
بنتي حطتني في دار مسنين على بعد 80 كيلو “عشان مصلحتي” من غير ما تسألني — وبعد تلات أيام، حفيذي صاحب الـ 8 سنين جه وهو بيعيط وشايل شنطة ضهره.
وأنا عندي أربعة وسبعين سنة، كنت لسه بسوق عربيتي، وبطبخ أکلي بنفسي، وبدفع كل الفواتير في مواعيدها، وبقضي معظم فترة بعد الضهر بساعد حفيذي “ياسين” صاحب الـ 8 سنين في واجباته على ترابيزة المطبخ.
بعدين اتكعبلت على درجات السلم الخلفي.
مافيش حاجة اتكسرت، بس حصلي كدمة شديدة في وركي استدعت إني أقضي ليلتين في المستشفى. بنتي “منى” بدأت فوراً تقول إني ما بقيتش أقدر أعيش لوحدي تاني.
أنا رفضت كلامها.
الصبح يوم ما خرجت من المستشفى، قالتلي إنها تاخدني مكان “لحد ما تبقي أقوى بس”.
وبعد 80 كيلو، وقفنا قدام دار مسنين.
في الأول افتكرتها غلطت في العنوان.
لحد ما شفت شنطة هدومي محطوطة في صالة الاستقبال.
وفوقيها صورتين ببراويز كانوا في أوضة نومي.
“منى، إيه ده؟”
ما رضيتش تبص في عيني.
“ماما، أنا رتبت كل حاجة خلاص. هيبقى عندك أكل، وممرضات، وناس حواليكي طول الوقت.”
“عملتي كده من غير ما تسأليني؟”
“لو كنت سألتك، كنتِ هترفضي.”
أكيد كنت هرفض.
البيت ده هو المكان اللي ربيت فيه منى أنا وجوزي المرحوم “إبراهيم”. علامات القلم الرصاص بتاعه لسه موجودة ورا باب الخزينة لما كان بيميس طول منى في كل عيد ميلاد. “ياسين” كان ليه المج الأزرق بتاعه في الدولاب عندي، ودرج مليان ألوان جنب ترابيزة المطبخ.
منى ضغطت على إيدي.
“ده عشان مصلحتك.”
بعدها أخدت مفاتيح بيتي، وقالت إنها “هتاخد بالها من كل حاجة”، وبستني في خدي ومشت.
أول ليلة دي، بكيت بالراحة في المخدة.
بس أكتر حاجة وجعتني كانت “ياسين”.
لمدة تلات أيام، ما اتصلش بيا.
كل ما أسأل عنه، منى تديني نفس الإجابة.
“هو بيحاول يتعود يا ماما. ما تصعبيهاش عليه.”
في عصر اليوم التالت، ممرضة ظهرت عند باب أوضتي.
“في ولد صغير بره بيسأل عليكي.”
ياسين كان واقف في الممر وشنطة المدرسة لسه على ضهره.
كان بيعيط بانهيار لدرجة إن خدوده كانت محمرة من كتر البكاء.
ياسين جرى على حضني.
“تيتا، أنا مش قادر أعيش مع ماما بعد اللي عملته.”
رجعت لورا وبصيتله.
“إيه اللي حصل؟”
هز راسه بالرفض وحضن شنطة ضهره على صدره جامد.
بعدها همس: “أنا جبت حاجة من بيتك. ماكنتش عايزها تتخلص منها هي كمان.”
قلبي وقع في رجلي.
“ياسين… أنت جبت إيه؟”
إيديه الصغيرة كانت بترتعش وهو بيفتح سوستة الشنطة.
مد إيده جوه.
وفجأة أول ما شفت اللي طلعه، مسكت في طرف السرير لأن رجليا ما بقتش شايلاني…
ياسين طلع من الشنطة ألبوم الصور القديم بتاع العيلة، ومعاه علبة الصفيح الصغيرة اللي كنت بحفظ فيها جوابات جوزي المرحوم إبراهيم… وتحتيهم، كان حاطت المج الأزرق بتاعه اللي كان بيشرب فيه العصير عندي!
الولد دموعه نزلت وهو بيحط الحاجات دي على السرير وبيقول بصوت متقطع: “أنا سمعت ماما وبابا امبارح بيتقاسموا الفلوس… ماما جايبة سماسرة البيت وعارضاه للبيع من وراكي، وكانت لامة حاجتك في شكاير عشان ترميها! أنا استبيت لما نزلوا وفتحت الباب بالسرقة وجمعت الحاجات دي وجريت… لركبت المترو والأتوبيس عشان أجيلك هنا يا تيتا!”
رجليا ما شالتنيش، وقعدت على حرف السرير وأنا بحضنه بدموع مليانة قهرة وصدمة. بنتي اللي ربيتها وسهرت عليها، مستنية كدمة في رجلي عشان ترميني في دار مسنين وتبيع بيتي وعشرة عمري عشان الفلوس!
ياسين بصلي بعيون طفل كبر فجأة وقال: “أنا مش هسيبك هنا يا تيتا… وأنا مش هارجع للبيت ده تاني معاهم.”
ساعتها بس النغزة اللي في قلبي اتحولت لقوة. مسحت دموعي ومسكت إيد ياسين بثبات، وطلبت الممرضة فوراً عشان تطلبلي محامي العيلة اللي كان صاحب إبراهيم الله يرحمه.
خلال ساعتين، كان المحامي عندي في الأوضة، وحكيت له كل حاجة بالدليل والشهادة… وبدل ما أكون العجوز المكسورة اللي اتفرط فيها، بلغت عن بيع البيع بدون توكيل واسترجعت مفاتيح بيتي بالقانون.
لما منى شرفت الدار وهي بتدور على ابنها ومفكرة إنها خلاص تممت البيعة، اتفاجئت بيا واقفة على رجلي، وجنبي المحامي والشرطة.
بصيت في عينها وقلت لها بنبرة هادية بس تقطع الخلف خلف: “أنا ربيتك في البيت ده عشان تكوني لي سند… بس ابنك هو اللي طلع راجل وجبر خاطري. البيت مش هيتباع يا منى… وأنتِ مالكيش مكان فيه بعد النهاردة.”
رجعت بيتي ومعايا ياسين، والبيت اللي كانت فاكرة إنها طفت نوره، رجع يتملي بالضحك والمذاكرة على نفس ترابيزة المطبخ… بس المرة دي، وأنا متأكدة إن الجدعنة وعزة النفس رزق بيزرعه ربنا في قلوب اللي يستاهلوا.
وبالفعل، الأيام مرت ورفعت قضية حجر وإلغاء أي توكيلات كانت معاها، ورجعت حقي بالقانون كاملاً.
منى حاولت تتدخل وتعتذر وتدخل قرايبنا عشان أسامحها، بس الصدمة في الضنا بتكون أصعب من أي حاجة ثانية. سامحتها في قلبي عشان ما أشيلش غل، بس قفلت الباب اللي يجيلي منه الريح، وقطعت علاقتي بجمودها واستغلالها.
أما ياسين، ففضل معايا في البيت. أبوه وأمه لما أدركوا إن الولد رافض يرجع يعيش معاهم بسب باللي عملوه، اتفقوا إن ياسين يقعد معايا عشان يراعيني، وفي نفس الوقت يركز في دراسته بعيد عن المشاكل.
رجعت لمتنا على ترابيزة المطبخ تاني… المج الأزرق بتاعه رجع مكانه في الدولاب، وعلبة جوابات إبراهيم الله يرحمه وألبوم الصور رجعوا على التربيزة الجانبية في أوضة نومي.
وفي يوم، وأنا قاعدة بساعده في واجبه، ياسين بصلي وابتسم وقال: “عارفة يا تيتا؟ الألبوم والمج دول كان لازم يرجعوا… عشان البيت ده من غيرهم ومن غيرك ماكانش هيبقا بيت أصلاً.”
حضنته وقلت له: “أنت اللي أنقذت روح البيت ده يا ياسين… ربنا يباركلي فيك ويجعلك دايماً سند للي يحتاجك.”
وبقت القصة دي درس للكل… إن القسوة ممكن تجرح، بس الجدعنة والأصل الطيب بيطلعوا حتى من أطفال صغيرين يقدروا يغيروا كل حاجة للأحسن.



