
فريدة اللي كانت نايمة ومتغطية، فتحت عينها وبصت لحمزة وهي ماسكة دبدوبها، وقالت بصوت طفولي هادئ:
“هو عمو حمزة بيلعب حرامي وعسكري؟”
الجملة دي نزلت على عقل حمزة زي الصاعقة، خلته يلف عينه لثانية للسرير عشان يشوف البنت…
وثانية واحدة كانت كفاية بالنسبة لي.
طشّت حركة من أداتي بسرعة البرق، مش في جسمه، لأ… ضربت في إيد الأداة بتاعته بالظبط، طيارت الأداة من إيده وخليتها تطير وتخبط في الحيطة وتعمل صوت طرقعة رعبت المكان!
صرخ حمزة وهو بيمسك كف إيده اللي بينزف، وما لحقش ياخد نفسه، كنت هجمت عليه زي الأسد الجائع، دفعته دفعة واحدة بكل قوتي على فكه، طيّرته على الأرض وخليته يخبط في خشب الدولاب ويقع فاقد النيّة والنطق تماماً.
مريم وقعت على ركبتها من كتر الخوف والانهيار، وجريت عليها ووطيت مستواها:
“خلاص يا مريم… كله خلص، مفيش خوف تاني.”
شيلت فريدة بحنان من على السرير وحضنتها جامد في صدري، وطلعت بيها بره الأوضة واديتها لـ “دادات سعاد” اللي كانت طالعة تجري مرعوبة من صوت الحركة.
وبعدها، نزلت ببطء لحد تحت، وعينيه مليانة دم، وبصيت للعشرين راجل اللي وقفوا مرة واحدة وانتبهوا:
“اربطوا الزبال ده… وارموه في المخزن. وفلوسه، وسلطته، وكل حاجة تخصه… انتهت من اللحظة دي.”
#حكايات_شروق_خالد
الرجالة نطوا في ثواني، ودخلوا فوق جابوا حمزة وهو بيجرجر رجليه وشارخ من الوجع، ورموه قدامي على بلاط الصالون زي الكلب.
بصيت له ونا معتدل في وقفتي، وشديت كرافتتي ببرود تام، وقلت بصوت هادئ بس مرعب:
“كنت فاكر إنك شاطر يا حمزة… بس طلعت غبي، والغباء في عائلتنا بيخلص بحركة، وأنا استخسرت فيك حركة جديدة.”
رفعت عيني لرجالة الحراسة اللي كانوا واقفين مترقبين:
“اخدوه على المخزن القديم تحت الأرض، واربطوه كويس، وسيبوه لحد ما أفكر أعمل فيه إيه بكره الصبح. ولو حد نطق بكلمة بره القصر ده، حيوته هتنتهي قبل ما تبتدي.”
سحبوه بهدوء، ورجع الهدوء يدب في القصر من تاني، بس طعم اللي حصل كان مر.
طلعت فوق تاني للاوضة، لقيت مريم قاعدة على طرف السرير، ووشها أصفر ومصدومة من اللي شافته، وفريدة نايمة في حضنها ومتمسكة بالدبدوب بتاعها كأنها بتحميها من كابوس.
قربت منهم بخطوات هادية عشان ما أزّعجش البنت، ووقفت قدام مريم. بصتلي بعيون مليانة خوف ودموع، وقالت بصوت مكسور:
“سعادة المعلم… أنا… أنا أسفة، يمكن لو مشيت من هنا، المشاكل هتبعد عنك وعن القصر…”
مديت إيدي ورفعت دقنها بلطف، وبصيت في عينيها بثبات:
“تمشي تروحي فين يا مريم؟ القصر ده بيتك، ومحدش يقدر يقربلك طالما أنا موجود. اللي حصل النهاردة ده قفلناه خلاص، وورقته اتحرقت.”
ابتسمت بكسرة، ونزلت راسها: “شكراً يا معلم.”
“مفيش شكر بين أصحاب البيت.” قلتها وأنا بطبطب على رأس فريدة النايمة بخفة. “بكرة هيكون يوم جديد، وهنفتح صفحة جديدة، ومفيش كائن على وجه الأرض يقدر يأذي حد فيكم تاني طول ما أنا عايش.”
تاني يوم الصبح، كانت الشمس طالعة على شيكاغو، أو بالأحرى “القاهرة” زي ما بنسميها في وسط دنيتنا، الجو كان رايق، بس جوه القصر كان فيه تغيير جاد.
نزلت على الصالون، لقيت دادات سعاد محضرة الفطار، ومريم واقفة بتجهيز الشاي بنفس الابتسامة القديمة بس مع نظرة أمان أكتر.
وفريدة… البنت اللي غيرت حياتي كلها في يوم وليلة، نزلت تجري على السلم وهي لابسة فستانها الصباحي، وماسكة الدبدوب بإيد وبالإيد التانية بتشاورلي:
“عمو سليم! أنا جعانة! عملت إيه في التورتة بتاعت امبارح؟”
ضحكت من قلبي… ضحكة عالية مالهاش أي علاقة بملوك المافيا ولا بوجع الكبار. شيلتها ولفيت بيها في النص، وقلت بصوت مفرح:
“التورتة كلها بقت بتاعتك يا برنسيسة… تعالي نفطر سوا.”
من اليوم ده، القصر اللي كان عبارة عن مقبرة لـ 17 أوضة فاضية، اتملى بالضحك والحياة.
بس طبعاً، في عالمنا… الأمان بيبقى دايماً هدوء ما قبل العاصفة.
لأن فيكتور رومانو، الخصم القديم اللي كان متفق مع حمزة، لسه قاعد في مكانه بيحسب خسارته، ولما هيعرف إن الخطة فشلت وإن حمزة اتقبض عليه، مش هیسكت أبداً.
وفي يوم، وأنا واقف في جنينة القصر بشرب قهوتي الصبح، وصلني جردل غريب على الباب الرئيسي، جواه كيس أسود… ورسالة مكتوبة بخط خشن:
“يا سليم… حمزة كان العينة الصغيرة، الدور جاي على البنت وأمها. الحساب لسه مخلصش.”
عيني لمعت بشرار أزرق، وكسرت الكوباية في إيدي لحد ما الدم نزلت منها، وبصيت لرجالة الحراسة وقلت بصوت جاف وثابت:
“جهزوا العربيات… رايحين نصفي حساباتنا مع فيكتور بنفسنا.”
ركبت العربية الـ “جيب” السوداء، وقدامي تلات عربيات تانية مليانة بأعتى رجالي وأشجع المعلمين اللي ما بيعرفوش الخوف. سحبنا طلقات الآليين، وصوت كشرشة الأداة كان مزيكا تانية خالص بالنسبالي.
في أقل من نص ساعة، كنا واصلين عند “الخرابة” القديمة على طريق مصر إسكندرية الصحراوي، المكان اللي فيكتور رومانو ورجالته مستخبيين فيه، وفاكرين إنهم بعيد عن عين العطار.
نزلت من العربية بخطوات بطيئة، وثابتة، ومرعبة… البلطجية بتوع فيكتور أول ما شافوني خارج من الظلمة، ورايا الرجالة، وشافوا الشر اللي في عيني، جمدوا في أماكنهم.
فتح باب المخزن الكبير برجلي بعنف، وخليته يرزع في الحيطة بصوت هز المكان.
كان فيكتور قاعد على كرسي خشب في النص، وماسك سيجار، وحوله خمسة من مرافقيه ماسكين أدواتهم. أول ما شافني، ابتسم ببرود وقال:
“أهلاً بسليم بيه… كنت حاسدك على الهدوء اللي عايش فيه، شكلك جيت برجلـ…”
قبل ما يكمل الجملة، كنت رفعت أداتي، ونشنبت بالمللي في نص الكرسي اللي جنبه، وحركة طارت فرتكت الكرسي حتت.
“قسماً بالله يا فيكتور، لو نطقت كلمة زيادة، الحركة الجاية مش هتيجي في الكرسي، دي هتستقر في نص جبهتك وريحك الطافحة دي!” صوتي طلع نبرة واطية وجافة تخلي الميت يخاف.
فيكتور بلع ريقه بصعوبة، والسيجار وقع من إيده على الأرض، ومرافقيه نزلوا أدواتهم في ثانية لما لقوا عشرين فوهة أداة متركزة على رؤوسهم من رجالي.
قربت منه خطوة، ووطيت عليه ومسكت ياقة قميصه وغرزت عيني في عينه:
“أنت تجيب سيرة البنت أو أمها على لسانك النجس ده تاني، هرميك وكلاب الصحراء تتعشى بيك.. حمزة أخويا أه غلط، بس حسابه عندي أنا جوه بيتي، مش عندك يا صرصار السوق!”
“س… سليم… إحنا ممكن نتفق…” قالها صوته وهو بيترعش.
“مفيش اتفاق يا فيكتور… السوق ده كله يعرف إن عرض عيلة العطار خط أحمر، واللي يقرب منه… ملوش دية!”
رفعت كف إيدي التاني، ودفعته دفعة واحدة فوق فكه طيّر كرسيه لوراء، وقع على ظهره على الأرض وهو بيتألم.
بصيت لرجالي:
“اربطوه هو وكل الكلاب اللي معاه، واقلبوا الخرابة دي فوقاني تحتاني، وهاتوا كل قرش وكل أداة هنا… وخدوا الزبال ده على المخزن عند أخويا، خليهم يحبسوا في أوضة واحدة، يمكن يتعلموا الرجولة سوا!”
رجعت القصر وأنا حاسس ببرود وراحة غريبة.
دخلت من الباب، لقيت “مريم” واقفة مستنياني بقلق، وفريدة نايمة على الكنبة في الصالون وماسكة دبدوبها، ودادات سعاد واقفة بتدعي.




