روايات وقصص

حين يركع الزعيم حكايات شروق خالد

الدم كان غرقان فستاني لما لقى مريم رجعت تعيط على حرف السرير بتاعه، ولثانية مرعبة واحدة، زعيم المافيا الأعتى في وسط البلد بان خايف أكتر مني أنا شخصياً. الراجل ده كان بيأمر رجالة تختفي من غير ما يعلي صوته حتى، بس أول ما شاف اللون الأحمر بيلطخ إديّ، رمى نفسه على ركبه وصرخ بصوت كله لهفة: “قوليلي هو عوّرِك فين؟”

أنا مريم.. وعمري ما شفت سليم –المعروف بـ”البرنس”- بيركع لأي مخلوق.
لا لمشايخ، ولا لقضاة، ولا لكبار مسؤولي الدولة.
ومع ذلك، كان قاعد قدامي أهوه، بيبوظ بنطلونه التفصيل الخاص وسط الدم اللي تحتنا، بينما إيديه الاتنين كانوا بيقلبوا في كتفي، وضلوعي، ورقبتي، وذراعاتي عشان يدوروا على أي إصابة.

“مريم، بصيلي.”
غصبت عني ورفعت عيني بصعوبة لحد ما قابلت عينيه.
“هو ما طعننيش.”

سليم اتسمر مكانه.
مفيش طلقات رصاص، مفيش لحم مقطوع، ومفيش نقطة دم نازلة مني أنا. غير بس طبعة كف حمراء على معصمي من مطرح ما زفت الطين “شريف الهواري” مسكني جامد.

“دم مين ده؟”
“دم شريف الهواري.”

وسليم كان عارف كويس قوي مين ده.
الهواري كان شغال مع “خالد وهدان”، منافس سليم اللدود، وهو ملاكم قديم بنيانه كأنه حيطة وعمره ما كان بيفوت فرصة غير لما يستمتع بتعذيب اللي بيأذيهم. وقبلها بساعات، وهدان كان عارض على سليم الصلح في قعدَة سرية في وسط البلد.
وواضح إن “الصلح” معناه إنهم يبعتوا الهواري يخلص عليا.

“فين هو دلوقتي؟” سليم سأل.
“في الأووضة الخلفية بتاعة قاعة حفلات دار الأوبرا.”
“حي؟”

شفايفي كانت بترجف.
“لأ.”

سليم قام وقفل باب الأوضة بالمفتاح.
وبص لي وقال: “احكيلي كل حاجة بالتفصيل.”

حكيت له إزاي نزلت عشان أجيب الجاكيت بتاعي بعد ما المزاد الخيري خلص. الراجل المسؤول مكنش موجود، والهواري جه ورايا جوه، قفل الباب بالمفتاح، وقعد يطلب مني أرقام سرية لحسابات سليم المالية الحقيقية.
وأنا أصلاً كنت عارفة الحسابات دي كويس، عشان بقالي سنتين بساعدهم أحول أجزاء من إمبراطورية سليم الإجرامية لشركات وشغل رسمي وشرعي.
والهواري كان عارف كده برضه.
كملت بصوت واطي: “مسكني من معصمي.. وقالي مفيش مخلوق هيسمع صوت صراختك.”

فيه ملامح في وش سليم اتغيرت فجأة.
“وهددني إنه هيجرني من أسانسير الخدمة. وبعدين ضحك وقالي إن وهدان قاله إني ضعيفة وهزيلة.”

ودي كانت الغلطة الدائمة اللي الرجالة بيقعوا فيها معايا.
كانوا بيشوفوا الفساتين الرقيقة، والصوت الهادي، والست اللي دايماً فاكرة أعياد ميلاد الكل.
بس مكنوش بيشوفوا دبوس الشعر المعدن المخبي جوه شعري.

“أول ما شدني ناحيته، غرزته في رقبته.”

سليم مطلعش صوت.
“جه ورايا تاني وعاوز يكمل، رحت زاقَّة فيه شماعة الجواكت، وقع اتقلب والدبوس دخل أعمق.”

نفسي اتقطع.
“كان فيه دم يمهال.”

وبعدين حكيت لسليم الجزء اللي وجعني بجد.
“أنا حاولت أنقذه.”

عينيه ضاقت.
“ضغطت على الجرح.. وطلعت تليفونه وكلمت الإسعاف.”

وهنا رجع الهواري مسكني تاني.
“قالي لو هو مات، وهدان هيقتل أختي. كان عارف عنوان شقة نهى.. وكان عارف مدرسة ابنها كمان.”

الهواء حوالين سليم كأنه اتحول لثلج.
“وبعدين مد إيده جوه الجاكيت بتاعه‌.”
“عشان يطلع مسدس؟”

هزيت رأسي بـ”آه”.
“علشان كده بطلت أضغط على الجرح.”

الصمت مالي الأوضة كلها.
“وقفت أتفرج عليه وهو بيـموت.”

صوتي اتكسر وبكى.
“بص لي كأني خنته.. عشان بس قدرت أنجو وأعيش.”

كنت مستنية سليم ينفر مني أو يبعد.
بس العكس.. هو مسك إيدي المتلطخة بالدم.
وقال لي بصوت هادي: “أنا مرعوب.”

وشي انكمش.
وبعدين شدد على قبضته بحنان: “مرعوب إنه لمسك.. وإن وهدان كان عارف معلومات تكفي عشان يهدد عيلتك.. وإنك اضطريتِ تاخذي القرار ده لوحدك.”

إبهامه مسح دمعة نزلت على خدّي.
“بس.. أنا مش مرعوب منكِ خالص.”

بصيت ناحية التليفون الأسود المرمي على السرير.
“أنا أخدت تليفون الهواري.”

نظرة سليم حدّت وفيه لمعة ذكاء ظهرت.
“فتحت قفل الشاشة بوشّه قبل ما أمشي.”

ولأول مرة الليلة دي، حسيت كأن فيه فخر لمع في عينين سليم.
“ولقيت رسايل جاية من وهدان.”

جيت أمد إيدي على التليفون.
سليم مسك إيدي ومنعني.
“الأول.. تعالي نطلعكِ من الفستان ده.”

الدم جري في وشي من الكسوف.
جاب لي روب، ووقف ورايا، وحط صوابعه جنب السحّاب من غير ما يلمس جسمي.
“تسمحيلي؟”

وقبل ما ألحق أرد، تليفون الهواري نور على السرير.
رسالة جديدة ظهرت على الشاشة من وهدان.
والسطر الأولاني لوحده.. خلا ملامح وش سليم بأسرها تتغير تماماً بشكل مرعب.

سليم بصّ للتليفون اللي نور على السرير، وعينيه التقطت أول سطر ظهر على الشاشة من خالد وهدان.
الملامح الهادية اللي كانت مرسومة على وشه اختفت في ثانية، وحل محلها هدوء جليدي أتعس وأخطر بكتير من أي غضب ظاهر.

“بيقول إيه؟” سألت بصوت مهزوز وأنا ببلع ريقي بصعوبة.

سليم مد إيده ببطء، مسك التليفون، وعينيه متثبتة على الشاشة. قرا الرسالة بصمت، وبعدين رفع راسه وبصلي. نظرة عينيه المرة دي مكنش فيها أي خوف ولا حتى دهشة، كان فيها تصميم أسود وبارد كأن بيتعمل خطة لإبادة جماعية.

“وهدان بيبعتله بيسأله لو المهمة خلصت.. وبيقوله بالحرف الواحد:” سكت ثانية كأنه بيوزن الكلمات، “‘لو خلصت على البت اللي اسمها مريم، هاتلي راسها.. عشان اللواح ما يحسش على دمّه ويعرف إننا بنلعب في ملاعبه’.”

الكلمات نزلت عليا زي الدلو الميه الساقعة. يعني الموضوع مكنش مجرد سرقة فلوس ولا تهديد عادي.. كان مقصود أنا بالذات من الأول للآخر عشان يكسروا سليم من ناحيتي.

سليم قرب خطوة، ووشه بقى قريب مني لدرجة إني حسيت بأنفاسه. مد إيده بحركة هادية ودافئة، وبل صوابعه بحتة قماشة نضيفة كانت جنبه، وبدأ يمسح آثار الدم اللي على معصمي برقة غريبة لا يمكن تليق بواحد في مكانته ولا بالبطش بتاعه.

“خالد وهدان مفكر إنه بيلعب لعبة ذكية، وإنه يقدر يوصل لقلبي عن طريقك،” قال سليم بصوت واطي وخشن، كأنه بيكلم نفسه مش بيكملمني. “بس هو ما يعرفش إنكِ مش بس جزء من شغلي.. أنتِ الحاجة الوحيدة النضيفة اللي باقية في دنيتي.”

حسيت بقلبي بيدق بعنف، مش خوفاً منه، لإن خوفى منه راح من زمان، لكن من هول اللي جاي.
“سليم.. هتعمل إيه؟”

رمى التليفون على السرير، وعدل كف إيده على وشي بحنان بيكسر قلبي، وقال بصوت حاسم:
“هعرفه مين فينا اللي بيعرف يلعب صح.. وهخليه يتمنى لو إنه اتقابل مع أهوال جهنم ولا إنه فكر بس يبص لكِ نظرة واحدة.”

سحب إيده ببطء، وفتح باب الأوضة، ونادى بصوت عالي وواحش رجاله اللي كانوا واقفين بره مستنيين الإشارة:
“جهّزوا العربيات.. واتصلوا برجالتنا في الجيزة وإمبابة.. الليلة دي، مفيش نوم لحد ما نجيب راس وهدان على طبق من ذهب.”

#حكايات_شروق_خالد

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى