقت مني.

جدتي سحبت كرسي بلاستيك وقعدت جنبي.

وقالت بهدوء، لكن صوتها كان فيه دقة حد بينفذ حكم نهائي:

“نور، لما اتجوزتي أحمد، أنا رتبت دعم مالي مباشر لبيتك.”

بصيتلها وأنا مش مستوعبة.

كملت:

“أنا تعمدت ما أعملش الفلوس في صندوق ائتماني باسمك، لأني ما كنتش عايزة في يوم من الأيام تحتاجي إذن راجل عشان تأمني مستقبلك.”

إيدي شدت على ملاية السرير.

قلت بصوت مكسور:

“أحمد كان دايمًا بيقول إننا بالعافية عايشين.”

بلعت ريقي وكملت:

“كان مخلينا عايشين بأقل حاجة ممكنة. حتى وأنا في الأسبوع الـ36 من الحمل، كنت بنزل شغل ورديات ليلية مرهقة في مخزن عشان هو أقنعني إننا غرقانين في الديون.”
#حكايات_شروق_خالد
#حصري
صوتي بدأ يرتجف:

“كنت بعد الفلوس بتاعة الأكل… وأحسب كل جنيه قبل ما أشتري أي حاجة.”

وش جدتي اتجمد.

عينيها اتحولت لثلج.

واللي حركته في اللحظة دي ما كانش مجرد خطة للطلاق.

كانت بداية تدمير كامل.

لأن أحمد كان مخبي ملايين الدولارات في مكان ما.

واللي ما كنتش أعرفه إن جدتي هتستخدم كل نفوذها وكل مستند وكل حساب وكل دليل عشان تخليه يدفع تمن السنين اللي عاشني فيها على إني فقيرة…

وهو كان عايش على فلوسي.

والحقيقة اللي هتظهر بعد كده كانت أسوأ بكتير من مجرد سرقة.

كانت خيانة متخططة من أول يوم في جوازنا.

حكايات شروق خالد

الحقيقة اللي كانت مستخبية ورا الفلوس

سكتت جدتي شوية، وهي باصة في وشي كأنها بتحاول تستوعب كل كلمة قلتها.

وبعدين سألتني:

“أحمد كان بيديك مصروف قد إيه في الشهر؟”

ضحكت ضحكة صغيرة مكسورة.

“مصروف؟”

هزيت راسي وأنا حاسة بدموعي بتنزل.

“كان بيديني ألفين جنيه في الشهر… ولو احتجت أكتر، لازم أبررله كل جنيه صرفته.”

وش جدتي اتغير.

“ألفين؟”

هزيت راسي.

“وكان ساعات بيخصم منهم لو شاف إني اشتريت حاجة مش ضرورية.”

إيد جدتي شدت على الموبايل لدرجة إن مفاصل صوابعها ابيضت.

قالت بهدوء:

“ومين كان بيدفع إيجار البيت؟”

“أحمد.”

“الكهربا؟”

“أحمد.”

“الأكل؟”

“من مرتبي.”

“مرتّبك كام؟”

بلعت ريقي.

“حوالي سبعة آلاف.”

لأول مرة شفت جدتي تحط إيدها على جبينها.

قالت بصوت منخفض:

“يا بنتي…”

وبعدين رفعت عينيها عليا.

“الفلوس اللي كنت ببعتها كانت داخلة على حساب باسمك؟”

“معرفش.”

“إنتِ عمرك دخلتي على حسابك البنكي؟”

هزيت راسي بالنفي.

“أحمد هو اللي كان فاتح الحساب وقت الجواز. قال إن البنك معقد وإنه هيتولى الموضوع.”

جدتي سكتت.

المرة دي ما كانش سكوت صدمة.

كان سكوت غضب.

بعد حوالي عشرين دقيقة، دخلت ست في أواخر الأربعينات، لابسة بدلة سوداء وماسكة لابتوب وملف ضخم.

جدتي أشارت لها.

“سوزان، دي حفيدتي نور.”

سوزان قربت مني وقالت:

“أنا المستشارة القانونية للمجموعة.”

وبعدين فتحت اللابتوب.

“مدام زينب طلبت مني أراجع التحويلات اللي خرجت من حسابات المجموعة باسمك.”

قلبي دق بسرعة.

“ولقيتي إيه؟”

بصتلي لحظة، وبعدين بصت لجدتي.

“التحويلات كانت منتظمة فعلًا. 300 ألف دولار كل شهر.”

شهقت.

“طيب الفلوس راحت فين؟”

سوزان فتحت ملف تاني.

“هنا المشكلة.”

لفت اللابتوب ناحيتي.

كان فيه جدول طويل من التحويلات.

“الفلوس ما كانتش بتدخل حسابك الشخصي بشكل مباشر.”

جدتي قالت:

“كملي.”

“كان فيه حساب وسيط اتفتح بعد جواز نور بشهر.”

أنا قربت من الشاشة.

“باسم مين؟”

سوزان سكتت ثانيتين.

وبعدين قالت:

“باسم شركة.”

“شركة إيه؟”

ردت:

“شركة النور للتجارة والاستثمار.”

قلبي وقع.

الاسم كان اسمي.

لكن الشركة ما كانتش بتاعتي.

أنا عمري ما سمعت عنها.

قلت:

“أنا ما أسستش شركة.”

سوزان هزت راسها.

“عارفة.”

جدتي سألت:

“مين المالك؟”

سوزان فتحت مستند تاني.

“المالك الرسمي شركة أجنبية، لكن المستفيد الحقيقي…”

سكتت.

قلت وأنا متوترة:

“مين؟”

بصتلي مباشرة.

“أحمد.”

سكتت الدنيا حواليّ.

حتى صوت الأجهزة حسيت إنه اختفى.

جدتي مدت إيدها وأخدت الورق.

بدأت تقرأ بسرعة.

وبعدين قالت:

“هو ما كانش بياخد الفلوس كلها لنفسه.”

سوزان ردت:

“لا.”

“أمال كانت بتروح فين؟”

فتحت شاشة تانية.

“استثمارات، عقارات، تحويلات، وحسابات خارجية.”

سكتت لحظة.

“وفي حاجة أخطر.”

بصيت لها.

“إيه؟”

قالت:

“من حوالي سنة ونص، بدأ يسحب مبالغ شهرية من حسابات الشركة باسم مصاريف طبية خاصة بنور.”

أنا عبست.

“مصاريف طبية؟”

سوزان هزت راسها.

“آه.”

جدتي سألت:

“كانت بتدفع لمين؟”

سوزان فتحت مستند.

“لعيادات ومستشفيات خاصة.”

أنا بصيت لها باستغراب.

“بس أنا ما رحتش المستشفيات دي.”

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى