
جاريث قام جاب بطانية تقيلة وحطها على كتفي، وقعد جنبي على الأرض وقال: «قوم يا بابا معايا.. لا كنيسة ولا شقة مزرية بعد النهاردة، هتروح معايا البيت الكبير، ومش هسيبك لوحدك ثانية واحدة.»
ابتسمت له بهدوء، وقلت: «أنا جاهز يا بني.. بس الأول، خليني أخلص طبق الشوربة بتاعي، عشان أربعين سنة شغل علموني إن اللقمة اللي تتعب عشانها بيبقى ليها طعم تاني خالص.»
#حكايات_شروق_خالد
بعد ما لورين مشيت وخبطت الباب وراها، الجو في الشقة هدأ فجأة.. كأن عاصفة وعدت.
جاريث فضل قاعد جنبي على الكرسي القديم، وماسك إيدي بحزن وندم، وقال بصوت مليان إصرار: «يلا بينا يا بابا، قوم جهز نفسك، أنا مش هسيبك دقيقة واحدة تاني في المكان ده».
بصيت له وابتسمت ابتسامة هادية وقلت: «استنى يا بني.. ورايا مشوار صغير لازم نخلصه الأول».
«مشوار إيه يا بابا؟ انت محتاج مستشفى أو دكتور حالاً!»
«لا يا جاريث.. مستشفى لأ، بس قسم الشرطة والمحكمة.. دول أولى بينا دلوقت».
ثاني يوم الصبح، مكنش جاريث بيهزر. النجم بتاع المحامين بتوع شركته كانوا موجودين في مكتبه، وورق الصندوق العائلي وكشوفات الحسابات البنكية كلها كانت قدامهم واضحة زي الشمس. التحويلات اللي كانت باين فيها اسم لورين بصفتها الوصية، واللي كانت بتتسحب أول بأول لحسابها الشخصي في بنك تاني، بقت أدلة دامغة مش محتاجة نقاش.
النيابة العامة ما خدتش وقت طويل في التحقيق. الأدلة كانت قاطعة: تزوير مستندات، وإساءة أمانة، واختلاس أموال مخصصة لرعاية مسن.
لما الشرطة قبضت على لورين وهي في صالون التجميل بتجهز نفسها للسفر خارج البلاد بفلوسنا، وشها اللي كان كله غرور اتكسر في ثانية.
بس الأهم من ده كله، إن فلوسي رجعت كاملة، بالمليم الواحد.
جاريث أصر إني أعيش معاه في قصره الكبير في وسط الجنينة الخضراء، وعين لي ممرض شخصي واهتم بي بكل حب واحترام. وكل ما كان يشوفني قاعد في البلكونة شارب قهوتي ورايق، كان يقعد جنبي ويقولي: «سامحني يا بابا، أنا كنت غافل».
فكنت أطبطب على كتفه وأقول له: «يا بني، اللي فات مات.. الفلوس راحت ورجعت، والناس بتبان على حقيقتها وقت الشدة.. والمهم إننا اتعلمنا الدرس، وربنا جاب حقنا لحد عندينا».
ومن يومها، فهمت حاجة أهم من كل فلوس الدنيا: إن السند الحقيقي مش في الرصيد في البنك.. السند الحقيقي هو الضهر والولد الجدع اللي لما الدنيا تيجي عليه، يوقف ويجيب حق أبوه بعزيمة راجل.
عصا الغدر وحق الأب
حكايات شروق خالد



