
الكلام وقع عليا زي المية الساقعة. المينا كلها بتتكلم عني؟ أنا نور اللي طول عمري ماشية جنب الحيط وبقول يارب السِتر، أصحى الصبح ألاقي اسمي مربوط بأكبر حريقة ولعت في سوق المافيا؟
حسن أخويا بصلي بذهول، عينيه كانت مليانة أسئلة وتوتر: “نور.. هو في إيه؟ ومين المعلم ده؟ وإيه حكاية المينا والدم؟”
مسكت إيد حسن وجزيت على سناني، وبصيت لإبراهيم اللي كان قاعد على الكرسي وجرحه بينزف على القميص الأبيض: “أنا مش عايزة اسمي يتقال في مكان يا معلم! ولا أنا ولا أخويا لينا دعوة بحربك مع النجعاوي ولا مع غيره. أنا تبرعت بدمي لله ولوجه الله، مش عشان أصحى ألاقي نفسي هربانة في فيلا في التجمع وحياتنا اتجلبت رأس على عقب!”
إبراهيم بصلي بثبات عجيب، ومسح نقطة دم نزلت من جبهته، ونبرة صوته المرة دي مكنتش آمرة.. كانت فيها تقدير غريب: “الضربة اللي نزلت على النجعاوي الليلة دي مكنتش عشان ننتقم وبس يا نور.. كانت عشان يفهم هو وغيره إن اللي يلمح ضلك هأكله بسناني. إنتي مش فاهمة الناس دول يفكروا إزاي.. لو كانوا عرفوا إنك السبب في إني قمت على رجلي، كانوا هيجيبوكي من قفاكي عشان يكسروني بيكي.”
قربت منه خطوات، والغيظ كان عميني: “ومين قالك إني عايزة أبقى نقطة ضعفك ولا قوتك؟! أنا كل اللي عايزاه دوا أخويا ولقمة عيش بالحلال وتربية أبوي الله يرحمه!”
سيد درعه اليمين دخل بيننا بهدوء وهو شايل شنطة الإسعافات: “يا أنسة نور، صلي على النبي.. المعلم جرحه اتفتح تاني ودمه بيصفى، سيبيه يربط جرحه والأمور هتسلك.”
إبراهيم رفع إيده لسيد وقال بنبرة حسم: “سيب الشنطة يا سيد واطلعوا كلكم بره.”
الرجالة كلهم انسحبوا في ثواني، وأنا أخدت حسن وقعدته على كرسى بعيد وقدمتله كوباية مية، بس عينيا مكنتش مفارقة إبراهيم وهو بيحاول يفك زرار قميصه بصعوبة وألم، الشاش كان متغرق دم ولزق في الغرز.
أنا شغالة في المطعم وبشوف جروح وبفهم في الإسعافات الأولية من كتر ما حسن بيتعب.. الشغف والإنسانية جواه غلبوا خوفي منه.
قربت منه وأنا ماسكة المطهر والشاش من الشنطة: “أوعى إيدك.. هتلوث الجرح أكتر ما هو متلوث.”
إبراهيم بصلي بدهشة، وساب إيده. قعدت على الركبة قدامه وبدأت أفك الشاش بالراحة، ووشي قريب جداً من وشه. كنت حاسة بنفسه الدافئ وضربات قلبه العالية.
“إنتي مش خايفة مني يا نور؟” سألني بصوت واطي جداً كأنه بيوشوشني.
قلتله وأنا بحط المطهر على الجرح بكل حرص وهو بيجز على سنانه من الوجع: “أنا بخاف من ربنا بس يا معلم.. والجدعنة مش بالدراع ولا بالسلاح، الجدعنة إنك متجرجرش ناس غلابة في معاركك.”
ابتسم ابتسامة خفيفة باين فيها التعب: “أنا مجرّرتكيش.. إنتي اللي نطيتي في ناري بنفسك لما حطيتي إيدك في محفظتك وطلعتي كارنيه التبرع.”
خلصت ربط الجرح وقمت وقفت، وبصيت له بثبات: “واللي تنط في النار عشان تنقذ روح، تعرف تطلع منها يا معلم.. الصبح لما يطلع، أنا وأخويا هنرجع شقتنا وحياتنا. حمايتك على عيني ورأسي، بس أنا مبعش حريتي.”
إبراهيم قام وقف بالعافية، وطوله كان غاطي عليا، وبصلي بثقة مرعبة: “الخروج من هنا مش بقرارك يا نور.. النجعاوي محروق ومجروح، والذئب المكسور بيبقى أخطر. إنتي مش هتطلعي من تحت إيدي غير لما أضمن إن الشارع أمان ليكي 100%.. وده مش رجاء، ده وعد رجل.”
وفجأة، تليفون إبراهيم رن.. بص في الشاشة وملامحه اتحولت لصلابة من حديد. رد وحط التليفون على السبيكر، وصوت جاي من الناحية الثانية، صوت خشن ومبشوم بالغل:
“مبروك على الشالية الجديد يا عقاد.. فاكر إن التجمع بعيد عن أيدي؟ البنت اللي عندك دي، نور جاد، لو متسلمتليش قبل غروب شمس بكرة.. أخوها حسن مش هيشوف نور الصبح تاني!”
صوت النجعاوي في التليفون كان زي صرخة من القبر، مليان غل وشر يعرّق العظم.
حسن أخويا أول ما سمع اسمه واسمي في التليفون، كوباية المية وقعت من إيده لاتنين وأتكسرت على الأرض، ووشه أصفر زي الليمونة وبدأ ينهج وصدره يعلى ويهبط.. نوبة القلب كانت جايلو من الخوف!
جريت على حسن ومسكته: “حسن! اتنفس يا حبيبي.. اتنفس، أنا جنبك محدش يقدر يلمسك!”
إبراهيم العقاد عينيه اتحولت لكتلة نار حمرة، وقفل التليفون في وش النجعاوي ببرود يرعب، ومسك التليفون طربقه في إيده نصين ورمى الفتافيت على الأرض!
التفت لسيد بصوت زي صوت الرعد هز حيطان الفيلا: “سيد! قفل الكمبوند كله! حراسة مشددة على السور، ورجالتنا اللي في الحارة هناك يقفوا على بيت نور طالع نازل.. اللي يلمح عيل من رجالة النجعاوي يصفيه مكان!”
سيد خرج يجري ينفذ الأوامر، وإبراهيم قرب مني ومن حسن.. انحنى على ركبته قدام حسن وأخد علبة الدوا من على الترابيزة وطلع منها الحباية واداها لحسن وإيده ثابتة مش بتتهز، وناوله كوباية مية جديدة: “اشرب يا بطل.. المعلم إبراهيم جنبك، ومفيش مخلوق خلق ربنا على وش الأرض يقدر يأذيك وأنا حي.”
حسن بلع الحباية بالعافية وهو بيترعش وبص لإبراهيم: “أنا.. أنا خايف على نور.. مالهاش غيري يا بيه.”
إبراهيم بص لحسن بثقة، وبعدين رفع عينيه وبصلي بصه هزت كياني كله، وقال: “نور في حمايتي وحمايتك يا حسن.. ونور بعشر رجالة، دمها اللي بيجري في عروقي صحاني من الموت، والجدع اللي يرجع لروحه الروح ما يفرطش فيها أبداً.”
قومت حسن وقعدته على الكنبة يهدا، ووقفت وش لوش قدام إبراهيم: “النجعاوي عرف مكاننا إزاي يا إبراهيم؟! التجمع بعيد.. ده معنا إن في خاين في رجالتك! في حد بينقل له خطوتك!”
إبراهيم حجب ابتسامة دهاء على وش، وقرب مني خطوة وصوته بقى واطي وحاد: “شاطرة يا نور.. مخك شغّال. النجعاوي أجبن من إنه يعرف المكان ده لوحده.”
“ولما إنت عارف إن في خاين.. قاعد مستني إيه؟!”
إبراهيم حط إيده في جيبه، وبص لشباك الفيلا الضخم اللي كاشف الجنينة، وقال ببرود مرعب: “مستنيه يطمع.. الخاين فاكر إنه كشف أوراقي، وما يعرفش إني أنا اللي رميت له الطُعم. المكالمة دي كانت كارت كشف كل حاجة.. والنجعاوي بكرة قبل غروب الشمس مش هييجي عشان يأذيكي يا نور.. النجعاوي جاي عشان يدخل رجله في المفرمة اللي أنا نصبتهاله بنفسي.”
التفت لي وقال بلهجة آمرة ومافيهاش كلام: “من اللحظة دي.. إنتي وأخوكي هتدخلوا الأوضة المصفحة الجوانية. ولا حس ولا خبر لحد ما الشمس تطلع وننظف الوسخ ده كله.”
سحبني من إيدي بالراحة بس بحسم وشاور لحسن، ودخلنا أوضة أمان ورا مكتبه، بابها حديد وتقيل زي أبواب الخزن. وقبل ما يقفل الباب عليا، بصلي في عيني وقالي:
“سندوتش الكبدة بتاعك طلع غالي أوي يا نور.. بس ورحمة أبوي، لو خرجت من الملحمة دي حامي، لأكتب اسمك على كل شبر في المينا دي.”
وقفل الباب الحديد، وأنا سمعت صوت التكة الميرية للأسلحة بره وهي بتتجهز للحرب الأخيرة!
#حكايات_شروق_خالدالباب الحديد اتصهد ورايا وصوت التكة بتاعته رن في ودني زي جرس إنذار. الأوضة المصفحة كانت هادية بزيادة، مش باين منها غير صوت التكييف البطيء ونهتات حسن أخويا اللي بدأت تهدى واحدة واحدة بعد ما الدوا بدأ ياخد مفعوله.
حسن قعد على طرف السرير المفرود في الأوضة، ودعك عينيه وقال بصوت مبشوم: “نور.. هو إحنا هنفضل محبوسين هنا كدة؟ الناس دول شكلهم واصلين أوي، والجدع اللي اسمه إبراهيم ده مش سهل.. أنا خايف عليكي منه أكتر من النجعاوي.”
قعدت جنبه ومسكت إيده بضغط قوي أطمنه: “متقلقش يا حسن.. المعلم إبراهيم صحيح راجل واصل وكلمته سيف، بس جدع وماينكرش العرف. هو فاهم إننا ملناش ذنب، واللعبة دي لعبه كبار.. إحنا بس نفضل هنا لحد ما الليلة دي تعدي على خير.”
الشبورة كانت مغطية الشباك الصغير المصفح اللي فوق.. والوقت كان بيمر زي السلاحف. ساعة.. ساعتين.. تلاتة.
وفجأة، حوالين الساعة أربعة العصر وقبل غروب الشمس بشوية، الصوت بره اتغير تماماً.
صوت ضرب نار مكتوم زي المكاتم بدأ يفرقع بره الفيلا! ضرب متقطع، وبعدين اتحول لملحمة وصوت فرملة عربيات بتخبط في الأسوار الحديد.
حسن اتنفض ومسك فيا: “نور! الضرب بره!”
حضنته ووقفت قدام الباب المصفح، ودني لزقت في الحديد. كنت سامعة صوت زئير إبراهيم العقاد بره وهو بيدي الأوامر بصوت يرج المكان: “ما ترحموش حد! اللي يدخل السور ما يرجعش منه حاي!”
صوت رصاص بيخرم الحيطان، وصوت زجاج بيتكسر.. وبعدين صوت انفجار هز الأرض تحت رجلينا! الأوضة كلها اترجت، والنور اتقطع وثواني واشتغل نور الطوارئ الأحمر.
وفجأة، سمعت صوت حركة قريبة جداً من باب الأوضة.. صوت خطوات تقيلة ومعاها صوت نهتة وجع، وبعدين صوت حد بيلطش في الباب الحديد!
قلبي وقف.. مسكت يد كرسي حديد كان في الأوضة ووقفت قدام الباب بحسم.
صوت سيد درعه اليمين جه من بره وهو بيتأوه وبيصرخ: “افتحي يا أنسة نور! افتحي بسرعة المعلم بيصفى!”
إيدي اترعشت وأنا بفك الأقفال بسرعة.. فتحت الباب، ولقيت المنظر يقطع القلب.
إبراهيم العقاد كان متسند على كتاف سيد، دراعه الشمال كله دم، والقميص الأبيض بتاعه بقى حمر بالكامل، ووشه أصفر زي الشمع.. بس ماسك الطبنجة في إيده اليمين وجايب آخره.
سيد دخله بلهفة وقفل الباب تاني بالمفتاح: “النجعاوي دخل الجنينة بنفسه وكان معاه خاين من ورشتنا القديمة يا معلم.. بس الرجالة جابوا أجله!”
إبراهيم وقع على السرير المفرود، ونفسه كان حشرجة عالية، بس عينيه جت في عيني فوراً.. وبصلي بثبات يرعب رغم إنه بيموت: “قلتلك.. النجعاوي مش هيشوف نور الصبح تاني يا نور.. الوعد اتنفذ.”
سيد بصلي بدموع في عينيه: “الأنسة نور.. النجعاوي مات بره، ورجالته اتصفوا.. بس المعلم أخد رصاصة في كتفه وغير جرح بطنه اللي اتفتح تاني.. نزف كتير أوي، ولازم نقل دم حالاً قبل ما يدخل في صدمة وما يقومش منها!”
إبراهيم غمض عينيه وبدأ يفقد الوعي، ويده سابت الطبنجة ووقعت جنبه.
شمرت عن دراعي فوراً وبصيت لسيد بحدة وجدعنة ابن البلد: “أنتم واقفين تبصوا لي ليه؟! هات جهاز نقل الدم اللي في شنطة الإسعافات بسرعة.. دمي هو اللي صحاه أول مرة، ومش هسيبه يموت في تاني مرة!”
سيد جاب خرطوم وسن المسرجة بسرعة وإيده بتترعش، وأنا قعدت جنبه على طرف السرير مش خايفة ولا مترددة. شمرت دراعي ورشيت مطهر على جلدي، وقلت لسيد بصلابة: “ركب الإبرة هنا بسرعة يا سيد.. مفيش وقت!”


