روايات وقصص

أميرة الإسطبل#حكايات_شروق_خالد

قصت شعرها الجميل لإنقاذ أخيها — ثم ظنها خطأً كصبي الإسطبل لديه

سقطت أول خصلة ذهبية في حجر ليلى، ثم تلتها أخرى، ثم غيرها. طوال أربع وعشرين سنة، لم تقص شعرها قط. كان يتدلى ليصل تقريباً إلى خصرها، كثيفاً ولامعاً يبرق تحت ضوء الشمس. وفي حياة أخذ منها الجوع كل شيء، كان شعرها الشيء الجميل الوحيد الذي سمحت لنفسها سراً بحبه. وها هو الآن ملقى على أرضية المطبخ.

هتف يوسف، شقيقها الأصغر البالغ من العمر خمسة عشر عاماً، وهو يكافح ليجلس منتصباً على سريره شاحباً بسبب الحمى: “يا ليلى، لا! ما كان عليكِ فعل ذلك.”

أجبرت ليلى نفسها على الابتسام وقالت: “بل كان عليّ ذلك. الشعر ينمو، أما الأكل فلا يظهر بالسحر.”

كان يوسف يعمل صبي إسطبل في قصر الحاكم، وأجره يكفي لإطعامهم هم الثلاثة. لكن عندما ضربته الحمى، توقف العمل والأجر، وكاد الطعام ينفد. أخبرتها إحدى الجارات أن تاجراً بالقرب من القصر يشتري الشعر الجميل لصنع شعر مستعار لنساء الأعيان، لذا قصت شعرها.

لفت والدتها الضفيرة الذهبية بعناية في قماش كتان، ثم وضعت ملابس يوسف الاحتياطية على الطاولة وقالت: “ارتدي هذه. ستكونين أكثر أماناً في السفر وحدك مرتدية زي صبي. أنت نحيفة، وبهذه الملابس لن يلاحظ أحد أنك لست يوسف.”

بعد ساعات، وصلت ليلى إلى القصر وحصلت على اثنتي عشرة قطعة فضية، وهو ما يكفي لشراء الدواء والخبز لإبعاد شبح الجوع. وحين خطت عائدة إلى فناء القصر، صرخ صبي نحوها: “يا يوسف! أين كنت؟ تعال بسرعة!”

كان على ليلى أن تصحح له الخطأ، لكنها فكرت في وظيفة يوسف؛ إذا علموا بمرضه فقد يأخذ شخص آخر مكانه وتفقد العائلة دخلها الوحيد. فسألته: “ما الذي حدث؟”

أجابها: “إنها بدرية!” وقادها إلى ساحة التدريب حيث وقف جميع السائسين ملتصقين بالسياج دون حركة. وفي وسط الساحة كانت تصارع أضخم فرس بيضاء جميلة ومرعبة وجامحة، وعلى ظهرها يجلس الحاكم سليم.

سمعت ليلى قصصاً عن سليم؛ رجل بارد وصامت ومخيف، عريض المنكبين وعيناه رماديتان كالشتاء. كانت بدرية تجمح وهو متمسك بها، لكن ليلى لاحظت شيئاً لم يلاحظه غيرها: الفرس كانت مرعوبة.

تسللت ليلى تحت السياج واقتربت من الفرس ببطء، ثم بدأت تغني الأغنية التي كانت والدتها تستخدمها لتهدئة الماعز. ببطء، توقفت الفرس عن المقاومة وهدأت.

حدق سليم إليها وسألها: “ما الذي تفعلينه؟”

بلعت ليلى ريقها وقالت: “يا مولاي… إنها خائفة. دعني أهدئها أولاً.”

وضعت كفها على عنق بدرية فتباطأ تنفسها. ترجل سليم عن ظهرها، فاقتربت الفرس فوراً من ليلى. تقدم رئيس الإسطبل بغضب ليوبخها، لكن سليم قاطعه بكلمة واحدة: “حسبك.” ثم نظر إلى ليلى وقال: “عمل جيد. سيتعامل الصبي مع بدرية من الآن فصاعداً، وسيقوم بترويضها.”

عادت ليلى إلى منزلها بالأجر والسر الذي قد يدمرهم جميعاً. اعترفت لعائلتها: “إنهم يظنون أنني يوسف.” فضحك يوسف، بينما خافت والدتها من عقاب الحاكم إذا اكتشف الأمر. لكن ليلى لم تخبرهم بالجزء الأكثر تعقيداً: أن الحاكم أمرها شخصياً بترويض حصانه.

في الأسبوع التالي، عاد سليم إلى الإسطبلات وسألها عن حال الفرس، فأخبرته بابتسامة أنها تتعلم بسرعة. قال سليم فجأة: “إنها مخصصة لعروس المستقبل.” شعرت ليلى بضغطة غريبة في قلبها لكنها هنأته.

بدأ سليم يزور الإسطبلات يومياً، وكانت ليلى تعلمه كيف يتعامل مع بدرية بهدوء. وفي إحدى المرات، لاحظ سليم معصمي ليلى النحيلين وقال: “أنت لا تأكل ما يكفي.” ثم أمر رئيس الإسطبل برفع أجر الصبي وإعطائه وجبة إضافية كل يوم، قائلاً: “إذا كان الناس في إقليمي يتضورون جوعاً، فهذا تقصير مني.”

في تلك اللحظة، فهمت ليلى أن الحاكم ليس بارداً كما يظن الجميع، وبدأ قلبها يتعلق به.

لكن في أحد الأيام، مرت نبيلة عبر الفناء وهي ترتدي الشعر المستعار المصنوع من شعر ليلى الذهبي. توقف سليم وظل ينظر إليها بفتنة، فشعرت ليلى بغيرة حارقة من شعرها هي، واعترفت لنفسها بحبها للحاكم الذي يظنها صبياً في الخامسة عشرة.

وفي اللحظة التي ظنت فيها أن وضعها لا يمكن أن يصبح أكثر تعقيداً، تعافى يوسف وقال لها بابتسامة: “سأعود للعمل غداً.” حينها أدركت ليلى أنها على وشك أن تفقد ليس فقط هوية يوسف، بل السبب الوحيد الذي كان يجعل سليم ينظر إليها.

هل تحب أن ننتقل إلى كتابة الجزء الثاني ومتابعة الأحداث؟

في الصباح التالي، وقفت ليلى أمام المرآة الصغيرة المكسورة في حجرتها. كانت تنظر إلى شعرها القصير وقلبها يعتصر ألماً. لم يكن المظهر هو ما يحزنها الآن، بل الفكرة القاسية التي تطاردها: اليوم سيعود يوسف إلى عمله في الإسطبلات، وستعود هي إلى الظل، مجرد فتاة خفية في بيت فقير، ولن يرها سليم بعد اليوم أبداً.

دخل يوسف الحجرة وهو يربط حزامه، يبدو عليه النشاط بعد أن تعافى تماماً. نظر إلى شقيقته وقال بامتنان: “ليلى… أنا لا أعرف كيف أشكرك. لقد أنقذتِ حياتنا وحافظتِ على عملي. من الآن فصاعداً سأتولى أنا كل شيء.”

ابتسمت ليلى ابتسامة باهتة وقالت: “المهم أنك بخير يا يوسف. ولكن… انتبه، الفرس بدرية أصبحت هادئة، لكن الحاكم سليم يهتم بأمرها كثيراً ويتابعها يومياً.”

سألها يوسف بدهشة: “الحاكم بنفسه؟ يتحدث مع صبي الإسطبل كل يوم؟”

أومأت ليلى برأسها ودون أن تشعر احمرت وجنتاها، فتفاديت النظر في عينيه.

في عصر ذلك اليوم، ذهب يوسف إلى القصر. ارتدي ملابسه واستلم عمله، بينما جلست ليلى في البيت تأكلها الغيرة والشوق. لم تستطع تحمل البقاء في المنزل؛ كان خيال سليم وهو يقف في الإسطبل لا يغادر عقلها.

عند الغروب، عادت قدم ليلى تسوقها رغماً عنها نحو أسوار القصر. التفت بلثام أخفى معظم وجهها ووقفت قريبة من الفناء الخارجي تحاول استراق النظر من بين ثقوب السياج الخشبي.

في تلك اللحظة، كان سليم يقف في الإسطبل، وعيناه تبحثان عن الصبي الذي اعتاد رؤيته خلال الأسابيع الماضية. تقدم يوسف نحو الفرس بدرية ليمسك بلجامها، لكن الفرس نفذت بصوت عالٍ وراجعت إلى الخلف بذعر. لم تتعرف على يوسف، ورائحة الخوف التي أطلقها الصبي عندما جأرت الفرس جعلتها تضطرب أكثر.

اقترب سليم بحواجب معقودة. نظر إلى يوسف ملياً وقال بصوت صارم: “ما بك اليوم؟ أين الهدوء الذي كنت تتعامل به معها؟ ولماذا تبدو مختلفاً؟”

ارتبك يوسف وتلعثم: “يا… يا مولاي، أنا فقط تعب قليلاً اليوم.”

خطا سليم خطوة نحو يوسف، وعيناه الحادتان تفحصانه بدقة. سليم لم يكن رجلاً عادياً؛ كان يمتلك حواساً قوية وفراسة عالية. لاحظ أن هذا الصبي أطول قليلاً، وصوته فيه خشونة تختلف عن الصوت الناعم الدافئ الذي اعتاد سماعه، والأهم من ذلك… الفرس بدرية التي تروضت تماماً ترتعد الآن خوفاً منه!

قال سليم بنبرة دافئة ولكنها تحذيرية: “أنت لست الصبي الذي كان يروض بدرية. من أنت؟ وأين هو الصبي الذي كان هنا بالأمس؟”

ارتعد يوسف وسقط على ركبتيه خائفاً: “العفو يا مولاي! العفو!”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى