
رجعت بنتي على باب شقتي الساعة تلاتة الفجر، يوم فرحها، ولسه لابسة فستانها الأبيض.
بس ما كانتش العروسة اللي ودعتها من كام ساعة.
الطرحة كانت اختفت، والفستان متقطع من ضهره، والدم ناشف عند طرف بوقها، وعلى دراعينها كدمات غامقة بدأت تظهر قدام عيني.
وأول ما شافتني، حاولت تقول حاجة، لكن ركبتها خانتها.
لحقتها قبل ما تقع.
«ملك!»
رفعت عينيها ليا، ووشها كان مليان دموع.
وبصوت متقطع همست:
«ماما… ناهد ضربتني أربعين مرة.»
حسيت إن قلبي وقف.
«مين؟»
بلعت ريقها بصعوبة.
«ناهد… أم يوسف.»
بصيت لها من فوق لتحت، وأنا مش قادرة أستوعب اللي شايفاه.
دي بنتي اللي من كام ساعة بس كنت بزغرد لها، وبظبط لها طرحتها، وبضحك وأنا بقول لها:
«النهارده هتبقي أحلى عروسة في مصر.»
دلوقتي كانت واقفة قدامي كأنها خارجة من معركة.
مديت إيدي للموبايل.
«هتصل بالإسعاف.»
مسكت إيدي فجأة.
ضوافرها غرست في جلدي.
«لأ يا ماما… أرجوكي لأ.»
«إنتِ لازم تروحي المستشفى.»
هزت راسها بسرعة.
«قالوا لو بلغت، هيقتلوني.»
جسمي كله اتجمد.
«مين قالك؟»
بصتلي، ودمعة نزلت على خدها المتورم.
«ناهد.»
دخلتها الشقة، وقعدتها على الكنبة، وجبتلها بطانية.
وأنا بحاول أهدّيها، عقلي رجع لأول مرة شوفت فيها ناهد.
كانت من حوالي تلات شهور.
دخلت بيتنا لأول مرة مع ابنها يوسف، اللي كان المفروض يبقى جوز بنتي.
من أول لحظة، وأنا مش مرتاحة.
كانت ست في أواخر الخمسينات، لابسة دهب كتير، وبرفان ريحته مالية المكان، وبتبص على كل حاجة حواليها بطريقة غريبة.
يوسف كان بيتكلم عن الفرح، وعن القاعة، وعن السفر بعد الجواز.
أما أمه، فكانت ساكتة.
بتبص.
على الشقة.
على العفش.
على الأجهزة.
وعلى ملك.
وبعد شوية قالت وهي بتبتسم:
«ملك عندها شقة لوحدها، مش كده؟»
رديت عليها:
«أيوه.»
«فين؟»
«في التجمع.»
ابتسمت.
«سمعت إنها شقة حلوة أوي.»
بصيت لها في عينيها.
«هي بتاعة ملك.»
ردت بسرعة:
«طبعًا يا حبيبتي، ما قولتش إنها بتاعتنا.»
بس طريقتها وهي بتقول «بتاعتنا» خلتني أحس بحاجة مش مريحة.
الشقة كانت ملك ملك بالكامل.
أبوها، طارق، كان نقلها باسمها بعد ما انفصلنا.
الشقة كانت تمنها حوالي خمسة وعشرين مليون جنيه.
وكانت بالنسبة لي أمان بنتي.
أنا وطارق اتطلقنا من سنين، وكل واحد فينا راح لحاله.
لكن عمره ما اتأخر عن بنته.
ومهما كانت مشاكلنا، كنا متفقين على حاجة واحدة:
ملك لازم تبقى مأمنة مستقبلها.
بعد زيارة ناهد الأولى، بدأت الطلبات.
مرة تقول إن الفرح لازم يبقى في قاعة أكبر.
مرة تقول إن شبكة ملك بسيطة.
ومرة تقول إن ابنها يستاهل عربية أحسن.
ومرة تطلب مني أشارك في تجهيز شقة الزوجية.
وأنا كنت بحاول أعدّي الأمور.
لكن في يوم، ناهد قالتها بشكل مباشر.
«بصي يا أم ملك، إحنا مش عايزين حاجة من بنتك. بس بما إن الشقة باسمها، ممكن تنقلها باسم يوسف، وتبقى الأمور واضحة بين الزوجين.»
ضحكت من الصدمة.
«تنقل شقتها لجوزها؟»
«جوزها يا حبيبتي، مش غريب.»
رديت بهدوء:
«الشقة دي مش هتتنقل لأي حد.»
ملامحها اتغيرت.
لكنها ابتسمت بعدها.
«إنتِ فاهمة الموضوع غلط.»
«أنا فاهمة كويس.»
دخلت ملك وقتها، ولما عرفت اللي حصل، قالتلي:
«ماما، سيبي الموضوع عليا.»
بصيت لها.
«ملك، أنا مش مطمنة.»
«يوسف بيحبني.»
الكلمة دي وجعتني.
لأني سمعتها قبل كده.




