
لم يتحرك زين من مكانه، ولم يمنحه الخوف أو التحذير فرصة ليهتز؛ بل تحولت عيناه إلى بؤرتين من الجليد المشتعل. ضغط على هاتفه بقوة حتى كادت شاشته تنكسر بين أصابعه، ثم نظر إلى فريدة التي كانت تكافح لالتقاط أنفاسها وسط الظلام الذي خيم على الغرفة إلا من وميض أجهزة المراقبة الطوارئ الخافتة.
اقترب من أذنها وهمس بصوت حازم وثابت لا يقبل النقاش:
“محدش هياخدك مني، ولا هياخد السر ده غير لما تنطقيه بنفسك.”
التفت زين وخرج بخطوات سريعة وثابتة من غرفة العناية المركزة، ليجد العقيد رامي يقف في الممر المظلم، وقد أصبح في حالة استنفار كاملة فور انقطاع النور، وبدت على وجهه علامات التوتر.
قال رامي بصوت حاد:
“الكهرباء قطعت فجأة في المستشفى كلها، وفيه حركة غريبة على البوابات برا، كاميرات المراقبة الخارجية بتتعرض للتشويش!”
لم يفاجأ زين؛ بل رد بصوت هادئ ومخيف:
“عارف… وصلتي رسالة دلوقتي بصورة اللي برة. هما مش جايين يسرقوا، هما جايين يوصلوا لفريدة قبل ما تنطق بكلمة زيادة.”
ألقى العقيد رامي نظرة غاضبة نحو المخرج، ثم قال:
“يبدو إننا لازم نتحرك فوراً ونخرجها من هنا، المستشفى بقت مصيدة.”
رفع زين يده ببطء ليوقفه، وابتسم ببرودة تامة:
“المصيدة مش لينا يا رامي… المصيدة ليهم هما.”
أخرج زين هاتفه الثاني وضغط على زر واحد، موجهاً أمراً مباشراً عبر خط مشفر لحراسه الخاصين المنتشرين خارج الأسوار:
“اقفلوا جميع مخارج الشارع المؤدي للمستشفى… مفيش كائن حي هيخرج من هنا غير بشروطي، واقبضوا على أي حد يحاول يتحرك ناحية البوابات… أنا اللي هسألهم بنفسي.”
وفي تلك اللحظة، وقبل أن يتحرك أحد، سمعوا صوت اشتباك خفيف ومكتوم قادم من جهة مدخل الطوارئ الرئيسي في الأسفل. بدأ الهجوم.
التفت زين إلى رامي، وقال بصوت حاسم:
“خليك هنا، امنع أي حد يقرب من أوضة فريدة… الحساب دوقته قربت تخلص، ومحدش هيقدر يهرب من اللي هعمله الليلة.”
تخطى زين العقيد وخطا نحو سلم الطوارئ المظلم، تاركاً وراءه عاصفة من التوتر والترقب، ومستعداً لمواجهة الماضي الذي ظن أنه دفنه للأبد.
نزل زين على درجات السلم المظلمة بخطوات واسعة وثابتة، وكل حاسة من حواسه كانت في أقصى درجات الاستعداد والتركيز. كان صدى صوت خطواته يتردد في الممر الخرساني الفارغ وكأنه طبول حرب وشيكة. في الأسفل، عند مدخل الطوارئ الرئيسي، كانت أصوات الاشتباك المكتومة تتصاعد بوضوح، مصحوبة بصوت زجاج يتكسر وأصوات أقدام ركض سريعة.
وصل إلى الطابق الأرضي وتوقف بجانب عمود خرساني ضخم قرب الاستقبال. في منتصف القاعة الواسعة، كان ثلاثة أشخاص يرتدون ملابس سوداء بالكامل وأقنعة تخفي وجوههم، يحاولون بحذر فتح الباب المصفح المؤدي للسلالم الداخلية، بينما كان بقية رجاله الأقوياء يطبقون عليهم من الخارج والداخل في كمين محكم لم يتوقعوه.
قبل أن يتحرك الملثمون، انطلقت حركة واحدة محكمة من ظل العمود، لتصيب يد أحدهم وتجعله يسقط ما في يده أرضاً بتأوه مكتوم.
في نفس اللحظة، هجم رجال زين من كل كورنر، وفي ثوانٍ معدودة، كان الثلاثة مطروحين على الأرض، مكبلي الأيدي، وأدواتهم متناثرة وسط الزجاج المحطم.
تقدم زين بخطوات هادئة وبطيئة، ووقف فوق قائد المجموعة الذي كان يتألم بشدة من يده. انحنى زين بجسده قليلاً، وأمسك بتلابيب قناعه ونزعه بقوة، ليظهر وجه شاب في أواخر العشرينيات، ترتجف شفتاه رعباً وبرداً.
نظر إليه زين بعينين جامدتين لا توحيان بأي رحمة، وسأله بصوت خفيض يشبه فحيح الأفعى:
“مين بعتكم؟ ومين فهمكم إنكم تقدروا تدخلوا مستشفى أنا فيها؟”
حاول الشاب ابتلاع ريقه بصعوبة، وقال بصوت متقطع وخائف:
“و… والله ما نعرف… واحد… واحد ما نعرفوش ظهر وفلوسه كتير… قالنا ادخلوا خدوا السكرتيرة والظرف اللي معاها وهاتوه…”
ابتسم زين ابتسامة باردة لا تصل لعينيه أبداً، ثم وقف والتفت إلى أحد رجاله الواقفين بانتباه:
“اربطوهم كويس، واقفلوا كل الأبواب والمنافذ بالكامل… محدش هيدخل ولا يخرج لحد ما أعرف مين الراجل ده.”
عاد زين أدراجه صاعداً السلالم نحو الطابق العلوي، حيث كانت فريدة لا تزال تكافح لتعود إلى كامل وعيها، وكان العقيد رامي ينتظر في الممر بملامح مشدودة.
اقترب زين من رامي وقال بهدوء مخيف:
“الرجالة مسكوا تلاتة منهم تحت… بيقولوا إن فيه شخص غامض هو اللي بعتهم وموافق يدفع أي ثمن عشان الظرف واليوم اللي فريدة تنطق فيه.”
نظر رامي إلى زين بدهشة محذرة:
“ده معناه إن السر اللي فريدة كانت محملاه أكبر بكتير من مجرد قضية قديمة… ده فيه ناس كبار قوي متورطين، وخايفين إن فريدة تقولي الحقيقة.”
فتح زين باب غرفة العناية المركزة ودخل ببطء. وجد فريدة قد فتحت عينيها بالكامل، وبدت نظراتها مستقرة نوعاً ما، رغم شحوب وجهها وضعف جسدها.
اقترب منها وجلس على نفس الكرسي بجوار السرير، ثم أخذ كفها البارد بين كفيه وقال بصوت حنون وخالٍ من أي قسوة ظهرت قبل قليل:

