روايات وقصص

ليلة في مستشفى القاهرة حكايات شروق خالد

ولقيناها مرمية في المعادي بعد بلاغ مجهول من تليفون محمول مفصول.”

ضاقت عينا زين:

“هوصل للحقيقة بنفسي، مهما كان اللي ورا الموضوع.”

هز العقيد رامي رأسه ببطء وهو يخرج شيئاً من جيبه:

“قبل ما تتحرك وتولع الدنيا، فيه حاجتين لازم تفهمهم كويس يا زين.”

وقف زين أمامه مباشرة:

“إيه هما؟”

“مكان ما لقيناها… واللّي كانت حبساه معاها وقت الحادثة.”

سكت زين تماماً، وغرق الممر في صمت تام.

“إيه اللي معها؟”

مد رامي يده بظرف بلاستيكي للأدلة الجنائية يحتوي على شيء دمر هدوء زين تماماً.

لأنه في تلك اللحظة، أدرك زين أن سكرتيرته الهادئة لم تكن مجرد موظفة تسير خلفه، بل كانت تخفي سراً خطيراً بما يكفي لجعل أحدهم يحاول إيذاءها… والآن، سيبدأ رجل القاهرة رحلة مرعبة لاكتشافه!

مد زين يده ببطء وأخذ الظرف من يد العقيد رامي. فتح الغطاء البلاستيكي بعينين لا تكادان ترمشان، لتصدم بصره ورقة رسم هندسي قديمة ممزقة ومحروقة الأطراف، ملطخة بدماء جافة، ومعها مفتاح نحاسي قديم نقش عليه رمز غامض لم يره في حياته سوى مرتين: مرة في ملفات أرشيفية سرية تخص شركة الملاحة الكبرى التي أغلقها والده قبل سنوات، ومرة على الخزنة الشخصية الموجودة في مكتب فريدة بالذات.

شعر برعشة خفيفة سرت في كفه، لكن ملامحه تحجرت فوراً وامتلت بنظرة باردة وقاتلة.

نظر إلى العقيد رامي بصوت كفحيح الأفعى:

“الرسمة دي لقتوها معاها في اللحظة اللي اتهجموا عليها فيها؟”

أومأ رامي برأسه ببطء، محاولاً قراءة تعابير وجه زين الغامضة:

“وفي جيب الجاكيت التاني، كان فيه كشف حساب بنكي لشركة وهمية مسجلة باسم سكرتيرتك، متحول عليها خمسة ملايين جنيه من حساب خارجي تابع لشبكة تجارة مشبوهة في البساتين… المعادي مش صدفة يا زين، فريدة كانت بتلعب لعبة أكبر منها بكتير، أو بتلعب لعبة تخصك أنت شخصياً من وراك.”

لم يهتز زين لأكلمات المحقق، ولم تظهر على وجهه أي علامة دهشة. بل على العكس، زادت برودة أعصابه وكأن عقله بدأ للتو في ربط الخيوط ببعضها. ست سنوات من العمل الدؤوب، ست سنوات كانت فريدة فيها ظله الذي لا يفارقه، تنظم أوراقه وتعرف كل أسراره، بينما كانت تخفي سراً بهذا الحجم الخطير.

أغلق زين الظرف بقوة وأعاده لرامي، ثم قال بصوت هادئ ومخيف لدرجة جعلت الضابط يتراجع خطوة للوراء:

“فريدة مش بتاعة فلوس، ولا بتاعة تهريب يا رامي. ولو فيه حد سرق المستندات دي أو حاول يإذيها عشانها، يبقى بيلعب في مساحتي أنا، ومش هسيبه يفلت مني.”

قبل أن يرد العقيد رامي، فتح باب غرفة العناية المركزة وخرج منه الطبيب الاستشاري بملامح متعبة ومجهدة.

التفت زين نحوه بسرعة وتخطى رامي كأن لم يكن:

“طمني، فاقت؟”

تنفس الطبيب بعمق وقال:

“الحمد لله، تجاوزت مرحلة الخطر الحرج، ونزعنا عنها جهاز التنفس الاصطناعي وبدأت تسترد وعيها تدريجياً، لكنها ضعيفة جداً وممنوع عنها أي كلام طويل.”

دفع زين الباب ودخل بخطوات واسعة وثابتة، تاركاً رامي في الممر ينظر إلى أثره بدهشة.

كان الغرفة غارقة في صمت مطبق لا يكسره سوى صوت أجهزة القياس المنتظمة. اقتربت من السرير، فوجدت عيني فريدة البنيتين مروعتين ومهشوكتين، تنظران إليّ ببطء وكأنها تكافح لتتذكر أين هي ومن أمامها.

جلست على الكرسي المجاور للسرير، وضعت يدي فوق كفها البارد الموصول بالمحاليل، وقربت وجهي منها حتى تسمعني بوضوح، ثم سألتها بصوت خفيض يشبه الهمس:

“ست سنوات وأنتِ بتديري مكتبي يا فريدة… وعمري ما تخيلت إنك شايلة سر بالخطورة دي.”

تحركت شفتا فريدة الجافتان ببطء، وتجمعت دمعة حارة في محجر عينها وهي تنظر إليّ بخوف لم أره فيها من قبل:

“يا… يا زين… هما… هما مش عايزين الفلوس… هما عايزين… الملف القديم بتاع الحادثة… الملف اللي أنت فاكر إنك دفنته للأبد.”

اتسعت عينا زين بصدمة جعلت دمه يتماسك في عروقه. الملف القديم؟ الحادثة التي غيرت حياة عائلته وفقد فيها والده قبل عقدين من الزمن، والتي لم يكن يعلم بأمرها سواه وشخص واحد فقط مات منذ سنوات؟

قبل أن ينطق بحرف واحد، انطفأت أضواء غرفة العناية المركزة فجأة، وانطلق صوت إنذار خافت يعلن عن انقطاع التيار الاحتياطي، وفي نفس اللحظة، رن هاتفه المحمول برساة نصية قصيرة من رقمه الخاص، فتحها ليجد صورة فورية لرجال ملثمين يقفون الآن أمام بوابة المستشفى، وتحت الصورة جملة واحدة قصيرة:

“سلّمنا سكرتيرتك، أو نقفل المستشفى دي على اللي فيها.”

#حكايات_شروق_خالد

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى