روايات وقصص

مربية في جحيم العاصفة حكايات شروق خالد

غادر أربعة عشر مربياً محترفاً قصر عاصم الشريف بالفعل، وغادر اثنان في سيارة إسعاف، والآن لم يكن أمامي سوى اثنتين وسبعين ساعة بالضبط لأنجو من الأولاد الأربعة الذين وصفهم الجميع بالمستحيلين. لم أكن أستطيع تحمّل الفشل لأن أختي الصغرى كانت بحاجة إلى عملية جراحية تنقذ حياتها، ولكن قبل أن ينهي عاصم تحذيري بشأن أبنائه، طار شيء ما من فوق درابزين الطابق الثاني مباشرة نحو رأسي.

اسمي نادين.

في صباح ذلك الاثنين البارد، أنزلتني سيارة دفع رباعي سوداء خارج قصر عاصم الشريف في حي الزمالك بالقاهرة.

بوابات حديدية.

كاميرات مراقبة.

أشجار عالية تحجب الرؤية.

حراس أمن يتظاهرون بأنهم ليسوا كذلك.

نظرت إلى الفيلا وذكّرت نفسي برغبتي في التواجد هناك.

أختي بحاجة إلى جراحة.

وأنا بحاجة إلى المال.

الخوف يمكنه الانتظار.

ثم تحطم زجاج في مكان ما بالطابق العلوي.

صرخ طفل.

وضحك آخر.

وصرخ حارس أمن: “أنزلوا من هناك!”

تحطم شيء ما بقوة كافية لتهتز لها النوافذ.

نظرت إلى السائق.

“أهذا طبيعي؟”

“نعم يا فندم.”

اصطدام آخر.

توقف برهة.

“هذا الصوت كان أعلى من المعتاد.”

رائع.

في الداخل، كان القصر نظيفاً للغاية.

ولكنه كان بلا حياة بشكل غريب.

لا ألعاب.

لا صور عائلية في متناول اليد.

لا شيء يوحي بأن أربعة أولاد يعيشون هناك بالفعل.

لقد قضيت أحد عشر عاماً في العمل مع الأطفال، بما في ذلك ست سنوات في مساعدة الأطفال الذين يعانون من القسوة، والظروف الصعبة، والتعب، والحزن.

المنازل تحكي قصصاً.

وهذا المنزل كان يصرخ بأن شيئاً ما قد ساء قبل وقت طويل من وصولي.

ثم خرج عاصم الشريف من غرفة مكتبه.

واحد وأربعون عاماً. بدلة أنيقة. شيب يبدأ عند جانب رأسه.

الصحف تسميه رجل أعمال ومستثمراً كبيراً.

وآخرون يستخدمون كلمات أكثر ظلاماً.

رئيس منظومة.

منسق مهام.

رجل لا يُمزح معه.

“أنتِ نادين.”

“هذا ما يناديني به الناس عادة.”

تضيقت عيناه.

“هل تعرفين من أكون؟”

“لدي جوجل.”

كادت هذه الإجابة أن تجعله يبتسم.

تقريباً.

داخل مكتبه، شرح عاصم كل شيء.

حمزة يبلغ من العمر أحد عشر عاماً.

يوسف، تسعة أعوام.

عمر، سبعة أعوام.

مروان، ستة أعوام.

غابت والدتهم قبل أربع سنوات.

قال: “استقال أربعة عشر مربياً في أحد عشر شهراً.”

“مثير للاهتمام.”

“وغادر اثنان في سيارة إسعاف.”

رمشت بعيني.

“لم يكن ذلك في الوصف الوظيفي.”

“إنهم ليسوا أطفالاً أشراراً.”

“جيد.”

“إنهم غاضبون.”

تلك الإجابة كانت مهمة.

الأطفال الغاضبون ليسوا وحوشاً.

في العادة، هم يتألمون.

واصل عاصم: “إنهم يتشاجرون. يكسرون الأشياء. يغلقون على الموظفين في الغرف. سحب مروان إنذار الحريق لأن أحدهم صادر جهازه اللوحي.”

“هل كان هناك حريق؟”

“لا.”

“إذاً سنعمل على تحسين ذلك.”

درسني عاصم وكأنه لا يستطيع أن يقرر ما إذا كنت شجاعة أم غبية.

ثم طرح السؤال الذي كنت أخشاه.

“لماذا تحتاجين إلى هذه الوظيفة بشدة؟”

اشتدت قبضتي حول حقيبتي.

وقبل أن أتمكن من الإجابة، صرخ صوت من الطابق العلوي.

“يا بابا! إنها هنا!”

اندفع شيء ما فوق الدرابزين.

التقطته على بعد بوصات من وجهي.

كرة بيسبول.

ظهر أربعة أولاد فوقي.

أكبرهم كان يحدق بالكرة التي في يدي.

ثم فيّ.

“لقد التقطتها.”

نظرت إليهم.

“هل كان من المفترض أن يجعلني هذا أستقيل؟”

لم يجيب أحد.

ولكن خلفي، همس عاصم بشيء لم يكن من المفترض أن أسمعه.

“هذا بالضبط ما قالته المربية الأخيرة.”

اكتب “نعم” إذا كنت تريد القصة كاملة.

#حكايات_شروق_خالد
#حصري_علي_الصغحه

رمى حمزة، الأكبر، الكرة مجدداً للأعلى بكسل، بينما رمى يوسف نظرة فاحصة على حقيبتي وكأنه يقيّم مدى سرعة هروبي. أما عمر ومروان فكانا يتشاجران بصمت على حافة الدرابزين، أحدهما يشد سترة الآخر بخفة.

أخذتُ نفساً عميقاً، وضعت حقيبتي البسيطة على الطاولة بجوار الباب، ورفعت رأسي نحوهم بثبات.

“اسمعوني جيداً يا شباب،” قلت بصوت هادئ ولكنه حازم بما يكفي ليصل إليهم جميعاً. “الكرة التالية التي ستطير نحو وجهي، لن أكتفي بإمساكها… سأحتفظ بها لنفسي.”

ساد صمت قصير ومفاجئ في قاعة المدخل الواسعة. نظر بعضهم إلى بعض بذهول، غير معتادين على مربية لا ترتجف ولا تصرخ فور وصولها.

ابتسم عاصم بخفة، ابتسامة بالكاد ظهرت على شفتيه، لكنها حملت شيئاً يشبه الارتياح الخفي.

“غرفتها في الطابق الثالث، بجوار الجناح الشمالي،” قال عاصم بصوت هادئ وهو يدير ظهره ليعود إلى مكتبه. ثم أضاف دون أن ينظر إليّ: “حظاً سعيداً يا نادين… ستُحتاجينه.”

استدار حمزة ونزل الدرج ببطء، متبوعاً ببقية الإخوة الذين بدأوا يتراجعون بحذر، وكأنهم يدرسون “الفريسة الجديدة”.

حملت حقيبتي، وخطوت نحو السلالم الخشبية الواسعة، وأنا أدرك تماماً أن هذه الساعات الاثنتين والسبعين لن تكون مجرد اختبار لصبري، بل تحدياً حقيقياً من أجل إنقاذ أختي… ومن أجل هؤلاء الأربعة الذين فقدوا الأمل في كل شيء.

حكايات شروق خالد

صعدت الدرج الخشبي العريض بخطوات ثابتة، وكل خطوة كانت تزيدني إصراراً. لا وقت للخوف؛ أختي ريم تنتظرني في المستشفى، وعمليتها الجراحية المؤجلة لن تنتظر طويلاً إذا لم أحصل على الدفعة المقدمة من راتبي هذا المساء.

وصلت إلى الطابق الثالث حيث كانت الغرفة مخصصة لي. كانت واسعة ومرتبة، لكن الجو العام فيها كان بارداً، وكأن المكان لم يشهد دفئاً بشرياً منذ سنوات. وضعت حقيبتي على السرير، وغسلت وجهي بماء بارد لأستعيد تركيزي، ثم فتحت الباب ونزلت إلى الممر حيث تتوزع غرف الأولاد.

لم يكن الصوت صادراً من الطابق العلوي هذه المرة، بل من جهة المطبخ الكبير في الطابق الأرضي.

اقتربت بهدوء، مستندة إلى الحائط، لأسمع أصوات تحطيم أطباق تليها ضحكات مكتومة.

“قلت لك لا تضع الملح كله في عصير الليمون!” صاح يوسف بغضب طفولي.

“وأنا أقول لك إن هذا سيجعلها تهرب أسرع!” رد عليه عمر وهو يضحك.

دفعت باب المطبخ بهدوء ودخلت. كان المنظر يشبه ساحة فوضى مصغرة؛ الدقيق يغطي الأرضيات، والأكواب مبعثرة، والولد الصغير مروان يقف على كرسي محاولاً الوصول إلى علبة السكر، بينما يحاول حمزة – الأكبر – إخفاء ابتسامة واسعة رغم محاولته الظهور بمظهر المتجهم.

وقفتُ عند الباب مكتوفة الأيدي، وابتسامة خفيفة تسيطر على ملامحي.

“إذا كنتم تحاولون صنع مقلب، فأنتم بحاجة حقاً إلى دورة تدريبية في التخطيط،” قلت بصوت هادئ قطع فوضى المطبخ.

التفتوا جميعا نحوي بنظرات مذهولة. لم يكن أي من المربين السابقين ليدخل المطبخ هكذا؛ إما أنهم يهربون، أو يصرخون، أو يذهبون لشكاية عاصم فوراً.

تقدم حمزة خطوة للأمام، وعيناه الداكنتان تحملان تحدياً صريحاً: “هذا مطبخنا، ولستِ مرحباً بكِ هنا يا أستاذة نادين.”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى