
فضلت واقف مكاني، وعيني ثابتة على نادين. “فؤاد السيوفي.” كررت الاسم ببطء، كأني بحاول أقنع نفسي إن اللي سمعته مش حقيقي. فؤاد كان أخطر رجل دخل في حرب مع أبويا. من سبع سنين، حصلت مواجهة انتهت بانفجار عربيته على طريق السويس. أنا بنفسي شفت العربية وهي بتتحول لكتلة حديد.
الجنازة اتعملت.
والناس كلها صدقت إنه مات.
لكن دلوقتي…
مروان واقف قدامي وبيقولي إن فؤاد عايش.
والأسوأ…
إن خطيبتي كانت بتقابله.
بصيت لنادين.
“من إمتى؟”
دموعها نزلت.
“ياسين، اسمعني.”
“سألتك من إمتى؟”
“من شهرين.”
ضحكت ضحكة باردة.
“شهرين؟”
قربت منها.
“يعني وإنتِ بتختاري فستان فرحنا، كنتِ بتقابلي راجل المفروض إنه ميت؟”
“هو هددني!”
وقفت.
“هددك بإيه؟”
نادين بدأت تعيط.
“قال إنه هيقتل أخويا.”
سكت.
“أخوكي؟”
هزت راسها.
“أيوه.”
“فين أخوكي؟”
ما ردتش.
بصيت لمروان.
“دور عليه.”
مروان طلع موبايله، وبدأ يتصل برجالنا.
لكن في اللحظة دي…
سمعنا صوت خبطة قوية جاية من الدور التاني.
كلنا بصينا لفوق.
رفعت إيدي.
“محدش يتحرك.”
طلعت مسدسي من تحت الجاكت.
مشيت ناحية السلم.
خطوة.
وراها خطوة.
المكان كله كان ساكت.
لحد ما سمعت صوت طفل.
صوت بنت صغيرة.
“ماما؟”
اتجمدت.
بصيت لسلمى.
وشها اتغير تمامًا.
“ليان؟”
جريت على السلم.
“سلمى، بنتك هنا؟”
ما ردتش.
طلعت بسرعة.
ولما وصلت الدور التاني، لقيت باب غرفة المكتب مفتوح.
ليان كانت واقفة في النص، ماسكة الدبدوب بتاعها، وعينيها مليانة دموع.
جريت عليها سلمى.
“ليان!”
حضنتها بقوة.
“إنتِ جيتي هنا إزاي؟”
البنت أشارت ناحية الشباك.
“الراجل اللي لابس أسود هو اللي جابني.”
قلبي اتقبض.
“راجل؟”
هزت راسها.
“أيوه.”
سألتها:
“فينه؟”
أشارت للباب الخلفي.
جريت.
لكن مفيش حد.
الشباك كان مفتوح.
والستارة بتتحرك بسبب الهوا.
رجعت لليان.
“هو قالك إيه؟”
البنت بصتلي.
وبصوت صغير قالت:
“قال لي أقول لعمو ياسين إن خالته مش هي اللي سرقت الإسوار.”
سلمى شهقت.
نادين بصت للبنت كأنها شافت شبح.
أما أنا…
فحسيت إن دماغي وقفت.
“إيه؟”
ليان كملت:
“وقال لي أقولك إن الورقة موجودة جوه…”
سكتت.
“جوه إيه؟”
أشارت لدبدوبها.
“جوه الدبدوب.”
خدت الدبدوب من إيدها.
فتحته.
وفيه جزء صغير متخيط من الجنب.
قطعت الخياطة.
طلعت ورقة مطوية.
فتحتها.
كان مكتوب عليها بخط واضح:
“لو عايز تعرف مين خانك، متدورش على عدوك… دور على اللي نايم جنبك.”
رفعت عيني ببطء.
نادين كانت واقفة عند باب الغرفة.
وشها أبيض.
لكن الورقة كان فيها حاجة تانية.
اسم واحد.
اسم الشخص اللي كنت بثق فيه أكتر من أي حد.
مروان.
بصيت لمساعدي.
“إنت.”
مروان اتجمد.
“أنا؟”
رفعت الورقة قدامه.
“إيه علاقتك بفؤاد السيوفي؟”
“والله يا باشا ما أعرفه.”
قربت منه.
“الورقة فيها اسمك.”
“حد بيحاول يوقع بينا.”
“مين؟”
ما ردش.
وفجأة…
موبايل مروان رن.
بص للشاشة.
رقم مجهول.
رد.
“ألو؟”
الصوت اللي طلع من السماعة كان هاديًا جدًا.
لكنه كان كفاية يخلي الدم يتجمد في عروقي.
“مساء الخير يا ياسين.”
سحبت الموبايل من إيد مروان.
“فؤاد.”
ضحك الرجل في الناحية التانية.
“لسه فاكر صوتي؟”
“أنا شفتك بتموت.”
“وأنا شفت أبوك بيموت.”
سكت.
فؤاد كمل:
“بس أبوك مات وهو فاكر إنك هتكمل شغله.”
قبضت إيدي.
“إنت عايز إيه؟”
“مش عايز فلوس.”
“أمال عايز إيه؟”
ضحك.
“عايز الحقيقة.”
“حقيقة إيه؟”
الصوت اتغير.
بقى أبرد.
“الحقيقة اللي أبوك دفنها قبل ما يموت.”
قلبي دق بعنف.
“إيه الحقيقة؟”
قال:
“إن أبوك ما اتقتلش بسبب الحرب.”
سكت لحظة.
“أبوك اتقتل لأن أقرب شخص ليه خانه.”
بصيت لمروان.
ثم لنادين.
ثم لسلمى.
فؤاد قال:
“وعلى فكرة يا ياسين…”
“إيه؟”
“اللي وقعك على السلم النهارده…”
سكت.
“مش أنا.”
وبعدين قفل الخط.



