
أرسلت رسالة يائسة إلى الرقم الخطأ… فظهر في القاهرة أمام بابها.
كان الضوء الخافت لهاتفي منور وشي في ضلمة الصغيرة في منطقة شعبية بالقاهرة.
بره، المطر كان بيخبط على الشباك بإيقاع حزين، وأنا قاعدة على طرف ، جفوني تقيلة من التعب.
3 شغلانات.
وبنت عندها 4 سنين.
ومفيش وقت كفاية لأي حاجة.
دي كانت حياتي.
مسكت الموبايل وكتبت:
— يا كريم، عارفة إن الوقت متأخر، بس حرارة ليلى رجعت. 102.3. الصيدلية قفلت بدري. لسه عندك خافض الحرارة بتاع الأطفال اللي كان عندك المرة اللي فاتت؟ أنا مش قادرة أدفع مصاريف طوارئ تاني الشهر ده.
ضغطت إرسال، وحطيت الموبايل جنبي، وفركت عيني بإيدي.
ليلى كانت نايمة قريب مني، شعرها البني الكستنائي مفروش على المخدة، ووشها محمر من السخونية.
ثقل إني أكون أم لوحدي عمره ما كان بالحجم ده.
كريم، طليقي وأبو ليلى، بقى غير مسؤول بشكل متزايد. لكنه أحيانًا كان بيفتكر إننا موجودين، غالبًا لما يكون محتاج حاجة.
الليلة دي، اليأس كان أقوى من كرامتي.
وكنت بكره نفسي عشان كده.
الموبايل اهتز فورًا تقريبًا.
مسكته، مستغربة إنه رد بسرعة.
— أعتقد إنك بعتي الرسالة لرقم غلط.
عبست وبصيت للرقم.
من شدة الإرهاق، كنت كتبت آخر رقم غلط.
يا سلام.
بالظبط اللي كان ناقصني.
كتبت بسرعة:
— أنا آسفة جدًا. عندك حق. الرقم غلط.
كنت هحط الموبايل، لكن رسالة تانية ظهرت:
— بنتك مريضة؟
السؤال البسيط خلاني أتفاجئ.
الناس ما كانتش بتعمل كده.
محدش كان بيدخل نفسه في مشاكل حد غريب، خصوصًا الساعة 11:37 بالليل.
كتبت:
— أيوه، بس دي مش مشكلتك. آسفة إني أزعجتك.
الرد جه بسرعة:
— في صيدلية فاتحة طول الليل عند ميدان التحرير. هتلاقي فيها اللي محتاجاه.
بصيت للشاشة.
الصيدلية كانت في وسط القاهرة، بعيدة عن منطقتي، وعلى الأقل نص ساعة بالمواصلات.
كتبت:
— شكرًا، بس دي بعيدة جدًا. أنا من غير عربية الليلة دي. هدبر نفسي.
ظهرت 3 نقط.
اختفت.
وبعدين ظهرت تاني.
— عنوانك إيه؟
إحساس بارد سرى في ضهري.
مين الراجل اللي يطلب عنوان ست غريبة في نص الليل؟
حطيت الموبايل على الترابيزة من غير ما أرد.
عدت 10 دقايق.
قعدت جنب ليلى وحطيت فوطة مبلولة على جبينها.
أنينها وهي نايمة كسر حاجة جوايا.
بدأت أقنع نفسي إن الحوار خلص.
لحد ما حد خبط على باب الشقة خبطات قوية.
قلبي خبط في صدري.
اتجمدت.
الخبط اتكرر.
أقوى المرة دي.
مشيت ناحية الباب وبصيت من العين السحرية.
راجل واقف بره.
طويل.
عريض الكتفين.
لابس بدلة غامقة غالية رغم المطر والوقت المتأخر.
وراه راجل ضخم واقف عند السلم.
الراجل الأول كان ماسك كيس صيدلية أبيض.
قال بصوت هادي:
— أنا سامع نفسك من ورا الباب.
بلعت ريقي.
— مين إنت؟
— واحد جاب دوا لبنتك.
— عرفت عنواني إزاي؟
— عندي طرق أعرف بيها.
سكت لحظة.
— افتحي الباب أو ما تفتحيهوش.
ثم أضاف:
— بس بنتك محتاجة الدوا، مش كده؟
بصيت ناحية ليلى.
اتخذت قرارًا ما كنتش متأكدة إنه صح.
فكيت السلسلة وفتحت الباب شوية.
الراجل كان أصغر مما توقعت.
يمكن في أوائل التلاتينات.
ملامحه حادة.
شعره أسود ومرتب.
وعينيه رمادي مائل للأزرق، بتبص لي بتركيز يخلي الواحد يتوتر.
— عرفتني إزاي؟
سألته تاني.
دفع كيس الصيدلية من فتحة الباب.
— كود المنطقة ساعدني أحدد المكان.
ثم قال:
— والباقي كان سهل.
— إنت مين؟
— ياسين.
كرر اسمه بهدوء.
— ياسين المنصوري.
الاسم وحده خلاني أسكت.
كنت سمعت الاسم قبل كده.
كل القاهرة تقريبًا كانت سمعته.
ياسين المنصوري.
رجل الأعمال الغامض اللي الناس بتقول إن شركاته واجهة لأعمال محدش يجرؤ يسأل عنها.
لكن الشائعات كانت بتقول حاجة أخطر.
إنه زعيم أكبر شبكة مافيا في القاهرة.
بصيت له بخوف.
هو لاحظ.
لكن ملامحه ما تغيرتش.
— خدي الدوا.
أشار للكيس.
— فيه خافض حرارة، محلول أملاح، ولزقات للحرارة.
اترددت، وبعدها أخدت الكيس.
صوابعنا لمست بعض.
إيده كانت دافية.
— شكرًا.
ضممت الكيس لصدري.
— بس ده برضه ما يفسرش إزاي عرفت عنواني.
مال برأسه.
— الصيدلية وصلتهولي.
كانت كذبة.
ناعمة.
محترفة.
لكنها كذبة.
الراجل الضخم اللي وراه اتحرك.
ولثانية، لمحت مسدس تحت الجاكيت.
نفسي اتقطع.
قال ياسين بهدوء:
— ادي بنتك الدوا.
بص ناحية ليلى.
— حرارتها مش هتستنى لحد ما شكوكك تختفي.
بدأت أقفل الباب.
— شكرًا مرة تانية.
إيده مسكت الباب قبل ما يقفل.
خاتم فضي لامع ظهر في صباعه.
— اسمك إيه؟
— مريم.
سكت لحظة.
— مريم عبدالسلام.
— مريم.
كرر اسمي ببطء.
— خدي بالك من بنتك يا مريم.
ثم قال:
— ممكن أعدي بكرة وأطمن عليها.
ما كانتش جملة سؤال.
كانت أقرب لوعد.
قفلت الباب فورًا.
قفلت المزلاج.
ركبت السلسلة.
وبعدين سندت ضهري على الباب وقلبي بيجري.
من العين السحرية، شفته بيرتب أكمام بدلته، ويقول حاجة للراجل اللي معاه، وبعدها يمشي بثقة شخص ممكن يكون مالك العمارة كلها.
ما ارتحتش غير لما سمعت صوت عربية فخمة وهي بتتحرك بعيد.
الكيس كان فيه خافض حرارة، محلول أملاح ولزقات.
وكمان كان فيه كارت أسود.
من غير اسم شركة.
فقط رقم هاتف محفور بالفضي.
اديت ليلى الدوا.
وبعد حوالي ساعة، بدأت حرارتها تنزل.
نَفَسها استقر.
الإحساس بالراحة غمرني.
لكن القلق جه معاه.
إزاي راجل زي ياسين المنصوري اهتم برسالة غلط؟
وليه يهتم بأم وحيدة عايشة في شقة متهالكة؟
الصبح، حاولت أقنع نفسي إن اللي حصل مجرد وهم بسبب الإرهاق.
لحد ما شفت الكارت الأسود على الكومود.
حقيقي.
ومستحيل أنكره.
ليلى كانت أحسن.
حرارتها اختفت، وكانت قاعدة بتلعب بأرنبها القماشي وأنا بجهز الفطار.
توست ومربى.
ولا حاجة مبهرة.
لكن تكفي



