منوعات

المصيدة حكايات شروق خالد

“رجعت من قطر من غير ما أقول لأي حد، ولقيت أمي عندها واحد وسبعين سنة محبوسة في أوضة فوق، جسمها هزلان من الجوع ومربوطة في السرير، في الوقت اللي عيلة جوزي عايشين في خير الفلوس اللي كنت ببعتها عشان رعايتها. ‘حسام’ حذرني وقال لي ‘ما تعمليش منها مأساة’، بس لما بدأت أسجل بالراحة وبصيت تحت مرتبة أمي، اكتشفت بوليسة تأمين على حياتي باسمه هو المستفيد الوحيد، وماكانتش المفروض تتفعل غير بعد يومين من وصولي مصر.
أنا اسمي أمل.
بقالي يجي تلات سنين شغال نوبتيات وراء بعض في فندق فخم في الدوحة، في الوقت اللي حسام جوزي وعدني فيه إن أمي هتبقى في أمان مع أهله في إسكندرية.
أمي كانت لسه عاملة عملية كبيرة في الحوض.
وحسام هو اللي اترجاني ما أحطهاش في دار مسنين.
قال لي: “الحاجة فاطمة هتبقى في عينينا، أهلي هيشيلوها فوق رأسهم كأنها واحدة منهم.”
صدقته وعوزت أصدقه.
عشان كده مع كل قبض، كنت ببعث الفلوس.
فلوس علاج طبيعي.
أدوية وروشتات.
مستلزمات كبار السن.
سرير طبي.
وممرضة خاصة تجيلها لحد البيت.
كل اللي أمي تحتاجه، كنت بدفع ثمنه ناشف.
حسام كان كل فترة يبعت لي صورة عشان يطمنّي إنها كويسة.
بس بعد فترة، لاحظت حاجة غريبة.
أمي كانت دايماً متصورة جنب نفس الشباك.
وكل ما أطلب أكلمها فيديو، حسام يطلع لي بحجة:
أصلها نايمة.
تعبانة شوية.
التليفون فصل شحن.
الشبكة وحشة مش مجمعة.
لحد ما من ثمان أيام، جاتلي رسالة صوتية ثلاث ثواني بس من تليفون أمي.
في الأول سمعت خبطة جامدة.
بعدها نفَس مكتوم.
وفِي الآخر همسة أمي المرعوبة:
“ما تمضيش على حاجة.”
الرسالة اتمسحت في ساعتها.
حسام كلمني بعدها في نفس الليلة:
“أمك كبرت وبدأت تخرف يا أمل، ما تعمليش منها مأساة وأنتِ بعيدة كده.”
مثلت إني اقتنعت بكلامه.
وحجزت أول طيارة نازلة مصر.
ما قلتش لأي مخلوق.
لما دخلت بيت إسكندرية، ما عرفتش الصالة من كتر التغيير.
أنتريه جلد جديد.
تلفزيون شاشة ضخمة.
ماكينة قهوة غالية.
وكانت دلاية الدهب بتاعة أمي ملفوفة حوالين رقبة “هدى” أخت حسام.
في اللحظة دي خرج حسام من المطبخ.
أول ما شافني، وشه اتخطف والدم هرب منه.
“أمل؟! أنتِ إيه اللي جابك دلوقتي؟”
“جيت أخد أمي.”
محدش رد.
وفجأة سمعت الصوت..
صوت خبط خفيف جاي من الدور اللي فوق.
جريت على السلم.
في أخر الطرقة في الدور الثاني، كان فيه دولاب ثقيل متزق ومسدود بيه باب الأوضة.
“أمل استني!”
حسام كان بيجري ورائي.
زقيت الدولاب وبطلوع الروح فتحت الباب.
اللي شفته جمد الدم في عروقي.
أمي كانت مرمية على مرتبة متبهدلة ومبقعة.
مربوطة في السرير بحبال وقماش.
شفايفها ناشفة ومشققة.
وطبق أكل معفن ومحدش لمسه جنبها.
“أمي…”
فتحت عينيها.
وبدل ما تمد إيدها ليا، همست:
“ما تفكيش الحبل دلوقتي.”
برقت لها:
“بصي تحت المرتبة الأول.”
في ثانية طلعت تليفوني، شغلت التسجيل، وطلبت النجدة.
رفعت المرتبة.
لقيت كيس بلاستيك متقفل ومخبى تحتها.
جواه إيصالات كل تحويل مالي بعثته من قطر.
صورة من بطاقتي الشخصية.
أوراق طبية عمري ما شفتها.
وتوكيل رسمي عليه إمضاء طبق الأصل من إمضائي.
تقريباً..
لأني عمري ما مضيت عليه.
وبعدين لقيت دوسيه تاني.
بوليسة تأمين على الحياة.
المؤمن عليه: أمل.
المستفيد الأول: حسام.
بطني اتعصرت من الصدمة.
وبعدين بصيت على تاريخ تفعيل البوليسة..
بعد يومين من النهاردة!
درت ببطء.
حسام كان واقف على الباب.. إيديه بترتعش.
“أمل اسمعيني.. أنا اقدر أفهمك كل حاجة.”
فجأة أمي مسكت في معصم إيدي بقوة:
“أمل…”
وطيت عليها.
“ما تشربيش أي حاجة يدوها لك.”
قبل ما أرد، سمعت صوت سوستة شنطتي بتتفتح تحت في الصالة.
وهدى أخت حسام بتصرخ من تحت:
“يا حسام! الفلوس مش في شنطتها!”
قفت مكاني ما تحركتش.
لأن الفلوس اللي شقيت فيها كانت في مكان حسام بعمره ما يوصل له.
بره، سرينة الشرطة كانت بتقرب وصوتها بيعلى.
وحسام ما كانش يعرف إن تليفوني بيسجل كل حرف من أول ما قدمي عتبت البيت.
ساعتها أمي همست بحاجة خليت وثيقة التأمين اللي في إيدي مالهاش أي قيمة:
“هم ما كانوش مستنيين يومين عشان يأذوكي…”
بصيت لها والدموع مغرقة عينيها:
“هم كانوا مستنيين يومين عشان يبان إني أنا اللي قتلتك.”
وفي اللحظة دي، عرفت إني ما رجعتش بس عشان أنقذ أمي.. أنا دخلت بجمجمتي في خططة ما كانش المفروض يكون ليها أي شاهد!
#حكايات_شروق_خالدصوت السارينة كان بيقرب بسرعة، ووش حسام بدأ يتحول للون الخاطف، عرق بارد نازل على جبهته وهو يبصلي ويبص لأمه المرعوبة على السرير.
“أمل.. والله العظيم فهمتي غلط! أختي هدى والبيت كله كانوا بيساعدوني، الفلوس راحت في مصاريف علاج وعمليات لأمك!”
بصيتله بقرف، ورفعت تليفوني في وشه:
“المكالمة دي.. والتسجيل ده.. والتوكيل المزرقش اللي تحت المرتبة، كله طالع لايف لضباط النجدة وللمحامي بتاعي. الفلوس اللي كنت ببعتها أسبوع بأسبوع متسجلة بالمليم من بنك قطر، وأنتوا بتاخدوها تجددوا بيها العفش وتلبسوا دهب أمي!”
هدى طلعت تجري على السلم وهي بتلهث، وشها أصفر زي الليمونة أول ما شافت ملف التأمين في إيدي:
“حسام! الشرطة وقفت تحت العمارة! أنت مش قلت لي هي مش هتحس بحاجة وهتشرب العصير وخلاص؟!”
حسام صرخ فيها بصوت يرعب:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى