روايات وقصص

سرار في المطبخ: 20 سنة من الكذب ج2 .حكايات شروق خالد

مرت شهور على اليوم ده.. شهور كانت عبارة عن رحلة تعافي حقيقية لينا إحنا الاتنين.

أنا و”حسن” بدأنا نزور أهلنا وعمامنا في المنطقة القديمة. ناس بسيطة وعلى باب الله، بس قلوبهم مليانة دفء وحنية عمرنا ما دوقناها في بيت “كريمة”. حكولنا عن أمنا “سعاد” الله يرحمها، قد إيه كانت طيبة وبتحبنا وهي لسه بتتحرك بينا في بطنها، وعن أبونا اللي كان بيشتغل ويكدح عشان يؤمن لقمة حلال ويستنى اليوم اللي يشوفنا فيه.. وعن الوجع والظلم اللي عاشوه لما “كريمة” استغلت موتهم واستقوت علينا وقطعت صلة الرحم عشان تأكل حقنا وتحس بالسيطرة.

لأول مرة في حياتنا، رحنا زارنا مدافن أمنا وأبونا. وقفت أنا و”حسن” قدام القبر والدموع في عينينا، بس المرة دي ما كانتش دموع قهر ولا كسرة.. كانت دموع إحنا بنقولهم فيها:

— إحنا عرفنا الحقيقة.. وعرفنا قد إيه كنتم بتحبونا، وسامحناكم وفخورين بيكم.

أما “كريمة”، فحاولت تتصل بينا كذا مرة.. في الأول كانت بتتصل بتزعق وتهدد، وبعدها بدأت تبعت رسائل ترجي وتتحايل، أصلها اكتشفت إن المعاش والقرشين اللي كانت بتستغلنا عشانهم خلاص ما بقوش يوصلولها، وإن الظهر اللي كانت بتتسند عليه عشان يخدمها في كبرها خلاص اتكسر بظلمها.

بس إحنا ما رديناش.. مش كره ولا انتقام، بس لأننا أدركنا إن فيه ناس في الحياة وجودهم في حياتك مسموم، وقطعهم هو العلاج الوحيد.

النهاردة، لما بفتكر الـ 60 ثانية اللي سمعتهم في المطبخ ده، بعرف إن ربنا كان بيكتبلي بداية جديدة. لو ما كنتش سمعت الكلام ده بالصدفة، كان زماني لسه لحد النهاردة باصص للأرض، حاسس إني عبء ورخيص، وبحاول أرضي ست ما بتشبعش.

ساعات الحقيقة بتبقى صدمة وبتوجع، بس وجعها بيحرر.. والنهاردة، أنا و”حسن” عايشين مرفوعين الرأس، عارفين أصلنا وفصلنا، ومطمنين إننا ما كناش مجرد هامش في حياة حد.. إحنا كنا أمل ورجاء لناس تحبنا بجد.

بعد كل السنين دي، قدرت أنا و”حسن” نأسس حياتنا على نظافة ونبني بيوت مقفولة على طمأنينة وراحة بال.

“حسن” خطب واحدة من بنات عمنا في المنطقة القديمة، بنت أصول وعارفة ربنا، وأنا ربنا كرم شغلي في التصميم وبدأت أفتح مكتبي الخاص. كل ما كان بيعدي علينا يوم دافئ وجميل، كنا بنفتكر إن العوض بتاع ربنا كبير أوي، وإن الوجع اللي عشنا فيه زمان كان مجرد غيامة وعدت.

وفي يوم، جالي إشعار على التليفون.. رسالة من رقم غريب. فتحتها ولقيتها من “كريمة”:

“يا طارق.. أنا تعبانة ومحدش يسأل عني.. أمي الحاجة زينب ماتت الشهر اللي فات وأنا قاعدة في البيت لوحدي مش لاقية حد يجيبلي لقمة.. أنا ربّيتكم، سامحوني يا ولادي.”

بصيت للرسالة كتير.. ما حسيتش بجمود أو كره، ولا حسيت بشماتة. حسيت بس بفقر وإشفاق على ست عاشت عمرها كله تحيك ألاعيب وكذب لحد ما لقت نفسها في الآخر لوحدها تمامًا، حصاد اللي زرعته بطول السنين.

وريت الرسالة لـ “حسن”، بصلي وقال بهدوء:

— ربنا يسامحها ويغفرلها.. بس إحنا عملنا اللي علينا وزيادة، وربنا يرحم أمنا سعاد وأبونا.

رديت عليه بابتسامة صافية:

— الحمد لله يا حسن.. الحمد لله إننا خرجنا من الظلمة دي بالنور.

قفلنا الصفحة دي للأبد، ومشينا في طريقنا ومستقبلنا، عارفين إن أصلنا طيب، وإن الحقيقة مهما اتغطت وكتمت بـ 20 سنة كذب.. لازم في الآخر تطلع وتنوّر صاحبها.

سرار في المطبخ: 20 سنة من الكذب

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى