منوعات

حكايات شروق خالد

سكت البيت كله.

وبعدين قال بصوت مكسور:

“أنا آسف.”

المرة دي، ما جريتوش أحضنه.

ما قلتلوش:

“ولا يهمك.”

قلت:

“الاعتذار بداية، مش نهاية.”

بص في الأرض.

“هعمل اللي تقوليه.”

هزيت راسي.

“مش اللي أنا أقوله.”

وبصيت لأبوه.

“اللي لازم تعمله عشان تبقى راجل مسؤول عن نفسك.”

خرج كريم من البيت بعدها بساعات.

مش مطرود.

ومش هارب.

خرج وهو عارف إن الباب مش هيتفتح لمجرد إنه ابني.

مر أسبوع.

وبعدين أسبوعين.

كنت خايفة.

طبعًا كنت خايفة.

كنت بصحى بالليل وأفتكر الضربة.

لكن مع كل يوم، الخوف كان بيقل.

وبعد شهر، جالي اتصال.

كان كريم.

صوته كان مختلف.

هادئ.

“ماما؟”

“أيوه.”

“أنا اشتغلت.”

ابتسمت رغم إني ما كنتش شايفاه.

“ربنا يوفقك.”

“وأنا بدفع إيجار الأوضة بنفسي.”

“كويس.”

سكت شوية.

وبعدين قال:

“أنا كنت فاكر إنك بتكرهيني لما قولتيلي لأ.”

غمضت عيني.

“كنت بحبك زيادة عن اللزوم.”

“يعني إيه؟”

“يعني كنت بخاف أزعلك أكتر ما كنت بخاف أخسرك.”

سكت.

وبعدين سمعته بيبكي.

“أنا آسف يا ماما.”

المرة دي قلت:

“أنا سامعاك.”

“ينفع أجيلك؟”

فضلت ساكتة لحظات.

وبعدين قلت:

“لما تكون جاهز تقعد معايا من غير خوف ولا تهديد ولا فلوس، تعالى.”

قال:

“حاضر.”

قفلت المكالمة.

وقعدت قدام الشباك.

افتكرت الولد الصغير اللي كان بيجيب لي الورد.

يمكن الولد ده ما اختفاش.

يمكن كان مستخبي تحت طبقات من الغضب، والفشل، والأنانية، والقرارات الغلط.

لكن الحقيقة الأهم إني فهمت حاجة متأخرة.

الحب مش إنك تسمحي لحد يأذيك عشان تثبتي إنك بتحبيه.

الحب ساعات بيكون كلمة “لأ”.

وساعات بيكون إنك تقفلي الباب.

وساعات بيكون إنك تخلي الشخص اللي بتحبيه يواجه نفسه لأول مرة.

#حكايات_شروق_خالد

بعد ست شهور، خبط كريم على باب البيت.

كنت لسه بنقل حاجات في المطبخ.

فتحت.

كان واقف قدامي.

وشه هدي.

لبسه بسيط.

وفي إيده كيس صغير.

طلع منه وردة واحدة.

مدها لي.

وقال:

“المرة دي اشتريتها بفلوسي.”

ضحكت.

دموعي نزلت غصب عني.

أخدت الوردة.

وقلت:

“أهو ده الفطار اللي كنت مستنياه.”

ضحك.

“هو في فطار؟”

بصيت له.

“في.”

وبعدين ضفته:

“بس قبل الفطار، هتساعدني في المطبخ.”

ضحك.

“حاضر يا ماما.”

دخل.

ولأول مرة من سنين، قفل الباب وراه من غير ما أخاف.

وساعتها فهمت إن ابني ما رجعش لي في اليوم اللي اعتذر فيه.

ولا في اليوم اللي اتعالج فيه.

ابني رجع لي يوم ما بقى قادر يدخل بيتي من غير ما يرفع صوته.

ويوم ما فهم إن أمه مش شخص يقدر يخوفه عشان ياخد منها اللي هو عايزه.

ومن يومها، كل ما أفتكر السفرة اللي فرشتها في الصبح بعد اللي حصل، أعرف إن الفطار ما كانش مصالحة.

كان نهاية لحياة كاملة من الخوف.

وبداية لحياة جديدة، اتعلمنا فيها إحنا الاتنين إن الرحمة من غير حدود ممكن تتحول لأذى…

وإن أقسى كلمة ممكن تقولها أم لابنها أحيانًا تكون:

“لأ.”

لأن كلمة “لأ” دي، في بعض الأوقات، بتكون آخر فرصة لإنقاذ الإنسان اللي بنحبه.

حكايات شروق خالد

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى