روايات وقصص

«رجع بعد 6 سنين وهو …حكايات شروق خالد

الساعة كانت 1:17 بعد نص الليل، لما الإسعاف دخل مستشفى الطوارئ في القاهرة بسرعة، وهم جايبين راجل بيموت بسبب إصابات خطيرة. وأول ما شوفت وشه، ست سنين كاملة من الغضب اللي دفنته جوايا رجعت تصرخ من جديد.

أحمد المنصوري… الراجل اللي اختفى من حياتي من غير حتى ما يعرف إني كنت حامل منه، كان بينزف تحت إيديا، بينما بنتنا اللي عندها ست سنين كانت نايمة على بُعد كام كيلو من المستشفى.
ودلوقتي كان لازم أنقذ حياته، قبل ما أقدر أخيرًا أسأله السؤال اللي عشت ست سنين مستنياه:
ليه دمّر حياتي؟
«راجل، عنده 38 سنة! إصابات خطيرة في كذا مكان! الضغط 78 على 40 وبيهبط!»
كنت صاحبة بقالـي تسعتاشر ساعة، لكن التعب اختفى تمامًا أول ما الترولي دخل غرفة الطوارئ.
اتقدمت بسرعة، ومديت إيدي أمسك فكه عشان أفتح مجرى التنفس…
وفجأة اتجمدت.
أحمد.
كان شكله اتغير. بقى أكبر، وملامحه أقسى، وفي شوية شعر أبيض ظهروا عند صدغيه، وكان فيه جرح قديم ممتد لحد ناحية فكه.
بس مهما اتغير، أنا لسه فاكرة شكله وهو حافي في مطبخي صباح كل يوم جمعة، بيهزر معايا ويفضل يشتكي إن القهوة اللي بعملها له تقيلة أوي.
من ست سنين، أحمد باس جبيني قبل ما أنام.
ولما صحيت الصبح…
كان اختفى.
كل اللي سابه وراه ورقة صغيرة مكتوبة بإيده، حاططها جنب ماكينة القهوة.
«سلمى، أنا آسف. ما تدوريش عليا. عيشي حياتك من غيري.»
قريت الورقة دي تسعتاشر مرة، قبل ما أخيرًا أعمل اختبار الحمل اللي كنت خايفة أعمله الليلة اللي قبلها.
ولما ظهر خطين حمرا…
قعدت على أرض الحمام وأنا حاسة إن أحمد ماكانش بس سابني.
ده اختفى من غير ما يعرف إنه كان هيبقى أب.
«دكتورة سلمى؟»
صوت الممرضة رجعني للواقع.
«ركبوا له أنبوبة صدر… بسرعة.»
الدم بدأ يندفع من خلال الأنبوبة، ونسبة الأكسجين عند أحمد بدأت تنزل، وأجهزة المراقبة بدأت تصرخ في المكان.
ضغطه انهار، وأنا فضلت ضاغطة على جرحه بكل قوتي، وبحاول أنقذ الراجل اللي قضيت ست سنين بحاول أنساه.
وفجأة اسمه خرج من بوقي من غير ما أقصد.
«أحمد…»
جفونه اتحركت.
ولثانية واحدة بس، فتح عينيه وبصلي.
قلبي اتقبض.
لأني شفت نفس العينين دول كل يوم الصبح في وش بنتي.
مريم ورثت عينيه بالضبط.
ملامح أحمد اتغيرت، وكأن حاجة جواه بدأت تستوعب مين اللي واقف قدامه.
«خليك معايا»، همست وأنا بحاول أسيطر على رعشة صوتي.
شفايفه اتحركت، كأنه كان بيحاول يقول حاجة.
لكن عينيه قفلت تاني.
رفضت أسيبه يموت.
مش عشان سامحته.
ولا عشان لسه بحبه.
لكن عشان كان عندي أسئلة كتير.
أسئلة فضلت ست سنين من غير إجابة.
بعد ساعتين، الدكاترة قدروا يثبتوا حالته وينقلوه للعناية المركزة.
لكن أول ما خرجت من غرفة العمليات، لقيت رجالة كتير لابسين بدل سودا واقفين في ممرات المستشفى.
وقتها بدأت أفهم إن الراجل اللي كنت فاكرة إني أعرفه زمان…
كان مخبي عني عالم كامل.
أحمد كان زمان بيقول لي إن عيلته عندها مخازن وشركات نقل.
لكن بعد ما اختفى، اكتشفت الحقيقة.
عيلة المنصوري كانت بتملك شركات شحن، ومخازن، ومقاولات، ونوادي، وشركات أمن، واستثمارات بالمليارات.
المجلات الاقتصادية كانت بتتكلم عن أحمد المنصوري باعتباره واحد من أذكى رجال الأعمال في مصر.
الرجالة الأقوياء كانوا بيحسبوا له ألف حساب.
أما أنا…
فكنت شايفاه مجرد راجل جبان ساب حبيبته وهي حامل.
بعد العملية، موبايلي اهتز جنب الحوض.
كانت رسالة من جارتي هالة:
«مريم نامت أخيرًا. وكانت مصممة تقولك إن لولو كسبت السباق النهارده.»
ابتسمت غصب عني.
لولو كانت اللعبة الخيالية اللي مريم اخترعتها، وكانت بتعتبرها حصان سباق.
كتبت لهالة:
«قولي لها إني فخورة بلولو… وقولي لها إني بحبها أوي.»
ردت هالة بعدها بثواني:
«إنتِ كويسة يا سلمى؟»
قبل ما ألحق أرد، سمعت خطوات وقفت ورايا.
«دكتورة سلمى؟»
لفيت.
الممرضة كانت واقفة قدامي، ووشها عليه توتر غريب.
قالت:
«الأستاذ أحمد فاق.»
قلبي ضرب جامد.
وبصوت واطي كملت:
«وهو من أول ما فتح عينه وهو بيسأل عليكي.»
بصيت ناحية باب العناية المركزة.
ست سنين كاملة وأنا بتخيل اللحظة اللي أحمد المنصوري هيرجع فيها يقف قدامي.
كنت متخيلة هصرخ في وشه.
هضربه.
هسأله ليه سابني.
لكن عمري ما تخيلت إني هقابله وهو بين الحياة والموت…
والوجع لسه جوايا.
والأصعب من كل ده…
إنه لسه مايعرفش إن فيه بنت عندها ست سنين، نايمة دلوقتي في بيتها، وبتحمل نفس عينيه.
ومايعرفش إن الست اللي أنقذت حياته…
هي نفسها الست اللي كسر قلبها من ست سنين.
حكايات شروق خالد
دخلت غرفة العناية المركزة وأنا بحاول أتحكم في نفسي.
أول ما عيني وقعت عليه، حسيت إن السنين الستة كلهم رجعوا مرة واحدة.
أحمد كان صاحي.
وشه شاحب، جسمه مليان أجهزة وأسلاك، وإيده فيها كانيولا، وأنبوبة الأكسجين مثبتة على وشه.
أول ما شافني، عينيه اتسعت.
فضل ساكت ثواني.
وبعدين قال بصوت ضعيف:
«سلمى؟»
اتشد جسمي كله.
قربت منه، لكن وقفت على مسافة.
«أيوه.»
فضل باصصلي كأنه بيحاول يتأكد إني مش حلم.
«إنتِ… لسه هنا؟»
ضحكت بسخرية.
«أنا الدكتورة اللي أنقذت حياتك.»
عينيه نزلت للأرض.
«كنت عارف إنك هتكرهيني.»
اتعصبت.
«إنت لسه فاكر إن الموضوع موضوع كراهية؟»
غمض عينيه.
«أنا كنت مضطر.»
«مضطر لإيه؟ إنك تختفي؟ إنك تسيبني لوحدي؟»
فتح عينه وبصلي.
«كنت بحميكي.»
ضحكت من شدة القهر.
«تحميني؟!»
قربت منه.
«إنت عارف أنا عشت كام سنة وأنا فاكرة إنك ما كنتش بتحبني؟»
سكت.
«عارف أنا عملت إيه لما اكتشفت إني حامل؟»
شفايفه ارتعشت.
«حامل؟»
وقفت.
كنت متوقعة إنه يعرف.
كنت متأكدة إن حد بلغه.
لكن من نظرة عينيه فهمت الحقيقة.
هو فعلًا ما كانش يعرف.
قلت بهدوء:
«أيوه.»
عينيه اتسعت.
«إنتِ… كنتِ حامل؟»
هزيت راسي.
«منك.»
حاول يقوم، لكن الألم ضربه، فصرخ.
دخلت الممرضة بسرعة.
«ممنوع الحركة!»
أنا رجعت خطوة.
أحمد فضل يبصلي، ووشه مليان صدمة.
«عندك طفل؟»
بلعت ريقي.
«بنت.»
«عندها كام سنة؟»
«ست سنين.»
سكت.
وبعدين سأل بصوت مكسور:
«اسمها إيه؟»
بصيت له في عينه.
«مريم.»
دمعة نزلت من عينه.
«مريم…»
كرر الاسم كأنه بيجربه لأول مرة.
وبعدين قال:
«هي شبهك؟»
قلبي وجعني.
«لأ.»
رفع عينه.
«شبهك إنت.»
أحمد غمض عينيه، وبدأ يبكي في صمت.
وأنا لأول مرة من ست سنين شفت الراجل اللي كسرني…
مكسور هو كمان.
لكن قبل ما أقدر أقول أي حاجة، باب الغرفة اتفتح بعنف.
واحد من رجالة أحمد دخل.
«يا باشا، لازم نمشي حالًا.»

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى