
قلت:
“ورماني بره في المطر.”
أبويا مقلش كلمة.
لكن أنا كنت عارفة سكوت أبويا.
السكوت ده كان أخطر من أي صريخ.
قال:
“إنتِ فين؟”
بعت له موقعي.
قال:
“مترجعيش البيت.”
قلت:
“بس حاجتي—”
قاطعني:
“ولا حاجة من البيت أهم منك.”
سكت.
وبعدين قال:
“مريم، اسمعيني كويس. متكلميش حازم. متبعتيش له رسالة. متقوليش له إني عرفت.”
سألته:
“ليه؟”
قال:
“عشان لما أوصل، هو بنفسه يعرف إن اللي عمله كان أكبر غلطة في حياته.”
غمضت عيني.
قلت:
“بابا؟”
“أيوه.”
“أنا عايزاه يندم.”
صوته كان هادي جدًا.
“هيندم.”
“عايزاه يخسر كل حاجة.”
سكت لحظة.
وبعدين قال:
“لو هو اختار يخسرك، يبقى هو اللي اختار يخسر كل حاجة.”
بعد أقل من ساعة، دخلت عربيتين سودا الشارع.
نزل منهم رجالة أبويا.
أول واحد جالي كان عم سعيد، رئيس الأمن اللي أعرفه من وأنا طفلة.
أول ما شاف وشي، وشه اتغير.
“مين عمل فيكي كده؟”
قلت:
“حازم.”
شد فكه، لكنه مقلش حاجة.
وراهم نزلت واحدة ست في أواخر الأربعينات، لابسة بدلة سودة، وفي إيدها شنطة جلد.
عرفتها.
الأستاذة نجلاء، محامية أبويا ومستشارته القانونية.
قعدت قدامي على ركبتها.
بصت لوشي.
وبعدين لشنطتي اللي مرمية في المطر.
وقالت:
“مريم، أبوكي قاللي آخدك من هنا فورًا.”
هزيت راسي.
“حاضر.”
مدت إيدها تساعدني أقف.
لكن قبل ما أتحرك، قالت:
“في حاجة لازم تعرفيها.”
بصيت لها.
“إيه؟”
فتحت الشنطة الجلد.
طلعت ملف كبير.
حطته قدامي.
على أول ورقة كان فيه اسم حازم وتوقيعه.
وتحته توقيع تاني.
توقيع باسمي.
فضلت أبص للورقة وأنا مش فاهمة.
قلت:
“أنا ممضتش على ده.”
نجلاء بصت في عيني وقالت:
“عارفة.”
قلبي بدأ يدق بسرعة.
“أمال مين مضى؟”
قالت:
“ده بالضبط اللي أبوكي عايز يعرفه.”
قلبت الورقة.
وكان مكتوب فيها إنني وافقت على نقل جزء كبير من أسهم الشركة اللي باسم عيلتي إلى حازم.
لكن التاريخ كان من تلات شهور.
يعني قبل ما أعرف أصلًا إن جوزي بيخوني.
رفعت عيني لنجلاء.
“حازم كان بيسرقني؟”
قالت بهدوء:
“مش بس بيسرقك يا مريم.”
وقفت لحظة.
“هو كان بيجهز يسرق أبوكي كمان.”
سكتُّ.
كل حاجة بدأت تركب في دماغي.
الفلوس.
الصفقات.
الورق اللي كان بيطلب مني أمضيه من غير ما أراجعه.
الحسابات اللي كان دايمًا بيقول إنها إجراءات روتينية.
والمرات اللي كان بيزعل لما أقول له إني هخلي محامي أبويا يراجع الأوراق.
بصيت ناحية البيت.
المرة دي، الخوف اللي حسيت بيه مكنش على نفسي.
كان على أبويا.
قلت:
“بابا عارف؟”
نجلاء ابتسمت ابتسامة صغيرة.
“أبوكي عارف أكتر مما تتخيلي.”
وبعدين قربت مني وقالت:
“بس فيه حاجة تانية…”
“إيه؟”
فتحت الملف على آخر صفحة.
“التوقيع اللي حازم استخدمه باسمك مش هو المشكلة الأكبر.”
بصيت لها.
“أمال إيه؟”
قالت:
“المشكلة إن الورقة دي اتسجلت رسمي.”
سكتت ثانية.
“واتسجلت بموافقة شخص من داخل شركة أبوكي.”
حسيت إن الدنيا لفت بيا.
يعني الموضوع مكنش حازم وسمر بس.
كان فيه حد تاني.
حد قريب.
حد من جوه بيت أبويا وشركته.
وفي اللحظة دي، موبايلي المكسور اهتز في إيدي.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت جملة واحدة:
“لو عايزة تعرفي مين خان أبوكي… متثقيش في أي حد هيقابلك بكرة.”
رفعت عيني لنجلاء.
ولأول مرة، حسيت إن اللي حصل الليلة دي مش نهاية جوازي.
دي كانت بداية حرب.
حكايات شروق خالد
بصيت لنجلاء، وبعدين رجعت بصيت للرسالة.
“متثقيش في أي حد هيقابلك بكرة.”
قلت: “الرسالة دي وصلتلي دلوقتي.”
نجلاء أخدت الموبايل من إيدي وقرتها كذا مرة، وبعدها وشها بقى جامد.
“مين الرقم؟”
“مجهول.”
عم سعيد قرب وقال: “ممكن يكون تهديد.”
نجلاء هزت راسها.
“وممكن يكون تحذير.”
بصيت لها.
“إنتِ شاكّة في مين؟”
قبل ما ترد، موبايلي رن.
المرة دي كان بابا.
رديت بسرعة.
“بابا؟”
“مريم، وصلتي؟”
“أيوه.”
“كويس. اسمعيني، أنا عايزك تروحي البيت القديم.”
اتجمدت.
“بيت جدي؟”
“أيوه.”
“ليه؟”
سكت شوية، وبعدين قال: “عشان محدش يعرف إنك هناك.”
سألت: “حتى حازم؟”
ضحك ضحكة قصيرة من غير فرحة.
“خصوصًا حازم.”
بصيت لنجلاء.
كانت بتبصلي بتركيز.
قلت: “بابا، مين اللي مضى مكاني؟”
الصمت اللي حصل المرة دي كان أطول.
“قلت لك إني هعرف.”
“إنت عارف!”
قال بصوت حازم: “مريم، فيه حاجات لازم أقولها لك لما تكوني قدامي.”
“ليه؟”
“عشان لو قلتها لك على التليفون، ممكن حد يسمعنا.”
قلبي بدأ يدق أسرع.
“حد؟”
قال: “روحي البيت القديم. وأنا هحصلك.”
وقفل.
فضلت ماسكة الموبايل وأنا ببص للشاشة.
نجلاء قالت: “مريم، فيه حاجة لازم تعرفيها قبل ما نتحرك.”
بصيت لها.
“إيه؟”
قالت: “أبوكي مش مجرد شاكك إن فيه حد بيخونه.”
“أمال؟”
“هو متأكد.”
سكت.
“وعارف إن الشخص ده قريب جدًا منك.”
حسيت بقشعريرة في جسمي.
“قريب مني إزاي؟”
نجلاء مردتش.
دخلنا العربيات.
طول الطريق، محدش اتكلم.
كنت قاعدة في الكنبة الخلفية، وببص من الشباك على الشوارع اللي بتلمع من المطر.
من كام ساعة بس كنت فاكرة إن أكبر مصيبة في حياتي إن جوزي خانني وضربني.
دلوقتي اكتشفت إن الخيانة ممكن تكون أكبر بكتير.




