منوعات

حكايات زهرة الربيع

جوزي محمود كان واقف جنبي، وكل شوية يبصلي بنظرة مش مرتاحة.

قلتله وأنا بضحك من الفرحة: “مالك يا محمود؟ إنت مش فرحان؟”

بصلي وقال: “فرحان يا وفاء، بس مش عارف ليه قلبي مقبوض.”

ضحكت وقلتله: “ده من كتر الفرحة، إحنا مستنيين اليوم ده من عشر سنين، معقول لما ييجي تفضل خايف؟”

سكت محمود، وبص ناحية باب أوضة العمليات، وبعدها قال بصوت واطي: “ربنا يسترها على أختك وعلى العيل.”

ما كنتش فاهمة سبب كلامه، ولا كنت مستعدة أسمع أي حاجة غير صوت عياط الطفل اللي كنت مستنياه من سنين.

بعد شوية، خرجت دكتورة من أوضة العمليات، وكانت ملامحها متغيرة، ووراها ممرضة شايلة طفل ملفوف في بطانية بيضا.

قلبي دق بسرعة، وجريت ناحيتها وأنا بقول: “الحمد لله على السلامة! أختي عاملة إيه؟ والبيبي؟ هاتيه يا دكتورة، هاتيه أشوف ابني!”

الدكتورة ما سلمتنيش الطفل، وبدل ما تبتسم زي ما كنت متوقعة، بصتلي بجدية وقالت: “حضرتك أخت المريضة؟”

قلت بسرعة: “أيوه، أنا أختها، وأنا اللي هاخد البيبي أربيه.”

الدكتورة بصت للممرضة، وبعدين رجعت بصتلي وقالت: “محتاجة أتكلم معاكي ومع جوزك حالًا.”

حسيت إن رجلي مش شايلاني.

قلت لها: “ليه؟ حصل إيه؟ أختي جرالها حاجة؟”

الدكتورة ردت: “أختك بخير دلوقتي، لكن فيه موضوع مهم لازم تعرفوه قبل ما أي حد ياخد الطفل.”

مديت إيدي ناحية البيبي، لكن الممرضة رجعت خطوة لورا.

صرخت فيها: “إنتي بتعملي إيه؟ ده ابني!”

الدكتورة رفعت صوتها لأول مرة وقالت: “محدش قال إنه ابنك، ومحدش يقدر ياخده من أمه بالطريقة دي.”

اتجمدت مكاني.

محمود مسك دراعي وقال: “اهدي يا وفاء، خلينا نفهم.”

لكن أنا كنت خلاص فقدت السيطرة على أعصابي.

قلت للدكتورة: “إنتي عارفة إني متفقة مع أختي على كل حاجة؟ هي وافقت وأنا هربيه، وجوزي هيسجله باسمه، وكل حاجة متظبطة!”

الدكتورة اتنهدت وقالت: “الموضوع مش بالبساطة دي، وأختك طلبت تشوفك بنفسها أول ما تفوق.”

في اللحظة دي، سمعت صوت جوز أختي، سامح، جاي من آخر الطرقة وهو بينادي عليها بلهفة.

سامح كان قاعد على كرسي متحرك، ورغم إن رجله كانت تعباه عن الحركة، كان بيحاول يحرك نفسه بأسرع ما يقدر، وابنه الكبير بيدفع الكرسي من وراه.

أول ما شاف الطفل في إيد الممرضة، وشه اتغير.

بصلي وقال: “إنتي لسه مصممة على اللي في دماغك يا وفاء؟”

قلتله بعصبية: “إنت مالك دلوقتي؟ أختك وافقت وأنا هربي ابنها، وإنت عارف إن ده هيحل مشاكلكم كلها!”

سامح بصلي بحزن شديد وقال: “المشاكل اللي إحنا فيها مش معناها إننا نبيع عيالنا.”

الكلمة نزلت عليا زي القلم.

صرخت فيه: “أنا ما بشتريش عيالك! أنا عايزة أربي طفل وأديله حياة أحسن!”

رد عليا: “وأنا مش رافض إنك تفرحي، لكن مش من حقك تخلينا نجوع عشان نوافق على حاجة إحنا رافضينها.”

محمود نزل عينه في الأرض، وأنا حسيت إن كل اللي حواليا بيتآمروا عليا.

قبل ما أرد، خرجت ممرضة تانية وقالت إن أختي فاقت وعايزاني.

دخلت أوضتها وأنا قلبي بيخبط في صدري، ولقيتها نايمة على السرير، وشها شاحب وعينيها مليانة دموع.

أول ما شافتني، مدت إيدها ناحيتي.

قربت منها بسرعة وقلت: “حمد لله على سلامتك يا حبيبتي، متقلقيش، كل حاجة هتكون زي ما اتفقنا، والبيبي هياخد أحسن رعاية، وأنا هخلي بالي منه أكتر من نفسي.”

لكن أختي ما ابتسمتش.

مسكت إيدي بقوة وقالت: “وفاء، أنا عايزة أقولك حاجة.”

قلت لها: “قولي يا حبيبتي، بس الأول طمنيني، الدكتور قال إنك كويسة.”

قالت بصوت متقطع: “أنا تعبت أوي، ومش قادرة أستحمل أكتر من كده.”

قلت لها وأنا بحاول أضحك: “خلاص يا ستي، كلها كام يوم وهترجعي بيتك، وأنا هبقى شايلة عنك هم البيبي.”

هزت راسها وقالت: “لأ يا وفاء، إنتي مش فاهمة.”

قعدت جنبها، وقلبي بدأ يقبض.

قالت: “أنا وافقت على طلبك عشان كنت خايفة على عيالي من الجوع، وخايفة على سامح اللي إنتي كنتي السبب في إنه يخسر شغله.”

حاولت أقاطعها، لكنها كملت: “كنت كل ليلة أبص لعيالي وهما نايمين، وأقول لنفسي أعمل إيه؟ أسيبهم من غير أكل ولا أوافق على حاجة قلبي مش قادر يستحملها؟”

دموعها نزلت على خدها.

“أنا عارفة إنك محرومة، وعارفة إنك نفسك تبقي أم، وعمري ما كرهتلك الخير، لكن إنتي يا وفاء خليتيني أحس إن مفيش قدامي اختيار.”

حسيت إن في حاجة بتتكسر جوايا، لكن بدل ما أعترف بغلطتي، قلت بعصبية: “يعني إيه الكلام ده؟ هو أنا كنت باخد منك حاجة من غير رضاكي؟ ما إنتي وافقتي بنفسك!”

بصتلي وقالت: “وافقت وأنا خايفة على عيالي، مش لأني قادرة أعيش من غير ابني.”

سكتت لحظة، وبعدها قالت الجملة اللي قلبت اليوم كله.

“أنا مش هقدر أديهولك.”

وقفت من مكاني وقلت: “إيه؟!”

قالت وهي بتعيط: “مش هقدر يا وفاء، سامحني، أنا أول ما سمعت صوته حسيت إني كنت هضيع روحي لو خرج من حضني.”

حسيت بدنيا بتلف بيا.

قلت لها: “إنتي بتلعبي بيا؟ أنا جهزت أوضة كاملة، واشتريت كل حاجة، واتفقنا، وجوزي رجع سامح للشغل؟!”

بصتلي بوجع وقالت: “هو رجع الشغل فعلًا؟”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى